شهر عسل فاخر حكايات اسما ×6

ظل زين يحدق في الصورة عدة دقائق.

 

ثم أعاد فتحها مرة أخرى.

 

وكأن شيئًا ما فيها يرفض أن يتركه.

 

لم تكن الصورة مهمة في حد ذاتها.

 

سارة خارجة من مبنى.

 

تحمل ملفًا.

 

وتبدو هادئة.

 

لكن الشيء الذي أزعجه كان تلك الجملة.

 

“واضح إنك ماكنتش تعرف مين كانت مراتك فعلًا.”

 

لأنها أصابت مكانًا مؤلمًا داخله.

 

مكانًا كان يحاول تجاهله منذ شهور.

 

الحقيقة أنه فعلًا لم يكن يعرفها.

 

كان يعرف ماذا تحب أن تأكل.

 

ويعرف مقاس حذائها.

 

ويعرف لونها المفضل.

 

لكن هل كان يعرف أحلامها؟

 

هل كان يعرف مخاوفها؟

 

هل كان يعرف ماذا كانت تفعل عندما تكون وحدها؟

 

ماذا كانت تقرأ؟

 

وماذا كانت تخطط لمستقبلها؟

 

أغلق الهاتف بعصبية.

 

لأنه لم يحب الإجابة.

 

وفي اليوم التالي عاد إلى القاهرة.

 

لكن القاهرة لم تعد كما تركها.

 

ولا هو نفسه عاد كما سافر.

 

دخل شركته.

 

فوجد الجميع يتحدثون عن مشروع جديد ظهر فجأة في السوق.

 

مشروع تقني ضخم.

 

مدعوم باستثمارات دولية.

 

ويقوده فريق تنفيذي من عدة دول.

 

في البداية لم يهتم.

 

حتى دخل أحد المديرين إلى مكتبه ووضع ملفًا أمامه.

 

وقال:

 

“فيه منافس جديد نازل السوق بقوة.”

 

فتح زين الملف بلا اهتمام.

 

ثم توقف.

 

في الصفحة الأولى كان هناك اسم الرئيس التنفيذي للمشروع.

 

سارة هشام عبدالعزيز.

 

ظل يحدق في الاسم لثوانٍ طويلة.

 

ثم قلب الصفحة التالية.

 

ثم التالية.

 

وفي كل صفحة كانت المفاجأة تكبر.

 

شركاء عالميون.

 

استثمارات ضخمة.

 

تغطية إعلامية.

 

خطط توسع في آسيا وأوروبا.

 

وأسماء من أكبر المستثمرين في المنطقة.

 

رفع رأسه ببطء.

 

وسأل:

 

“المشروع ده بدأ إمتى؟”

 

رد المدير:

 

“التجهيزات بقالها أكتر من سنة.”

 

شعر زين وكأن أحدهم سحب الهواء من الغرفة.

 

أكثر من سنة.

 

يعني بينما كانت تعيش معه.

 

وبينما كان يعتقد أن حياتها كلها تدور حوله.

 

كانت تبني شيئًا آخر بالكامل.

 

شيئًا خاصًا بها.

 

شيئًا لم تحتج فيه إليه.

 

وفي تلك اللحظة فقط فهم كم كان ينظر إليها بطريقة ناقصة.

 

أما سارة فكانت في سيدني تقف على منصة صغيرة داخل قاعة مؤتمرات حديثة.

 

أمامها عشرات المستثمرين والصحفيين.

 

وأمام كل مقعد ملف يحمل اسم مشروعها الجديد.

 

كانت متوترة.

 

لكنها كانت سعيدة.

 

السعادة التي تأتي عندما يرى الإنسان ثمرة سنوات من التعب.

 

اقترب منها عمرو الشاذلي قبل بدء المؤتمر بدقائق.

 

وقال مبتسمًا:

 

“جاهزة؟”

 

ضحكت بخفة.

 

“مش متأكدة.”

 

فرد:

 

“أنا متأكد.”

 

ثم أشار إلى القاعة.

 

“كل الناس اللي بره دول موجودين علشان يسمعوا فكرتك.”

 

نظرت عبر الزجاج.

 

وشعرت بشيء دافئ داخلها.

 

لأنها تذكرت نفسها قبل عام.

 

الفتاة التي كانت تضع أحلامها في الأدراج حتى لا تزعج أحدًا.

 

والآن…

 

أصبحت أحلامها هي التي تفتح الأبواب.

 

بعد دقائق صعدت إلى المنصة.

 

وأمسكت الميكروفون.

