عوده من الماضي حكـايـات أسمـا ×5

الفصل التاسع

 

مرت ثلاثة أشهر أخرى ببطء لم يشعر أحد خلالها أن الحياة أصبحت سهلة لكن الجميع شعر أنها أصبحت أكثر صدقًا

 

لم تعد هناك أكاذيب كبيرة تختبئ خلف الأبواب

 

ولا أسرار تدار في الظلام

 

ولا أشباح من الماضي تتحكم في الحاضر

 

لكن آثار كل ما حدث كانت ما تزال موجودة

 

في قلب ليلى

 

وفي نظرات سيف

 

وفي أسئلة آدم التي لا تنتهي

 

وفي لحظات الصمت الطويلة التي كانت تزور والدها أحيانًا عندما يظن أن أحدًا لا يراه

 

وفي صباح أحد الأيام كانت ليلى تقف داخل المطبخ تعد الإفطار عندما دخل عمر راكضًا وهو يلوح بورقة ملونة فوق رأسه

 

كان يصرخ بحماس

 

“ماما ماما عندنا حفلة في المدرسة”

 

ابتسمت رغماً عنها

 

“طيب حلو”

 

قفز بجوارها

 

“ولازم ييجي بابا”

 

توقفت يدها فوق كوب الشاي

 

ثم نظرت إليه

 

“أكيد”

 

ضحك عمر بسعادة

 

أما آدم الذي دخل خلفه فجلس بهدوء على الطاولة وقال

 

“لازم ييجي في المعاد”

 

رفعت ليلى حاجبها

 

فسألته

 

“ليه بتقول كده؟”

 

أجاب ببساطة

 

“عشان الكبار ساعات بيقولوا هييجوا وبعدين ما بيجوش”

 

ساد الصمت للحظة

 

ثم شعرت ليلى بوخزة داخل قلبها

 

لأن طفلًا في السادسة أصبح يعرف معنى الخذلان

 

—

 

في تلك الليلة اتصلت بسيف وأخبرته بموعد الحفلة

 

استمع بصمت

 

ثم قال

 

“هكون هناك”

 

قالتها له عشرات الأصوات في حياته من قبل

 

موظفون

 

شركاء

 

سياسيون

 

رجال أعمال

 

لكن لم يكن هناك وعد أخافه مثل هذا الوعد

 

لأن من ينتظره هذه المرة ليس مجلس إدارة

 

بل طفلان صغيران

 

—

 

جاء يوم الحفلة

 

وكانت المدرسة مليئة بالأهالي

 

الأطفال يركضون في كل مكان

 

والبالونات تملأ الساحة

 

وقفت ليلى مع والدها تراقب آدم وعمر بين زملائهما

 

بينما كان الوقت يمر

 

الحادية عشرة إلا عشر دقائق

 

الحادية عشرة إلا خمس دقائق

 

الحادية عشرة

 

ولم يظهر سيف

 

بدأ القلق يتسلل إلى قلبها

 

لكنها لم تقل شيئًا

 

أما آدم فقد بدأ ينظر نحو البوابة كل دقيقة تقريبًا

 

ثم نظر إلى ساعته الصغيرة

 

وقال بهدوء

 

“متأخر”

 

حاولت ليلى الابتسام

 

“يمكن الطريق زحمة”

 

هز كتفيه

 

لكنه لم يقتنع

 

—

 

في الجهة الأخرى من القاهرة كان سيف عالقًا داخل اجتماع طارئ مع النيابة بسبب تطورات جديدة في قضية نادية

 

كان المحامون يتحدثون

 

والمحققون يطرحون الأسئلة

 

أما هو فكان ينظر إلى الساعة كل دقيقة

 

ثم نهض فجأة

 

قال أحد المحامين

 

“لسه ما خلصناش”

 

أجاب سيف وهو يلتقط سترته

 

“عندي حاجة أهم”

 

خرج دون أن ينتظر ردًا

 

واستقل سيارته بنفسه

 

وانطلق بأقصى سرعة ممكنة

 

—

 

عندما بدأت الحفلة كان آدم قد توقف عن النظر إلى البوابة

 

أما عمر فكان لا يزال يأمل

 

وبينما كان الأطفال يصعدون إلى المسرح سمع الجميع صوتًا خلفهم

 

“آدم”

 

التفت الطفل فورًا

 

ورأى سيف

 

كان يلهث

 

وربطة عنقه مفكوكة

 

وشعره غير مرتب

 

وكأنه ركض طوال الطريق

 

ابتسم عمر وقفز نحوه فورًا

 

أما آدم فظل ثابتًا مكانه

 

اقترب سيف وقال

 

“أنا آسف”

 

نظر إليه آدم لثوانٍ طويلة

 

ثم قال

 

“بس جيت”

 

ابتسم سيف

 

وقال

 

“وهافضل أجي”

 

ولأول مرة منذ شهور ابتسم آدم دون تردد

 

—

 

في تلك الليلة وبعد انتهاء الحفل عاد الجميع إلى المنزل

 

كان الأطفال مرهقين وسعداء

 

وبعد أن ناما جلس سيف في الحديقة الخلفية يحتسي القهوة

 

خرجت ليلى وجلست على المقعد المقابل

 

ساد الصمت بينهما

 

الصمت الذي أصبح أقل توترًا من السابق

 

ثم قالت فجأة

 

“عمرك فكرت تتجوز؟”

 

رفع رأسه بدهشة

 

ثم ضحك

 

“مين؟ أنا؟”

 

أومأت

 

فقال

 

“لا”

 

نظرت إليه

 

“ولا مرة؟”

 

هز رأسه

 

“ولا مرة”

 

ثم أضاف بعد لحظة

 

“كل مرة كنت أقابل حد كنت بقارنها بيكي”

 

ارتبكت للحظة

 

ثم نظرت بعيدًا

 

أما هو فابتسم ابتسامة صغيرة

 

ولم يضف شيئًا

 

—

 

مرت الأسابيع التالية بهدوء نسبي

 

إلى أن جاء اليوم الذي قلب كل شيء مرة أخرى

 

كانت ليلى في مكتبها عندما وصلها اتصال من المستشفى

 

أجابته بسرعة

 

ثم شحب وجهها

 

نهضت فورًا

 

وأمسكت حقيبتها

 

وغادرت دون أن تشرح شيئًا لأحد

 

—

 

بعد عشرين دقيقة كانت تصل إلى المستشفى

 

بقلب يرتجف

 

وعينين مذعورتين

 

ركضت داخل الممرات

 

حتى وصلت إلى غرفة الطوارئ

 

وهناك وجدت سيف

 

يقف خارج الغرفة

 

وجهه شاحب

 

ويداه ترتجفان

 

اقتربت منه بسرعة

 

“إيه اللي حصل؟”

 

رفع رأسه نحوها

 

وقال بصوت مكسور

 

“آدم”

 

شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها

 

“ماله؟”

 

أجاب

 

“وقع في المدرسة”

 

كادت تنهار

 

لكن الطبيب خرج في تلك اللحظة

 

وقال بسرعة

 

“اطمنوا”

 

أغلق الجميع أعينهم براحة

 

ثم أكمل الطبيب

 

“إغماءة بسيطة بسبب انخفاض حاد في السكر”

 

تنفست ليلى أخيرًا

 

لكنها لاحظت أن الطبيب لم يبدُ مرتاحًا تمامًا

 

سألته

 

“في حاجة تانية؟”

 

نظر الطبيب إليها

 

ثم إلى سيف

 

وقال

 

“في شوية تحاليل محتاجين نعملها”

 

—

 

بعد ساعات قليلة جلسا داخل مكتب الطبيب

 

بينما كان آدم نائمًا في الغرفة المجاورة

 

نظر الطبيب إلى الأوراق أمامه

 

ثم قال

 

“مفيش داعي للذعر”

 

وتلك الجملة وحدها كانت كافية لجعل القلق يتضاعف

 

أكمل الطبيب

 

“لكن في مؤشرات محتاجة متابعة”

 

سأله سيف مباشرة

 

“زي إيه؟”

 

تنهد الطبيب

 

ثم قال

 

“في احتمال يكون عنده مشكلة وراثية بسيطة في الدم”

 

تجمد سيف

 

أما ليلى فأمسكت ذراع المقعد بقوة

 

وأكمل الطبيب

 

“مش مؤكد”

 

“لكن محتاجين نعمل فحوصات أعمق”

 

خرج الاثنان من المكتب وهما يشعران بأن الخوف عاد مرة أخرى

 

لكن هذه المرة لم يكن خوفًا على الماضي

 

بل على مستقبل ابنهما

 

—

 

في تلك الليلة رفض سيف مغادرة المستشفى

 

وظل جالسًا بجوار سرير آدم

 

ينظر إليه وهو نائم

 

حتى بعد أن عادت ليلى إلى المنزل مع عمر

 

اقتربت الممرضة منه بعد منتصف الليل

 

وقالت

 

“حضرتك ممكن ترتاح شوية”

 

هز رأسه

 

“لا”

 

ابتسمت الممرضة

 

“واضح إنك أب قلق”

 

نظر إلى ابنه

 

ثم قال بهدوء

 

“أنا متأخر ست سنين”

 

ساد الصمت

 

ثم أضاف

 

“مش ناوي أتأخر دقيقة كمان”

 

—

 

لكن بينما كان الجميع منشغلًا بآدم

 

كان خبر آخر يتحرك في الظل

 

خبر لم يعرفه أحد بعد

 

ففي صباح اليوم نفسه كانت نادية الشاذلي قد تعرضت لوعكة صحية مفاجئة داخل محبسها الاحتياطي

 

ونُقلت إلى المستشفى تحت الحراسة

 

وعندما فحصها الأطباء اكتشفوا أمرًا خطيرًا

 

أمرًا أخفته عن الجميع حتى عن ابنها

 

مرضًا يتقدم بسرعة

 

وقد لا يمنحها وقتًا طويلًا

 

وعندما وصل التقرير الطبي إلى محاميها

 

نظر الرجل إلى الأوراق طويلًا

 

ثم همس لنفسه

 

“لأول مرة في حياتها… الزمن هو اللي بيطارد نادية الشاذلي”

 

وفي تلك اللحظة بالضبط كان هاتف سيف يهتز داخل جيبه برسالة عاجلة من المحامي

 

رسالة قصيرة جدًا

 

لكنها كانت كفيلة بفتح فصل جديد بالكامل

 

“لازم تشوف والدتك فورًا”

 

يتبع…

الفصل العاشر

 

ظل هاتف سيف يهتز في يده لثوانٍ طويلة بينما كان جالسًا بجوار سرير آدم داخل المستشفى.

 

قرأ الرسالة مرة.

 

ثم أعاد قراءتها.

 

ثم أغلق الشاشة دون أن يرد.

 

نظر إلى ابنه النائم.

 

ثم إلى الأجهزة الطبية المحيطة به.

 

وشعر بشيء غريب داخله.

 

قبل شهور قليلة فقط كان سيترك كل شيء ويركض فورًا إذا احتاجته والدته.

 

أما الآن…

 

فلم يعد يعرف ماذا يشعر.

 

هل يغضب؟

 

هل يقلق؟

 

هل يشفق عليها؟

 

أم يتذكر فقط كل ما فعلته؟

 

—

 

في صباح اليوم التالي خرج آدم من المستشفى بعد أن أكد الأطباء أن حالته مستقرة وأن الفحوصات الإضافية ستحتاج بعض الوقت فقط.

 

كان عمر في قمة سعادته بعودة أخيه.

 

أما ليلى فلم تتوقف عن مراقبة آدم طوال الطريق.

 

كلما ضحك.

 

كلما سعل.

 

كلما تحرك.

 

كانت تخشى أي شيء.

 

أي إشارة.

 

أي علامة.

 

لاحظ سيف ذلك.

 

وعندما وصلا إلى المنزل اقترب منها بهدوء.

 

وقال:

 

“هيبقى كويس.”

 

نظرت إليه.

 

وكان واضحًا أنه يحاول إقناع نفسه بالكلمات نفسها.

 

—

 

بعد الظهر ذهب سيف أخيرًا لمقابلة المحامي.

 

وجده ينتظره داخل مكتبه.

 

وأمامه ملف طبي.

 

قال المحامي بهدوء:

 

“والدتك طلبت تشوفك.”

 

جلس سيف دون تعليق.

 

فأضاف الرجل:

 

“في حاجة لازم تعرفها.”

 

دفع الملف نحوه.

 

فتح سيف الأوراق.

 

وبدأ يقرأ.

 

ومع كل سطر كان وجهه يزداد شحوبًا.

 

حتى وصل إلى الصفحة الأخيرة.

 

فتوقف.

 

وظل يحدق فيها طويلًا.

 

ثم همس:

 

“مستحيل.”

 

لكنها كانت الحقيقة.

 

—

 

في المساء…

 

دخل سيف الغرفة الخاصة داخل المستشفى.

 

وكانت نادية جالسة قرب النافذة.

 

بدت أصغر بكثير مما كانت عليه.

 

أضعف.

 

أهدأ.

 

وكأن السنوات سقطت فوقها فجأة.

 

عندما رأته ابتسمت ابتسامة خافتة.

 

وقالت:

 

“كنت عارفة إنك هتيجي.”

 

لم يرد.

 

اقترب فقط.

 

وجلس على المقعد المقابل.

 

ساد الصمت.

 

ثم قالت:

 

“قريت التقرير؟”

 

أومأ.

 

كانت تعاني من مرض خطير في القلب إضافة إلى مضاعفات أخرى اكتشفها الأطباء متأخرة.

 

والتوقعات لم تكن مطمئنة.

 

لكن الغريب أن سيف لم يشعر بالانتصار.

 

ولم يشعر بالراحة.

 

شعر فقط بالتعب.

 

تعب سنوات كاملة.

 

—

 

قالت نادية أخيرًا:

 

“أنا استاهل كل حاجة حصلت.”

 

ظل صامتًا.

 

فأكملت:

 

“يمكن أكتر.”

 

ثم نظرت إليه.

 

وأضافت:

 

“بس في حاجة واحدة عمري ما كذبت فيها.”

 

رفع رأسه.

 

فقالت:

 

“إني كنت بحبك.”

 

أغلق عينيه للحظة.

 

لأن تلك الجملة كانت أصعب من الاعترافات كلها.

 

قال بصوت منخفض:

 

“الحب مش دايمًا كفاية.”

 

نزلت دموعها.

 

وأومأت.

 

“عارفة.”

 

—

 

مرت الأيام التالية بسرعة.

 

ظهرت نتائج التحاليل الجديدة.

 

واتضح أن مشكلة آدم أقل خطورة مما خافوا.

 

كانت حالة وراثية بسيطة تحتاج متابعة فقط.

 

لا أكثر.

 

ولأول مرة منذ أسابيع…

 

نامت ليلى ليلة كاملة دون خوف.

 

أما سيف…

 

فاحتفل بطريقته الخاصة.

 

أخذ الطفلين إلى مدينة الألعاب.

 

وظل يركض خلفهما ساعات طويلة.

 

حتى انتهى اليوم وهو أكثر إرهاقًا منهما.

 

ضحك عمر وقال:

 

“بابا كبر.”

 

فأجابه آدم بجدية:

 

“أيوه واضح.”

 

وظلوا يضحكون حتى بكت عيونهم.

 

—

 

لكن الشيء الذي لم يتوقعه أحد…

 

حدث بعد أسبوع.

 

كانت ليلى تعود من العمل عندما وجدت سيارة تقف أمام منزلها.

 

سيارة تعرفها جيدًا.

 

توقفت.

 

ونبض قلبها بقوة.

 

ثم نزل رجل من السيارة.

 

رجل أكبر سنًا.

 

أشيب الشعر.

 

لكنه مألوف جدًا.

 

تجمدت في مكانها.

 

همست:

 

“بابا؟”

 

ابتسم والدها.

 

وقال:

 

“جبت حاجة.”

 

رفعت حاجبها باستغراب.

 

ففتح صندوق السيارة.

 

وأخرج صندوقًا خشبيًا قديمًا.

 

تعرفه جيدًا.

 

صندوق الذكريات.

 

الصندوق الذي ظنت أنه ضاع منذ سنوات.

 

شعرت بالدموع تملأ عينيها.

 

—

 

في الداخل…

 

جلسا معًا يفتحان الصندوق.

 

وكان كأنه يفتح بابًا لزمن آخر.

 

صور طفولتها.

 

دفاتر المدرسة.

 

رسائل قديمة.

 

بطاقات معايدة.

 

حتى ألعاب صغيرة احتفظ بها والدها كل هذه السنوات.

 

ثم وجدت ظرفًا صغيرًا في القاع.

 

مكتوبًا عليه اسمها.

 

قطبت حاجبيها.

 

“إيه ده؟”

 

قال والدها:

 

“رسالة.”

 

“من مين؟”

 

نظر إليها طويلًا.

 

ثم قال:

 

“من سيف.”

 

تجمدت.

 

“إيه؟”

 

أومأ.

 

“كتبها من خمس سنين.”

 

شعرت أن قلبها توقف.

 

—

 

فتحت الظرف ببطء.

 

وأخرجت الورقة.

 

كانت قديمة.

 

مصفرّة الأطراف.

 

لكن الخط كان واضحًا.

 

خط سيف.

 

بدأت تقرأ.

 

وفي أول سطر فقط شعرت بالدموع تنهمر.

 

لأن الرسالة لم تكن رسالة رجل بارد يريد التخلص من مسؤوليته.

 

بل رسالة رجل نادم.

 

خائف.

 

ضائع.

 

كتب فيها أنه بحث عنها.

 

وأنه حاول الوصول إليها.

 

وأنه لم يصدق اختفاءها.

 

وأنه لو وجدها سيطلب فرصة ثانية.

 

وأنه لا يعرف إن كانت ستسامحه يومًا.

 

لكنه سيظل يحاول.

 

رفعت رأسها ببطء.

 

والدموع تغطي وجهها.

 

وقالت:

 

“ليه ما وصلتنيش؟”

 

أجاب والدها بهدوء:

 

“عشان نادية أخدتها.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أضاف:

 

“ولما وصلتني بعد كده كنت وقتها خلاص برا مصر.”

 

أغلقت ليلى عينيها.

 

وشعرت أن قطعة جديدة من الصورة سقطت في مكانها.

 

—

 

في تلك الليلة…

 

جلست وحدها في الشرفة.

 

تقرأ الرسالة مرة.

 

ثم مرتين.

 

ثم عشر مرات.

 

وفي كل مرة كانت ترى سيف الذي لم تعرفه.

 

سيف الذي أخطأ.

 

لكن حاول.

 

سيف الذي ضاع هو الآخر داخل شبكة الأكاذيب.

 

وسيف الذي ما زال حتى اليوم يحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه.

 

—

 

في الوقت نفسه…

 

كان سيف يجلس مع الطفلين يبني قلعة من المكعبات الملونة.

 

عندما سأله عمر فجأة:

 

“بابا.”

 

ابتسم.

 

فما زال قلبه يدفأ كلما سمع الكلمة.

 

“نعم؟”

 

قال عمر:

 

“إنت بتحب ماما؟”

 

سقط المكعب من يده.

 

أما آدم فرفع رأسه فورًا.

 

منتظرًا الإجابة.

 

ضحك سيف بتوتر.

 

ثم قال:

 

“سؤال صعب.”

 

لكن الطفلين ظلا ينظران إليه.

 

فأخذ نفسًا طويلًا.

 

وقال بصدق:

 

“أيوه.”

 

ساد الصمت.

 

ثم ابتسم عمر بانتصار.

 

كأنه كان يعرف الإجابة مسبقًا.

 

أما آدم فقال:

 

“واضح.”

 

—

 

وفي تلك اللحظة نفسها…

 

كانت ليلى تنظر إلى الرسالة القديمة.

 

وتقرأ آخر سطر فيها.

 

السطر الذي لم تنتبه له من قبل.

 

“لو ضاعت منك كل الطرق يومًا… ابقي عارفة إن الطريق ليكي عمره ما ضاع جوايا.”

 

أغلقت الرسالة.

 

وأغمضت عينيها.

 

ولأول مرة منذ خمس سنوات…

 

سمحت لنفسها أن تتساءل عن شيء كانت ترفض التفكير فيه.

 

ليس هل يمكن أن تسامحه.

 

بل…

 

هل يمكن أن تحبه مرة أخرى؟

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *