خذلان حكـايـات أسمـا ×4

الفصل السابع

فيلا الشاذلي كانت ساكتة بشكل غريب تلك الليلة.

لكن داخل مكتب فؤاد…

ماكانش فيه أي هدوء.

الصورة كانت قدامه على المكتب.

وصورة سامي الديب مكبرة على شاشة اللابتوب.

والملفات القديمة مفتوحة حواليه.

منى دخلت بهدوء.

وقالت:

“فؤاد… مين سامي الديب؟”

رفع عينيه ببطء.

وظل ساكتًا ثواني طويلة.

ثم قال:

“أكبر غلطة في حياتي.”

جلست مقابله.

وقالت:

“عايزة أفهم.”

تنهد فؤاد.

ورجع بذاكرته عشرين سنة للخلف.

وقال:

“زمان… كنت مسؤول عن واحدة من أخطر القضايا في البلد.”

“شبكة تهريب سلاح وأموال.”

“وكان سامي الذراع اليمين لزعيم الشبكة.”

“ذكي.”

“هادئ.”

“وصبور بشكل مرعب.”

سكت لحظة.

ثم أكمل:

“لما قبضنا عليهم كلهم… سامي هرب.”

“واختفى.”

“وبعد سنة وصلتني معلومة إنه مات.”

“وكل الأدلة كانت بتأكد ده.”

منى بلعت ريقها.

وقالت:

“يعني كان عايش كل السنين دي؟”

هز رأسه.

وقال:

“واضح إنه كان بيستنى.”

في صباح اليوم التالي…

بدأ فؤاد يتحرك.

لكن المرة دي بشكل مختلف.

ماكانش بيدور على مجرم.

كان بيدور على شبح.

سامي الديب ماكانش بيستخدم اسمه الحقيقي.

ولا حسابات باسمه.

ولا ممتلكات باسمه.

ولا حتى صور حديثة ليه.

كأنه اختفى من العالم.

لكن سامي ارتكب خطأ صغير.

الوردة البيضاء.

فؤاد طلب فحصها.

وبعد ساعات قليلة…

وصل التقرير.

نوع الورود ده نادر.

وبيتباع في مكانين فقط داخل مصر.

واحد منهم مشتل خاص على طريق مصر الصحراوي.

ابتسم فؤاد لأول مرة منذ أيام.

وقال:

“لقيتك.”

في نفس الوقت…

كانت ياسمين تحاول تستعيد حياتها.

بدأت تشتغل مع جمعية لدعم السيدات المعنفات.

وكانت لأول مرة تحس إن وجعها ممكن يساعد حد غيرها.

كل يوم كانت تسمع قصصًا تشبه قصتها.

وأحيانًا أسوأ.

وفي أحد الأيام…

دخلت فتاة صغيرة إلى الجمعية.

عمرها حوالي عشرين سنة.

وجهها مليء بالكدمات.

وجلست تبكي.

اقتربت منها ياسمين.

وأمسكت يدها.

وقالت:

“متخافيش.”

الفتاة رفعت رأسها.

ثم شهقت فجأة.

وقالت:

“أنا أعرفك.”

استغربت ياسمين.

“إزاي؟”

ردت الفتاة:

“أنتِ البنت اللي طلعت في الأخبار.”

ثم أضافت جملة جعلت الدم يتجمد في عروقها:

“أنا شوفت الراجل اللي خطفك.”

اتسعت عينا ياسمين.

وقالت بسرعة:

“فين؟”

ردت الفتاة:

“قبل أسبوع.”

“كان عند جوز أختي.”

“في مزرعة كبيرة.”

بعد ساعة واحدة فقط…

كانت المعلومة عند فؤاد.

وبدأ فريقه يتتبع المكان.

المزرعة كانت بعيدة.

ومملوكة باسم رجل أعمال مجهول.

لكن بعد البحث…

اكتشفوا الحقيقة.

المالك الوهمي مجرد واجهة.

