صدمة العمر حكـايـات أسمـا السـيد ×1
الفصل الأول
كنت فاكرة إن الحب لما يبقى حقيقي بيقدر يعدي بأي وجع وكنت فاكرة إن الراجل اللي بيحب مراته بجد عمره ما يشوف ضعفها عيب ولا مرضها نقص ولا تعبها سبب يخليه يبعد كنت فاكرة إن الجواز مش بس أيام حلوة وخروج وضحك وكلام حلو الجواز كمان سند وقت المرض وطبطبة وقت الكسر وكتف الواحد يرمي عليه كل خوفه من غير ما يتحاسب عليه لكن للأسف الواحد ساعات ما بيعرفش حقيقة اللي معاه غير لما الدنيا تضلمه فجأة ولما جسمه يقع ولما وشه يتغير ولما يبقى محتاج يتشاف بقلب مش بعين
أنا اسمي ندى عندي اتنين وثلاثين سنة اتجوزت عن حب من راجل كنت فاكرة إنه نصيبي الحلو في الدنيا اسمه ياسر كان بالنسبة لي كل حاجة الزوج والصاحب والأمان والحضن اللي بجري عليه من تعب الدنيا من أول يوم دخل فيه حياتي وأنا حسيت إني أخيرًا لقيت الشخص اللي هيريح قلبي كان بيحبني بطريقة تخلي أي بنت تحس إنها ملكة كان بيكلمني بالساعات يطمن عليا في الشغل وفي البيت ولو اتأخرت عليه شوية كان صوته يتغير ويقولي أنا قلقت عليكي يا ندى ما تعمليش فيا كده
بعد الجواز حبنا ما قلش بالعكس زاد كنت بصحى ألاقيه باصصلي وهو مبتسم ويقولي انتي عارفة إنك أحلى حاجة حصلتلي وكنت أضحك وأقوله بلاش كلام أفلام يا ياسر فيرد ويقول أفلام إيه بس ده أنا لو كتبت فيكي عمر كامل مش هكفيكي حقك
كنا طبيعيين جدًا بنخرج ونهزر ونتخانق ونتصالح ونقعد ناكل من طبق واحد ونضحك على أسباب خناقاتنا التافهة كان بيحب وجودي في البيت وكان دايمًا يقول إن البيت من غير صوتي ملوش روح وكنت أنا كمان حاسة معاه إني ست مرغوبة ومحبوبة ومتشافة حاسة إن جوزي مكتفي بيا عن الدنيا كلها كان يقولي أنا مكتفي بيكي عن ستات الدنيا يا ندى وكان الكلام ده يملى قلبي رضا وأمان
كنت بعيش أجمل أيام عمري من غير ما أعرف إن الأيام دي كانت بتودعني واحدة واحدة
بدأت أتعب في الأول كان تعب عادي دوخة بسيطة إرهاق لون وشي باهت فقدان شهية ونقص وزن غريب كل اللي حواليا قالولي يمكن أنيميا يمكن ضغط شغل يمكن قلة أكل وأنا صدقت لأن الواحد عمره ما بيتخيل إن الشر الكبير ممكن يخبط على بابه كده فجأة
ياسر في الأول كان قلقان جدًا كان ياخدني من إيدي للدكاترة ويقولي مش هسيبك غير لما أعرف مالك كان قاعد جنبي في العيادات ماسك إيدي طول الوقت وكل ما أبصله ألاقي الخوف في عينيه كنت أطمنه وأنا اللي تعبانة أقوله متقلقش يا حبيبي أكيد حاجة بسيطة فيشد على إيدي ويقول حتى لو مش بسيطة أنا معاكي
لكن التحاليل زادت والأشعات زادت وكلام الدكاترة بقى تقيل ومش مفهوم لحد اليوم اللي الدكتور قعد قدامنا وسكت لحظة طويلة قبل ما يتكلم اللحظة دي عمري ما هنساها لأن قلبي فهم قبل وداني الدكتور قال كلام كتير عن خلايا وعلاج وخطة وجلسات لكن الكلمة الوحيدة اللي فضلت ترن جوه دماغي كانت سرطان
سرطان
كأن الكلمة دي مش كلمة كأنها باب اتفتح على ظلمة كبيرة بلعتني أنا وياسر وكل حياتنا خرجنا من عند الدكتور وأنا مش ماشية على رجلي كنت ماشية على بقايا روحي ياسر كان ساكت ماسك الورق في إيده ووشه مصفر ركبت العربية وفضلت أبص من الشباك وأنا مش شايفة حاجة دموعي نزلت بهدوء من غير صوت ولما بصلي مد إيده ومسحها وقال بصوت مكسور هتخفي يا ندى والله هتخفي وأنا معاكي ومش هسيبك
في اللحظة دي صدقته
بدأت جلسات الكيماوي وبدأ معاها شكل حياتي يتغير جسمي بقى أضعف من أقل مجهود شعري اللي كنت بحبه وبيحبه وقع خصلة ورا خصلة في الأول كنت بلمه من على المخدة وأستخبى في الحمام أعيط وبعدها جه يوم بصيت في المراية ولقيت نفسي ست تانية ست وشها شاحب عينيها غرقانة في الهالات جسمها خاسس وروحها متبهدلة
ياسر كان بيحاول يطبطب في الأول جابلي طرح ملونة وقاللي كل حاجة عليكي حلوة يا ندى حتى تعبك حلو ضحكت يومها وأنا بعيط وحضنته وقلتله خايفة أقرفك مني فزعل وقاللي إياكي تقولي كده انتي مراتي وحبيبتي وروحي
لكن المرض ما بيختبرش الجسم بس المرض بيختبر القلوب كمان
مع الوقت أنا اتغيرت من جوه مش بس من بره بقيت مرهقة طول الوقت جسمي واجعني نفسيتي مكسورة وخوفي سابقني في كل حاجة علاقتي بجوزي اللي كانت مصدر أمان وفرحة بقت عبء تقيل على قلبي غصب عني والله غصب عني ما بقيتش قادرة أقرب ولا أستجيب ولا أحس بأي شيء الدكتور قال إن العلاج ممكن يقلل الرغبة وإن الجفاف والألم والتوتر كلهم طبيعيين لكن كلمة طبيعي ما كانتش بتخفف إحساسي إني بقيت ناقصة
كل مرة ياسر يحاول يقرب كنت بتوتر قبلها قلبي يدق بسرعة وجسمي ينكمش من الخوف مش عشان مش بحبه بالعكس كنت بحبه يمكن أكتر من الأول بس كنت حاسة إني مش أنا حاسة إني فقدت الجزء اللي كان بيخليني واثقة في نفسي كزوجة وكأن المرض ما اكتفاش ياخد شعري وطاقتي وصحتي لا كمان خد مني إحساسي بأنوثتي
كنت أتحجج بالتعب مرة وبالصداع مرة وبالنوم مرات كتير وأحيانًا كنت فعلًا تعبانة وأحيانًا كنت خايفة من اللحظة نفسها خايفة يشوف برودي خايفة يلاحظ غيابي وأنا موجودة خايفة يحس إني بقيت جسم ساكت مفيهوش حياة
في الأول كان يطبطب ويقولي خفي بس يا ندى وأنا هبقى كويس لكن مع الوقت صوته اتغير سكوته زاد قعدته جنبي بقت بعيدة حتى وهو في نفس الأوضة كان يبص في الموبايل كتير وينام متأخر وألاقيه صاحي في البلكونة لوحده ولما أسأله مالك يقول مفيش شغل بس
كنت بحاول أصدقه لكن قلبي كان حاسس إن في حاجة بتنسحب من بين إيدينا هو ما بقاش يزعق ولا يلوم ولا يقول كلام مباشر لكنه بقى بارد البرود اللي يوجع أكتر من القسوة لأن القسوة بتبان إنما البرود يخليك تفضل تسأل نفسك أنا عملت إيه
في يوم كنت رايحة جلسة الكيماوي وكان المفروض ياسر ييجي معايا زي كل مرة صحيت لقيته لابس قميصه وواقف قدام المراية بيظبط ساعته استغربت وقلتله إنت مش جاي معايا قال من غير ما يبصلي عندي اجتماع مهم يا ندى ومش هينفع ألغيه النهارده
حسيت بغصة في قلبي لكن حاولت أبين عادي قلتله ولا يهمك أنا هتصرف قاللي هكلمك أطمن عليكي ومشى بسرعة قبل ما حتى يبوس راسي زي عادته
رحت المركز لوحدي لأول مرة من بداية علاجي كنت قاعدة وسط الستات اللي كل واحدة فيهم شايلة حكاية وجع شكل وأنا ماسكة شنطتي بإيد بتترعش وحاسة إن الكرسي أوسع من جسمي وإن الدنيا كلها بقت باردة من غيره جنبي
دخلت الجلسة وخرجت بعدها وشي أصفر وشفايفي ناشفة ورجلي مش شايلاني كنت ماشية في الممر ببطء لما حسيت بواحدة بتقرب مني ست شيك جدًا لابسة لبس غالي وبرفانها سابقها وشها هادي لكن عينيها فيها قسوة غريبة وقفت قدامي وقالت بصوت واطي
إنتي ندى مرات ياسر صح
بصيتلها باستغراب وقلت أيوه حضرتك مين
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت أنا واحدة لازم تعرفك الحقيقة قبل ما تفضلي عايشة في الوهم أكتر من كده
قلبي قبض فجأة قلت حقيقة إيه
قربت مني وبصت حواليها كأنها خايفة حد يسمعها وبعدين همست جوزك مش في اجتماع يا ندى جوزك معايا أنا
الكلمة نزلت على ودني كأن حد ضربني على وشي ضحكت من الصدمة وقلت إنتي أكيد غلطانة
قالت بمنتهى البرود لا مش غلطانة أنا وهو مع بعض من شهور طويلة وهو اللي قالي أجيلك النهارده قال إنك لازم تفهمي إن حياته ما ينفعش تقف عند مرضك
حسيت إن صوتها بيبعد ويقرب في نفس الوقت قلتلها إنتي كذابة
طلعت موبايلها وفتحته وورتني صور صور لياسر جوزي قاعد معاها في كافيه إيده على إيدها صورة تانية في العربية صورة تالتة وهو بيضحك لها نفس الضحكة اللي كانت بتطمن قلبي زمان
إيدي وقعت من جنبي وشنطتي وقعت على الأرض وهي كملت كأنها بتدوس على قلبي براحة
هو مش قادر يقولك بس أنا هقولك هو تعب منك يا ندى تعب من المستشفيات وتعب من وش المرض وتعب من إنه يعيش مع واحدة مش قادرة تبقى زوجة هو بيحترم تعبك آه بس مش مطلوب منه يدفن نفسه بالحيا
بصيتلها وأنا مش قادرة أتنفس قلت بصوت طالع بالعافية هو قالك كده
ضحكت وقالت قال أكتر من كده قال إنه بقى يقرف من منظر المرض في البيت وإنه محتاج يحس إنه راجل تاني
وقتها حسيت إن جسمي كله اتسحب منه الدم الحيطان بدأت تلف والممر طال قوي والناس بقت أشباح آخر حاجة شفتها كانت وشها وهي بتقرب مني وتقول بخبث
أنا آسفة بس كان لازم تعرفي
بعدها الدنيا اسودت
صحيت على صوت أجهزة وعلى ريحة مستشفى وعلى إيد أمي ماسكة إيدي وهي بتعيط فتحت عيني بصعوبة وحاولت أتكلم بس صوتي ما طلعش أمي أول ما شافتني فتحت عيني صرخت ونادت الدكتور بابا كان واقف في الركن وشه مهدود كأنه كبر عشرين سنة في يوم واحد
عرفت بعدها إني دخلت في غيبوبة طويلة بسبب انهيار شديد وجسمي ما استحملش الصدمة مع العلاج والضعف عرفت إنهم لقوني واقعة في ممر مركز الأورام وإن الست اختفت وإن ياسر جه بعد ساعات مش أول واحد ولا تاني واحد جه بعد ما أهلي عرفوه
سألت عنه بعيني قبل لساني وأمي فهمت وسكتت السكوت ده كان كافي يجاوبني لكن قلبي الغبي كان لسه عايز يسمع قلت بصوت مبحوح ياسر فين
أمي بصت لبابا وبابا قرب مني وقال ارتاحي دلوقتي يا بنتي
قلت بإصرار هو فين
دخل بعدها بدقائق كان واقف على باب الأوضة شكله مرتب زيادة عن اللزوم عينه فيها قلق بس مش القلق اللي كنت أعرفه زمان قلق واحد اتزنق مش واحد خايف على حبيبته قرب مني وقال حمد لله على سلامتك يا ندى
بصيتله كتير كنت بحاول أفتش في وشه عن الراجل اللي وعدني إنه مش هيسيبني الراجل اللي كان يقول حتى تعبك حلو الراجل اللي كان يمسح دموعي قبل ما تنزل لكن اللي قدامي كان غريب
قلتله بصوت ضعيف هي مين
وشه اتغير في ثانية وقال مين
قلت الست اللي جاتلي في المركز وقالتلي إنك معاها
سكت
وسكوته كان اعتراف
أمي شهقت وبابا وقف مكانه كأنه ماسك نفسه بالعافية أما أنا فكنت هادية بشكل يخوف قلتله قول إنها كذابة يا ياسر قول إن الصور مش حقيقية قول أي حاجة تخليني أصدق إن لسه في حاجة واحدة في حياتي ما اتكسرتش
بص في الأرض وقال ندى إنتي تعبانة ومش وقت الكلام ده
قلتله ده أنسب وقت لأن أنا ممكن أموت في أي لحظة ومش عايزة أموت مغفلة
رفع عينه وبصلي بنظرة عمرها ما هتطلع من قلبي وقال ببرود قاسي أنا اتخنقت يا ندى
حسيت إن الأجهزة اللي جنبي بتصرخ بدل قلبي
كمل وهو بيتنفس بعصبية أنا بني آدم عندي احتياجات عندي حياة إنتي مش حاسة بيا خالص كل حاجة بقت مرض وجلسات وعيط وتعب وأنا استحملت كتير
قلتله وأنا دموعي نازلة من غير صوت استحملت كتير إنت بتعايرني بمرضي يا ياسر
قال بصوت واطي بس جارح أنا مش بعايرك أنا بقول الحقيقة إنتي اتغيرتي يا ندى بقيتي واحدة تانية وأنا مش قادر أعيش كده
سألته والجملة بتقطع في روحي للدرجة دي بقيت بتقرف مني
سكت لحظة وبعدين قالها
أيوه
قالها كأنها سكي..نة دخلت في صدري
أيوه يا ندى أنا بقيت بخاف أقرب منك بقيت حاسس إن البيت كله ريحة مرض بقيت مش شايف الست اللي اتجوزتها
في اللحظة دي ما صرختش وما انهرتش وما شتمتوش كل اللي حصل إن حاجة جوايا ماتت بهدوء موت بارد ونهائي بصيتله وقلت تمام
استغرب هدوئي وقال ندى أنا
قاطعته وقلت اطلع بره
قال إيه
قلت اطلع بره حياتي يا ياسر مش بس الأوضة حياتي كلها
بابا اتحرك وفتح الباب وقال بصوت مرعب سمعت قالت إيه اطلع بره
ياسر بصلي كأنه لأول مرة يصدق إني ممكن أستغنى عنه لكنه ما اعتذرش ما جريش عليا ما مسكش إيدي خرج بس وهو بيقول بعدين نتكلم
لكن أنا من اللحظة دي عرفت إن مفيش بعدين
بعد أيام خرجت من المستشفى على بيت أهلي مش بيتي بيت أهلي اللي كنت فاكرة إني خرجت منه عروسة ومش هرجعله إلا زيارة رجعتله مكسورة وضعيفة وشعري واقع وقلبي مدفون بس رجعت وأنا واخدة قرار واحد إن المرض اللي جوه جسمي هحاربه والراجل اللي كسر روحي هطلعه من حياتي
كنت ببص في المراية كل يوم وأقول لنفسي بصوت ضعيف إنتي مش ناقصة إنتي مريضة ومش ذنبك إنتي موجوعة ومش عيبك إنتي اتخنتي أو خسيتي أو شعرك وقع أو طاقتك راحت بس لسه إنتي ندى لسه فيكي روح ولسه تستاهلي تتحبي من غير شروط
الطريق كان طويل أوي جلسات وقيء وتعب وليل ملوش آخر وأيام كنت بحس فيها إني مش هكمل لكن كل مرة كنت أفتكر كلمة ياسر وهو بيقول بقرف منك فأقوم من تاني مش عشانه لا علشاني أنا علشان أثبت لنفسي إن اللي قرف مني وأنا في أضعف لحظاتي ما كانش يستحقني وأنا في أقوى لحظاتي
أما هو فكان فاكر إن الدنيا هتفتحله حضنها بعدي كان فاكر الست اللي ضحكت عليه هتبقى تعويضه كان فاكر إن الراحة في الخيانة وإن الرجولة في الهروب من زوجته المريضة
لكن اللي يبيع عشرة عمر علشان لحظة ضعف عمره ما يشتري راحة
والأيام الجاية كانت هتعلمه الدرس ده بالطريقة الأصعب
يتبع

