زوجة زوجي حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الخامس
أنا وياسمين فضلنا واقفين مكاننا.
مش قادرين نستوعب.
كل مرة كنا نفتكر إننا وصلنا للحقيقة…
كانت الحقيقة نفسها تفتح باب أكبر.
قلت ببطء:
— أخته؟
هزت البنت رأسها.
— أيوه.
— اسمي ندى.
— وأحمد أخويا الكبير.
— والطفل اللي جوه ده ابني أنا.
ثم مسحت دموعها.
— والراجل اللي كنتوا بتدوروا عليه بقاله شهرين مستخبي.
ياسمين قعدت على أول كرسي جنبها.
— استني.
— يعني إنتِ مش مرتبطة بيه؟
— لأ.
— ولا حامل منه؟
— يا ساتر يا رب.
قالتها ندى بصدمة حقيقية.
— ده أخويا.
قعدنا أكتر من ساعة نسمع.
ولأول مرة…
حد يحكي عن أحمد من غير ما يحاول يبرره.
ولا يجمّله.
ولا يبرر تصرفاته.
ندى كانت مرهقة.
واضح إنها تعبت من سنين.
قالت:
— أحمد طول عمره عنده موهبة غريبة.
— يخلي كل شخص يشوف النسخة اللي هو عايزها.
— قدام أمي كان الابن المثالي.
— قدام صحابه رجل الأعمال الناجح.
— قدامكم الزوج الحنون.
— وقدام ناس تانية شخص مختلف خالص.
ثم ضحكت بمرارة.
— حتى أنا أخته كنت ساعات أصدق كدبه.
بدأت تحكي.
قبل سنتين تقريبًا.
أحمد دخل مع العيلة في مشروع عقاري كبير.
جمع فلوس من خاله.
ومن عمه.
ومن أبناء عمومته.
ووعد الكل بأرباح ضخمة.
في البداية الأرباح فعلًا كانت موجودة.
والناس وثقت فيه أكتر.
وبعدين بدأ ياخد قروض.
ويستلف.
ويدخل شركاء جدد.
لحد ما الفلوس بقت بالملايين.
ثم فجأة…
اختفى جزء كبير منها.
وكل ما حد يسأله.
يطلع بحكاية جديدة.
مرة الأرض اتعطلت.
مرة الشريك هرب.
مرة الإجراءات الحكومية متأخرة.
مرة السوق واقع.
دائمًا عنده قصة.
دائمًا عنده عذر.
قلت بصوت منخفض:
— يعني كان نصاب؟
ندى سكتت.
ثم قالت:
— لا.
— النصاب بيبقى عارف إنه نصاب.
— أحمد كان مقتنع إنه أذكى من الكل.
— وكل مرة يقع كان يفتكر إنه هيعرف يخرج منها بكذبة جديدة.
الكلام ده وجعني أكتر.
لأنه كان حقيقي.
افتكرت كل مرة واجهته.
كل مرة كنت أشك.
وكل مرة كان عنده تفسير جاهز.
لدرجة إني كنت أعتذر له في الآخر.
أنا.
مش هو.
وبعدين ندى قالت حاجة خلتني أتجمد.
— هو أنتم فاكرين إنكم الوحيدين؟
أنا وياسمين بصينا لبعض.
— تقصدي إيه؟
تنهدت.
— أحمد كان مخطوب السنة اللي فاتت.
قلبي نزل.
— إيه؟
— مخطوب؟
— أيوه.
— لبنت اسمها مروة.
ياسمين شهقت.
وأما أنا…
فبقيت حرفيًا مش قادرة أتكلم.
— وهو متجوزني؟
— أيوه.
— وكان راجع لياسمين؟
— أيوه.
ندى هزت رأسها بأسى.
— ولما اكتشفت الحقيقة سابها واختفى.
في اللحظة دي حسيت بحاجة غريبة.
الغضب بدأ يختفي.
مش لأن اللي عمله قليل.
لكن لأن الصورة بقت واضحة.
واضحة بشكل مرعب.
أحمد ماكنش بيحب واحدة فينا.
ولا كان بيختار بينا.
ولا كان محتار.
أحمد كان بيحب الشعور نفسه.
شعور إن في ناس مصدقاه.
محتاجاه.
مبهورة بيه.
وأول ما القناع يقع…
كان يروح يلبس قناع جديد.
قدام شخص جديد.
وأنا قاعدة هناك.
رن موبايلي.
رقم غريب.
رديت.
— ألو؟
جالي صوت راجل كبير في السن.
— مدام سارة؟
— أيوه.
— أنا الأستاذ فؤاد… محامي أحمد.
بصيت لياسمين.
وبعدين لندى.
وقلت:
— نعم؟
قال بصوت متوتر:
— محتاج أقابلك ضروري النهارده.
— ليه؟
سكت ثواني.
ثم قال:
— لأن أحمد عمل حادثة.
الأوضة كلها سكتت.
— حادثة؟
— أيوه.
— وهو دلوقتي في العناية المركزة.
أنا متأثرتش بالشكل اللي كنت متخيلة إني هتأثر بيه.
لا صرخت.
ولا انهرت.
ولا جريت عليه.
بس حسيت بفراغ غريب.
فراغ إن الشخص اللي قلب حياتك كلها…
ممكن فجأة يبقى بين الحياة والموت.
قبل ما تاخد منه أي إجابة.
قبل ما يتحاسب.
قبل ما يفهم حجم الخراب اللي سابه وراه.
المحامي كمل:
— وفي حاجة تانية.
— إيه؟
— أحمد طلب مني أسلمك حاجة لو حصل له أي مكروه.
سكت.
ثم قال:
— صندوق.
— وصية صغيرة.
— وفيها مستندات ورسائل.
رسائل مكتوبة بإيديه.
لكل شخص أذاه في حياته.
بصيت من شباك المستشفى.
كانت الشمس بدأت تغيب.
والسماء بقت برتقالية.
وحسيت لأول مرة إن النهاية اللي كنت متخيلاها مش هتحصل.
لا مواجهة.
ولا انتقام.
ولا صراخ.
لأن أحيانًا…
الحياة نفسها بتسبق الجميع.
وتفتح أسرارها بطريقتها الخاصة.
أما اللي كان جوه الصندوق…
فكان يحتوي على الحقيقة الوحيدة اللي أحمد عمره ما قالها لأي حد.
الحقيقة اللي هتغير نظرتنا لكل حاجة حصلت.
يتبع…
الفصل السادس
في الساعة الثامنة مساءً…
كنت أنا وياسمين قاعدين في مكتب الأستاذ فؤاد.
المكتب كان قديم.
رفوف خشب مليانة ملفات.
وساعة حائط بتدق كل دقيقة وكأنها بتفكرنا إن الوقت بيعدي.
قدامنا على المكتب…
كان موجود صندوق خشبي صغير.
بني اللون.
عليه خدوش قديمة.
ومقفول بمفتاح نحاس صغير.
الأستاذ فؤاد كان شكله مرهق.
واضح إنه هو كمان عاش سنين وسط فوضى أحمد.
قال بهدوء:
— أحمد سلمني الصندوق ده من حوالي ست شهور.
ست شهور.
يعني قبل ما كل حاجة تنفجر.
قبل ما نتقابل أنا وياسمين في الطيارة.
قبل ما تتكشف حياته كلها.
قال المحامي:
— وقتها قالي لو حصل لي حاجة أو اختفي فجأة… أسلمه لسارة.
بلعت ريقي.
— ليه أنا؟
تنهد.
— قال إنك الوحيدة اللي كانت بتحبه من غير مصلحة.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي إهانة.
لأنها كانت صحيحة.
أنا فعلًا كنت بحبه.
بكل غباء.
وبكل إخلاص.
وبكل ثقة.
فتح الأستاذ فؤاد الصندوق.
وجواه كان فيه ظرف كبير.
وثلاثة خطابات.
ومجموعة مستندات.
أول خطاب كان مكتوب عليه:
“لسارة.”
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
الخط كان خط أحمد.
عرفته فورًا.
بدأت أقرأ.
“سارة…
لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا خسرت كل حاجة.
وأول حاجة خسرتها كانت إنتِ.
أنا عارف إنك دلوقتي شايفاني أسوأ إنسان قابلتيه.
وممكن تكوني عندك حق.”
وقفت لحظة.
مش قادرة أكمل.
لكن أجبرت نفسي.
“أنا كذبت عليكي.
ودي حقيقة.
لكن الحاجة الوحيدة اللي عمري ما كذبت فيها كانت إني حبيتك.”
ضحكت بمرارة.
لدرجة إن دموعي نزلت.
إزاي؟
إزاي واحد يخون ويكذب ويعيش حيوات كاملة…
ويقول إنه بيحب؟
كملت القراءة.
“المشكلة إن الإنسان ساعات بيتعود على الكذب لدرجة إنه يبقى جزء منه.
في البداية كنت بكذب علشان أهرب من مشكلة.
بعدها بقيت بكذب علشان أصلح الكذبة الأولى.
وبعدين بقيت بكذب علشان أحافظ على الصورة اللي الناس شايفاها.”
“لحد ما صحيت في يوم واكتشفت إني نسيت أنا مين أصلًا.”
سكت المكتب كله.
حتى ياسمين كانت بتسمع.
من غير تعليق.
من غير شماتة.
من غير غضب.
بس استماع.
وصلت للجزء الأخير.
وهنا…
حسيت قلبي بيتقبض.
“في حاجة عمرك ما عرفتيها.
البيت اللي عايشين فيه باسمك بالكامل.”
رفعت رأسي بسرعة.
— إيه؟
الأستاذ فؤاد أخرج ملف.
وحطه قدامي.
— الكلام صحيح.
فتحت الأوراق.
وكانت الصدمة حقيقية.
عقد الملكية.
باسمي أنا.
مش باسمه.
ولا باسمي وباسمه.
باسمي وحدي.
ياسمين بصت للمحامي.
— ليه؟
قال:
— أحمد نقل الملكية من سنة تقريبًا.
— وقال لو حصل أي حاجة… البيت يفضل لسارة.
بصيت للورق.
ومش فاهمة.
لو كان بيخطط لكل ده…
ليه عمل كده؟
المحامي فتح الملف التاني.
وفيه كشف حسابات.
ثم قال:
— في حاجة أهم.
— إيه؟
— أحمد ما سرقش فلوس العيلة.
أنا وياسمين وندى بصينا له في نفس اللحظة.
— إزاي؟
قال:
— الفلوس راحت فعلًا.
— لكن مش في جيبه.
ثم أخرج تقرير طبي.
وقال:
— أخو أحمد الصغير كان بيعالج بنته من مرض نادر في ألمانيا.
— العلاج كان مكلف بشكل خرافي.
— والعيلة رفضت تساعد.
— وأحمد دفع.
سكت.
— دفع كل اللي معاه.
— واستلف.
— وخسر.
— وحاول يخبي الحقيقة.
ندى شهقت.
— مستحيل.
المحامي هز رأسه.
— عندي التحويلات كلها.
— والفواتير كلها.
— والمستندات كلها.
وبدأ يحط الملفات قدامنا.
واحدة وراء التانية.
وأول مرة…
بدأت الصورة تتغير.
مش بالكامل.
لكن جزء منها.
أحمد ماكنش بريء.
ولا ضحية.
ولا ملاك.
لكنه كمان ماكنش الشيطان الكامل اللي رسمناه.
كان إنسان.
إنسان ارتكب أخطاء كارثية.
وخد قرارات غبية.
وكذب.
وخان الثقة.
لكن وراء الفوضى كلها…
كان في جزء من الحقيقة محدش شافه.
بعد ساعة…
كنا خارجين من المكتب.
والليل نزل على القاهرة.
والهواء كان هادي بشكل غريب.
وفجأة رن تليفون المحامي.
رد.
وسكت.
ثم بص لنا.
والحزن ظهر في عينيه.
قلت:
— في إيه؟
تنهد ببطء.
وقال:
— أحمد فاق من الغيبوبة.
تنفست براحة لا إرادية.
لكن المحامي كمل:
— وطلب يشوفكم الليلة.
ثم أضاف بهدوء:
— لأن الأطباء مش متأكدين إنه هيعيش للصبح.
يتبع…