أما الممول الحقيقي…

فكان سامي الديب نفسه.

في تلك الليلة…

وصل فؤاد إلى المزرعة.

لكن المكان كان خاليًا.

تمامًا.

كأن الناس اختفوا قبل دقائق فقط.

إلا شيء واحد.

ورقة فوق المكتب.

مكتوب فيها:

“لسه أسرع منك بخطوة.”

ضغط فؤاد على الورقة بغضب.

لكن عينيه توقفتا عند شيء آخر.

خريطة.

صغيرة.

مطوية بعناية.

فتحها.

فوجد دائرة حمراء حول مكان واحد.

مكان صدمه تمامًا.

لأن الدائرة كانت مرسومة حول…

فيلا ياسمين نفسها.

في نفس اللحظة…

كانت ياسمين وحدها في الفيلا.

منى خرجت لزيارة قريبة مريضة.

وفؤاد بعيد.

والأمن في الخارج.

لكن داخل البيت…

كانت تسمع صوتًا غريبًا.

صوت خطوات.

بطيئة.

هادئة.

قادمة من الطابق العلوي.

تجمدت في مكانها.

رفعت رأسها نحو السلم.

والصوت تكرر.

خطوة.

ثم خطوة أخرى.

ثم…

صوت باب يُفتح ببطء.

شعرت بقلبها يكاد يقف.

وأمسكت هاتفها بسرعة.

لكن قبل أن تضغط أي رقم…

انطفأت كل الأنوار في الفيلا دفعة واحدة.

وغرقت الدنيا في ظلام كامل.

وفي الظلام…

سمعت صوت رجل يهمس بالقرب منها جدًا:

“وحشتيني يا ياسمين…”

يتبع… الفصل الثامن.

 

الفصل الثامن

تجمد الدم في عروق ياسمين.

الهاتف كاد يسقط من يدها.

والظلام كان كثيفًا لدرجة أنها لم تستطع رؤية شيء.

لكنها كانت متأكدة من أمر واحد.

الصوت كان قريبًا جدًا.

قريبًا بشكل مرعب.

تراجعت خطوة للخلف.

ثم خطوة أخرى.

وقلبها يكاد يخرج من صدرها.

وقالت بصوت مرتعش:

“مين؟”

ساد الصمت.

ثانية.

ثانيتان.

ثم جاء نفس الصوت:

“لسه بتخافي بسرعة زي زمان.”

في تلك اللحظة…

تعرفت على الصوت.

واتسعت عيناها من الصدمة.

لأنه لم يكن صوت سامي الديب.

ولا صوت أي شخص من العصابة.

كان صوت شخص تعرفه.

شخص ظنت أنها لن تراه أبدًا.

همست:

“حسام؟”

ثم أضاءت أنوار الطوارئ فجأة.

ضوء خافت أحمر ملأ المكان.

وكان حسام واقفًا بالفعل.

لكن شكله لم يكن كما تتذكره.

وجهه شاحب.

لحيته طويلة.

وعيناه غارقتان في الإرهاق.

قالت بغضب:

“إنت دخلت هنا إزاي؟!”

رفع يديه ببطء.

وقال:

“اسمعيني بس.”

صرخت:

“اخرج بره!”

لكن حسام لم يتحرك.

وقال بسرعة:

“إنتِ في خطر.”

ضحكت ياسمين بمرارة.

“الخطر اللي دمر حياتي واقف قدامي دلوقتي.”

انكسرت ملامحه.

لكنه أكمل:

“عارف.”

“وعارف إني أستاهل الكره ده.”

“بس سامي الديب مش بيلعب اللعبة اللي إنتِ فاكراها.”

قبل أن ترد…

رن هاتف ياسمين.

رقم فؤاد.

ردت فورًا.

فجاءها صوته الحاد:

“اطلعي أوضتك واقفلي الباب حالًا!”

شهقت.

“بابا؟”

رد بسرعة:

“سامي جوه الفيلا.”

التفتت نحو حسام.

فوجدته ينظر حوله بعصبية.

وقال:

“وصل قبلنا.”

في اللحظة نفسها…

سمعوا صوت زجاج يتحطم في الطابق العلوي.

ثم صوت ضحكة بعيدة.

باردة.

ومخيفة.

في الخارج…

كانت سيارات فؤاد تقترب بسرعة جنونية.

بعد اكتشاف الخريطة.

فهم فؤاد أن المزرعة كلها كانت مجرد طعم.

وأن الهدف الحقيقي كان ياسمين.

من البداية.

ومنذ سنوات.

كان الهدف دائمًا ياسمين.

داخل الفيلا…

أمسك حسام بيد ياسمين.

لكنها سحبت يدها بعنف.

قال:

“مش وقت الحساب دلوقتي.”

ثم أشار نحو المطبخ.

“في باب خلفي.”

لكن قبل أن يتحركا…

انطفأت الأنوار الاحتياطية أيضًا.

وغرق المكان في ظلام مطلق.

ثم سمعا صوت تصفيق.

هادئ.

بطيء.

يقترب منهما.

تصفيقة.

ثم أخرى.

ثم أخرى.

حتى ظهر رجل من نهاية الممر.

يمشي بثبات.

وكأنه في بيته.

كان في منتصف الخمسينيات.

يرتدي بدلة داكنة.

وشعره الرمادي مرتب بعناية.

وعلى وجهه ابتسامة باردة.

ابتسامة رجل انتظر سنوات طويلة لهذه اللحظة.

قال بهدوء:

“أخيرًا.”

تجمد حسام.

أما ياسمين فشعرت أن قلبها توقف.

لأنها عرفت فورًا من يكون.

سامي الديب.

الرجل الذي قلب حياتها إلى جحيم.

ابتسم سامي.

ونظر إلى حسام.

ثم قال ساخرًا:

“كنت متأكد إنك هتيجي.”

رد حسام بغضب:

“سيبها.”

ضحك سامي.

ضحكة طويلة.

ثم قال:

“مضحك.”

“بعد كل اللي عملته فيها… جاي تنقذها؟”

خفض حسام رأسه لحظة.

لكن ياسمين لاحظت شيئًا غريبًا.

حسام لم ينكر.

لم يدافع عن نفسه.

كأنه يحمل ذنبًا أثقل مما تتخيل.

وفجأة…

رفع سامي يده.

وظهرت من الظلام عدة أشعة ليزر حمراء.

مصوبة نحو صدورهم.

قناصة.

في الخارج.

وحول الفيلا.

قال سامي بهدوء:

“فؤاد قرب يوصل.”

“بس المرة دي…”

“مش هيلحق.”

وفي نفس اللحظة…

توقفت سيارات فؤاد أمام الفيلا.

ونزل منها الرجال مسرعين.

لكن فؤاد تجمد مكانه.

لأنه رأى شيئًا جعله يبهت.

شيئًا لم يتوقعه أبدًا.

كان هناك سلك رفيع ممتد من سور الفيلا إلى الداخل.

وسامي الديب معروف بشيء واحد.

الفخاخ.

نظر فؤاد إلى رجاله.

وقال بصوت منخفض:

“محدش يتحرك.”

لكن بعد ثانية واحدة فقط…

سُمع انفجار هائل هز المكان كله.

وتحول الليل الهادئ إلى فوضى كاملة.

أما داخل الفيلا…

فسقط السقف الخشبي فوق جزء من الممر.

وتصاعد الغبار في كل اتجاه.

واختفت الرؤية تمامًا.

ولما بدأت ياسمين تستعيد وعيها وسط الدخان…

اكتشفت أن سامي الديب اختفى.

لكن الأسوأ من ذلك…

أن حسام كان ملقى على الأرض.

والدم ينزف من كتفه بغزارة.

بينما همس بصعوبة:

“في حاجة لازم تعرفيها…”

ثم فقد وعيه قبل أن يكمل.

يتبع… الفصل التاسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *