حقيقه وجوديه حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الرابع
لم يكن هناك صوت داخل القاعة سوى الهمسات.
همسات مذهولة.
متسارعة.
تنتقل من طاولة إلى أخرى.
ومن مستثمر إلى آخر.
أما كريم…
فكان واقفًا في مكانه كأن أحدهم سحب الهواء من رئتيه.
كل شيء كان يعتقد أنه يعرفه عن حياته…
انقلب خلال دقائق.
زوجته لم تكن الزوجة البسيطة التي أخفاها عن الناس.
لم تكن المرأة التي تحتاج إليه.
بل كانت المرأة التي أنقذت شركته مرارًا.
والمرأة التي امتلكت القوة الكافية لتدميرها أيضًا لو أرادت.
—
أما ياسمين السيوفي…
فكانت الصدمة على وجهها مختلفة.
لم تكن صدمة اكتشاف حقيقة سلمى.
بل صدمة اكتشاف حقيقة كريم.
لأنها أدركت فجأة أن الرجل الذي أقنعها أنه صنع نفسه بنفسه…
لم يكن كما وصف نفسه.
وأن كثيرًا من نجاحه كان قائمًا على امرأة أخرى.
امرأة كان يخجل من الاعتراف بها.
—
حاول كريم الاقتراب مني.
لكنني ابتعدت خطوة.
توقف.
وكأن تلك الخطوة الصغيرة كانت أكبر صفعة تلقاها في حياته.
قال بصوت منخفض:
“سلمى…”
ولأول مرة منذ سنوات…
سمعت اسمي يخرج من فمه وكأنه يحمل معنى.
لكنني لم أرد.
لأن بعض الكلمات تأتي متأخرة جدًا.
—
في تلك اللحظة…
رفع أحد الصحفيين يده.
وقال للحاج محمود المنصوري:
“حضرتك قلت إن مدام سلمى المالك الأكبر.”
“هل ده معناه إن ليها سيطرة مباشرة على شركة الشاذلي؟”
ابتسم والدي بهدوء.
وقال:
“مش بس سيطرة مباشرة.”
ثم نظر نحوي.
وأضاف:
“أي قرار استراتيجي كبير خلال آخر عشر سنين كان بيمر عليها.”
تحولت الصدمة إلى ذهول.
حتى بعض المستثمرين الذين تعاملوا مع كريم لسنوات بدوا غير مصدقين.
—
لكن المفاجأة الحقيقية جاءت بعدها بدقائق.
عندما اقترب رجل مسن من والدي.
كان أحد أعضاء مجلس الإدارة القدامى.
وقال:
“واضح إن الوقت المناسب جه.”
ثم سلّمه ظرفًا بنيًا سميكًا.
نظرت إليه باستغراب.
حتى أنا لم أكن أعرف ما بداخله.
—
فتح والدي الظرف.
وأخرج مجموعة مستندات.
ثم قال للحضور:
“في حاجة أخيرة.”
التفت الجميع إليه.
أما كريم…
فبدا متوترًا بشكل واضح.
كأن قلبه يخبره أن الليلة لم تنتهِ بعد.
—
رفع والدي أول مستند.
وقال:
“قبل أربع سنين.”
“شركة الشاذلي حصلت على أكبر تمويل في تاريخها.”
أومأ بعض الحضور.
فالجميع كان يتذكر تلك الصفقة.
كانت الصفقة التي نقلت كريم إلى مستوى جديد تمامًا.
ثم رفع والدي المستند أعلى.
وقال:
“الضامن الرئيسي للتمويل ده…”
وتوقف.
ثم أكمل:
“كان سلمى المنصوري.”
ساد الصمت.
—
أما كريم…
فأغلق عينيه.
لأنه تذكر تلك الفترة جيدًا.
كان يعتقد أن البنك وثق به.
كان يعتقد أن المستثمرين آمنوا برؤيته.
لكنه اكتشف الآن أن شخصًا آخر كان يضع اسمه وثروته خلفه.
ذلك الشخص…
كان زوجته.
—
ثم أخرج والدي ورقة ثانية.
وقال:
“ودي حاجة سلمى نفسها ما تعرفهاش.”
رفعت رأسي نحوه بسرعة.
فابتسم.
وقال:
“أنا احتفظت بيها للوقت المناسب.”
شعرت بالارتباك.
لأن هذا نادر جدًا.
والدي لم يكن يخفي عني أسرارًا.
—
فتح الورقة.
ثم قال:
“لما سلمى اختارت تتجوز كريم…”
“أنا كنت معترض.”
ساد الصمت.
وأكمل:
“لكن في النهاية وافقت.”
ثم رفع الورقة.
وأضاف:
“وعملت وصية.”
بدأ قلبي يخفق أسرع.
وصية؟
—
نظر الحضور إلى بعضهم.
بينما قال والدي:
“الوصية كانت بسيطة.”
“طول ما كريم بيحافظ على بنتي… كل حاجة هتفضل زي ما هي.”
ثم تغيرت نبرته.
“لكن لو في يوم أهانها.”
“أو خانها.”
“أو حاول يكسرها.”
رفع الورقة أمام الجميع.
وقال:
“كل دعم مالي أو إداري يخص شركاته يتوقف فورًا.”
انفجرت القاعة بالهمسات.
—
أما كريم…
فشحب وجهه تمامًا.
لأنه بدأ يفهم أخيرًا لماذا بدأت أموره تتعثر في الأشهر الأخيرة.
ولماذا اختفت بعض التسهيلات.
ولماذا أصبح الطريق أصعب فجأة.
لم يكن الأمر مؤامرة.
ولم يكن سوء حظ.
بل نتيجة مباشرة لقراراته.
—
ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.
وقفت ياسمين السيوفي فجأة.
أمسكت حقيبتها.
ونظرت إلى كريم.
ثم قالت بصوت سمعه كل من حولها:
“أنا كنت فاكرة إنك رجل ناجح.”
ساد الصمت.
فأكملت:
“بس واضح إن الست اللي كنت مخبيها هي اللي كانت ناجحة.”
ثم استدارت وغادرت القاعة.
أمام الجميع.
وتركت كريم واقفًا وحده.
لأول مرة.
بلا أم.
بلا حبيبة.
بلا صورة مزيفة تحميه.
—
أما أنا…
فوقفت بهدوء.
وأمسكت يد والدي.
واستعددت للمغادرة.
لكن قبل أن أصل إلى الباب…
سمعت صوت كريم خلفي.
صوتًا لم أسمعه منه من قبل.
صوت رجل انكسر أخيرًا.
قال:
“سلمى… لو سمحتي.”
توقفت.
ببطء.
دون أن ألتفت.
فقال:
“ممكن تديني خمس دقايق بس؟”
ساد الصمت داخل القاعة كلها.
الجميع ينتظر إجابتي.
أما أنا…
فأغمضت عيني للحظة.
لأن الرجل الذي كان يطردني من القاعات أمام الناس…
أصبح الآن يتوسل خمس دقائق من وقتي أمام الأشخاص أنفسهم.
وكان عليّ أن أقرر…
هل انتهت القصة هنا؟
أم أن الحساب الحقيقي لم يبدأ بعد؟
يتبع…
الفصل الخامس
ساد الصمت في القاعة.
عشرات العيون كانت معلقة بي.
الصحفيون.
رجال الأعمال.
المستثمرون.
وحتى العاملون في الفندق.
الجميع ينتظر إجابتي.
أما كريم…
فكان واقفًا في منتصف القاعة.
لأول مرة منذ عرفته.
بلا ثقة.
بلا غرور.
وبلا تلك الابتسامة التي كان يخفي خلفها كل شيء.
فقط رجل خائف.
خائف من أن يسمع كلمة واحدة.
“لا.”
—
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم استدرت نحوه ببطء.
ونظرت إليه.
طويلًا.
صامتة.
حتى بدأ التوتر يظهر على وجهه أكثر.
ثم قلت بهدوء:
“خمس دقايق.”
تنفس كريم وكأنه كان يحبس أنفاسه.
أما الحضور…
فبدأوا يتبادلون النظرات.
—
انتقلنا إلى إحدى القاعات الجانبية الخاصة.
وأغلق الباب خلفنا.
لأول مرة منذ سنوات…
كنا وحدنا.
أنا وكريم.
بدون ضيوف.
بدون كاميرات.
بدون أقنعة.
—
ظل واقفًا للحظات.
ثم جلس.
ووضع وجهه بين يديه.
كأنه يحمل وزن العالم كله فوق كتفيه.
قال بصوت منخفض:
“أنا مش عارف أبدأ منين.”
أجبته بهدوء:
“جرب الحقيقة.”
رفع رأسه ببطء.
ولأول مرة…
لم يحاول تبرير شيء.
—
قال:
“أنا كنت غبي.”
صمت.
ثم أكمل:
“لا… كنت أناني.”
“وغروري كان أكبر من إني أشوف أي حاجة حوالي.”
ظللت صامتة.
فأكمل:
“أنا صدقت نفسي.”
“صدقت إني بنيت كل حاجة لوحدي.”
“وإن الناس كلها محتاجاني.”
ثم ضحك بمرارة.
وأضاف:
“وفي الآخر اكتشفت إني ماكنتش شايف أهم شخص في حياتي.”
—
لم أجب.
لأن الكلمات جميلة.
لكن السنوات كانت أطول من الكلمات.
—
قال فجأة:
“ليه ماقولتيش؟”
عقدت حاجبي.
“أقول إيه؟”
“إنك سلمى المنصوري.”
ابتسمت.
ابتسامة حزينة.
ثم قلت:
“سألتني قبل كده؟”
ساد الصمت.
وأكملت:
“عمرك سألتني عن أحلامي؟”
“أو عن شغلي؟”
“أو عن حياتي قبل الجواز؟”
“عمرك حتى سألتني ليه كنت بعرف أحل المشاكل اللي شركتك كلها كانت بتعجز عنها؟”
خفض رأسه.
لأنه لم يكن يملك إجابة.
—
وقفت من مكاني.
واتجهت نحو النافذة.
ثم قلت:
“أنا ماخبيتش نفسي يا كريم.”
“إنت اللي ماكنتش عايز تشوف.”
—
شعر كريم وكأن الجملة أصابته مباشرة في قلبه.
لأنها الحقيقة.
الحقيقة التي هرب منها عشر سنوات.
—
بعد لحظات طويلة…
قال بصوت مبحوح:
“في فرصة؟”
استدرت نحوه.
“فرصة لإيه؟”
ابتلع ريقه.
وقال:
“أصلح اللي عملته.”
—
نظرت إليه طويلًا.
ثم ابتسمت.
لكن الابتسامة لم تكن كما توقع.
لم تكن ابتسامة حب.
ولا غفران.
بل ابتسامة امرأة تعلمت الدرس.
—
قلت:
“تصلح نفسك؟ أيوه.”
“تتعلم؟ أيوه.”
“تبقى إنسان أحسن؟ أيوه.”
ثم هززت رأسي.
وأضافت:
“لكن ترجع الزمن؟”
“لأ.”
—
أغمض عينيه.
وكأنه كان يعرف الإجابة أصلًا.
لكنه احتاج أن يسمعها.
—
ثم وقفت.
وأمسكت حقيبتي.
واستعددت للمغادرة.
لكن قبل أن أصل إلى الباب…
قال:
“أنا حبيتك.”
توقفت.
لثانية واحدة فقط.
ثم أجبت دون أن ألتفت:
“يمكن.”
صمت.
فأكملت:
“بس الحب لوحده مايكفيش.”
—
وغادرت القاعة.
—
عندما عدت إلى الحفل…
كان والدي ينتظرني.
نظر إلى وجهي.
ثم قال:
“خلصتي؟”
ابتسمت.
وأومأت.
فابتسم هو الآخر.
لأنه فهم.
—
وفي تلك الليلة…
وأمام كل رجال الأعمال الموجودين…
أعلن الحاج محمود المنصوري رسميًا تعييني رئيسة تنفيذية لمجموعة المنصوري القابضة.
أكبر مجموعة استثمارية خاصة في الشرق الأوسط.
وانطلقت التصفيقات في القاعة.
لكنني لم أنظر إلى المنصة.
ولم أنظر إلى الكاميرات.
—
نظرت فقط إلى المرأة التي كنت أراها في انعكاس الزجاج.
امرأة استغرقت عشر سنوات كاملة…
لتتذكر من تكون.
—
أما كريم الشاذلي…
فوقف بعيدًا يراقب المشهد.
وشاهد الجميع يصفقون لزوجته السابقة.
المرأة التي أخفاها عن الناس سنوات.
والمرأة التي أصبحت الآن أشهر وأقوى منه.
—
وفي تلك اللحظة…
فهم أخيرًا معنى الخسارة الحقيقية.
ليست خسارة المال.
ولا الشركة.
ولا المكانة.
بل خسارة الشخص الذي كان يقف بجانبك…
بينما كنت مشغولًا بالنظر إلى أي شيء آخر.
—
بعد عامين…
كانت مجموعة المنصوري قد تضاعفت قيمتها.
وأصبحت سلمى المنصوري واحدة من أهم سيدات الأعمال في المنطقة.
بينما أعاد كريم بناء شركته من جديد.
هذه المرة بنفسه.
وبدون أن يعيش على جهود الآخرين.
—
وفي أحد الأيام…
ظهر اسماهما معًا على غلاف مجلة اقتصادية شهيرة.
لكن ليس كزوجين.
ولا كشريكين.
بل كرجل وامرأة سلك كل منهما طريقه الخاص.
وتعلم كل منهما درسًا مختلفًا.
—
أما سلمى…
فكانت قد تعلمت أن القيمة الحقيقية لا يمنحها لك أحد.
ولا يستطيع أحد أن يسلبها منك.
وأما كريم…
فتعلم متأخرًا أن أسوأ أنواع الفقر…
هو أن تملك كنزًا بين يديك…
ولا تدرك قيمته إلا بعد أن تفقده.
النهاية.