 

وبدأت تتحدث.

 

وفي القاهرة…

 

كان زين يشاهد البث المباشر على شاشة مكتبه.

 

لأنه لم يستطع منع نفسه.

 

شاهدها وهي تتحدث بثقة.

 

وهي تشرح رؤيتها.

 

وهي تجيب على الأسئلة.

 

وهي تقود القاعة بالكامل.

 

ولأول مرة منذ عرفها…

 

رآها كما يراها الآخرون.

 

امرأة قوية.

 

ذكية.

 

ملهمة.

 

وليس مجرد زوجة تنتظره في البيت.

 

انتهى المؤتمر وسط تصفيق طويل.

 

بينما جلس زين وحده أمام الشاشة السوداء بعد انتهاء البث.

 

ثم أغمض عينيه.

 

واعترف لنفسه أخيرًا بالحقيقة التي كان يهرب منها منذ يوم رحيلها.

 

هو لم يخسر سارة عندما سافر مع ياسمين.

 

لقد خسرها قبل ذلك بوقت طويل.

 

خسرها في كل مرة لم يسمعها فيها.

 

وفي كل مرة قلل من حلمها.

 

وفي كل مرة اعتبر وجودها أمرًا مضمونًا.

 

لكن بينما كان يغرق في أفكاره…

 

كان هناك شخص آخر يراقب صعود سارة.

 

شخص لم يعجبه نجاحها أبدًا.

 

شخص عرف أن عودتها أقوى من السابق ستدمر خططًا كثيرة.

 

وشخص قرر أن يتحرك أخيرًا.

 

وفي مساء اليوم نفسه…

 

وصل إلى مكتب سارة ظرف مجهول.

 

بداخله صورة قديمة جدًا.

 

صورة تعود إلى يوم زفافها.

 

وعلى ظهر الصورة كُتبت جملة واحدة بخط اليد:

 

“لو عرفتي الحقيقة كلها عن ياسمين… هتفهمي ليه كل اللي حصل ماكانش صدفة.”

 

تجمدت سارة مكانها.

 

وأعادت قراءة الجملة مرة أخرى.

 

ثم ثالثة.

 

لأنها شعرت فجأة أن القصة التي اعتقدت أنها انتهت…

 

ربما كانت بدأت للتو.

أمسكت سارة الصورة بيد مرتجفة.

 

كانت صورة من يوم زفافها فعلًا.

 

هي وزين يقفان وسط المدعوين.

 

يبتسمان للكاميرا.

 

لكن الشخص الذي لفت انتباهها لم يكن زين.

 

كانت ياسمين.

 

تقف في الخلف.

 

تراقبهما.

 

وكأنها لم تكن مجرد ضيفة.

 

قلبت الصورة.

 

وأعادت قراءة الجملة.

 

“لو عرفتي الحقيقة كلها عن ياسمين… هتفهمي ليه كل اللي حصل ماكانش صدفة.”

 

في البداية فكرت أن تتجاهل الأمر.

 

فهي أخيرًا بدأت تبني حياة جديدة.

 

لكن شيئًا بداخلها رفض.

 

ليس حبًا في زين.

 

ولا رغبة في استعادته.

 

بل رغبة في معرفة الحقيقة.

 

وبعد أيام قليلة وصلت رسالة أخرى.

 

ثم ثالثة.

 

وكل رسالة كانت تحتوي على معلومة صغيرة.

 

رسائل قديمة.

 

لقطات شاشة.

 

محادثات.

 

تفاصيل متفرقة.

 

وفي النهاية بدأت الصورة الكاملة تظهر أمامها.

 

الحقيقة كانت أبشع مما تخيلت.

 

ياسمين لم تظهر فجأة في حياة زين.

 

ولم تكن مجرد صديقة طفولة عادت للظهور.

 

منذ بداية الخطوبة كانت تعرف كل شيء عن سارة.

 

كل شيء.

 

كانت تعرف مواعيدها.

 

وأماكن عملها.

 

ومشاكلها مع زين.

 

لأنها كانت تحصل على الأخبار منه مباشرة.

 

كانت تتدخل بهدوء.

 

ببطء.

 

تزرع الشكوك.

 

وتصنع الخلافات.

 

وتقنعه أن سارة تبالغ.

 

وأن أحلامها أنانية.

 

وأن طلباتها مرهقة.

 

وأنها لا تفهم طبيعة رجل ناجح مثله.

 

لم تكن هي سبب انهيار الزواج بالكامل.

 

لكنها كانت الوقود الذي أبقى النار مشتعلة.

 

وعندما واجهت سارة الحقيقة شعرت بالحزن.

 

لكن ليس للأسباب التي توقعتها.

 

لم تحزن لأن ياسمين سرقت زين.

 

بل لأنها أدركت أن زين سمح بذلك.

 

لأن أي شخص كان يمكنه الاقتراب من حياتهما.

 

لكن وحده زين كان يملك حق فتح الباب.

 

وفي القاهرة كانت الحقيقة تصل إلى زين أيضًا.

 

بشكل مختلف.

 

عبر صديق قديم عرف كل شيء.

 

وعندما واجه ياسمين بالأدلة لم تنكر.

 

بالعكس.

 

اعترفت.

 

اعترفت أنها كانت تحبه منذ سنوات.

 

واعترفت أنها استغلت كل فرصة لتبعده عن سارة.

 

واعترفت أنها كانت متأكدة أنه سيختارها في النهاية.

 

لكنها لم تتوقع شيئًا واحدًا.

 

أنها بعد أن حصلت عليه…

 

لن تريده.

 

لأن الرجل الذي كانت تحلم به اختفى.

 

حل محله رجل محطم.

 

رجل يعيش على الندم.

 

رجل يقضي لياليه يحدق في صور امرأة رحلت.

 

بعد أسابيع انتهت علاقتها بزين تمامًا.

 

ورحلت من حياته كما دخلت.

 

أما سارة فواصلت التقدم.

 

كبر مشروعها.

 

وانتشرت شركتها.

 

وأصبحت تظهر في مؤتمرات دولية.

 

وتنشر المجلات الاقتصادية قصتها.

 

قصة المرأة التي بدأت من جديد بعدما خسرت كل شيء.

 

وفي إحدى الأمسيات بعد عامين كاملين من رحيلها.

 

كانت تقف على منصة ضخمة في سنغافورة.

 

تتسلم جائزة عالمية في ريادة الأعمال.

 

التصفيق يملأ القاعة.

 

والكاميرات تلتقط الصور.

 

وعندما انتهت من كلمتها ونزلت من المنصة.

 

وجدت شخصًا يقف بعيدًا وسط الحضور.

 

زين.

 

لم يقترب.

 

ولم يحاول إيقافها.

 

فقط وقف هناك.

 

ينظر إليها.

 

نظرة هادئة.

 

ممتلئة بشيء يشبه السلام أخيرًا.

 

تقدمت نحوه.

 

لأول مرة منذ سنوات.

 

وتبادلا ابتسامة صغيرة.

 

سألها:

 

“مبسوطة؟”

 

نظرت حولها.

 

إلى القاعة.

 

إلى الناس.

 

إلى حياتها التي بنتها بنفسها.

 

ثم أجابت:

 

“جداً.”

 

ابتسم.

 

ابتسامة صادقة هذه المرة.

 

وقال:

 

“أنا سعيد علشانك.”

 

وكان يقصدها فعلًا.

 

لأن الحب الحقيقي أحيانًا لا يعني أن يبقى شخصان معًا.

 

بل أن يتمنى كل منهما الخير للآخر حتى بعد النهاية.

 

وقبل أن يرحل مد يده إليها.

 

صافحته.

 

ثم قال:

 

“في حاجة فضلت نفسي أقولها من يوم ما مشيتي.”

 

نظرت إليه بصمت.

 

فأكمل:

 

“شكرًا.”

 

ابتسمت باستغراب.

 

فسألته:

 

“على إيه؟”

 

أجاب بهدوء:

 

“لأنك لما سبتيني… أنقذتيني من أسوأ نسخة من نفسي.”

 

شعرت سارة بشيء دافئ في قلبها.

 

ليس حبًا قديمًا.

 

ولا رغبة في العودة.

 

بل راحة.

 

راحة شخص أغلق صفحة كاملة من حياته أخيرًا.

 

غادر زين القاعة.

 

واختفى وسط الحشود.

 

بينما وقفت سارة تراقبه يبتعد.

 

ثم التفتت نحو المستقبل.

 

نحو حياتها.

 

ونحو كل شيء ينتظرها.

 

لأنها فهمت أخيرًا الدرس الذي احتاجت سنوات لتتعلمه.

 

أن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا ليبقوا.

 

وبعضهم يدخلونها ليعلمونا كيف ننجو.

 

وزين…

 

كان الدرس الذي جعلها تجد نفسها.

 

أما هي…

 

فكانت الخسارة التي ستبقى تذكره طوال عمره بقيمة الأشياء التي لا تُعوض.

 

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *