زوج بالايجار حكـايـات أسمـا ×3
الفصل السابع
في اللحظة اللي قال فيها فؤاد إنني ممكن أكون واحد من ورثة الشاذلي…
حسيت كأن حد سحب الأرض من تحت رجلي.
أنا؟
محمود عبدالسلام؟
الجنايني اللي كان لحد أسابيع بيبات في أوضة صغيرة جنب المخزن؟
اللي كان أكبر حلمه يصلح سقف بيت أهله في المنيا؟
أبقى فجأة وريث إمبراطورية بمليارات الجنيهات؟
لا.
أكيد في غلط.
أكيد في سوء فهم.
قلت بعصبية:
ـ “مستحيل.”
فؤاد كان باصص للرسالة.
ولونه بيتغير.
قال:
ـ “لازم نكمل.”
رجعت أمسك الورقة.
وكملت القراءة.
“يا محمود… الراجل اللي سلّمك لينا كان مصاب إصابة خطيرة جدًا. وصل بيتنا قبل الفجر. كان شايلك بين إيديه وهدومك كلها دم.”
بلعت ريقي.
وأكملت.
“طلب مني أحميك مهما حصل. وقال إن ناس كتير هتدور عليك لو عرفت إنك عايش.”
الأوضة كلها كانت ساكتة.
حتى ليلى نسيت تعبها وولادتها.
وأصبحت مركزة مع كل كلمة.
“سألته مين أنت؟ فقال لي جملة واحدة.”
توقفت عيناي على السطر التالي.
“قال: الطفل ده أمانة… ولو عاش هيغير كل حاجة.”
شعرت بقشعريرة في ظهري.
ثم أكملت.
“قبل ما يموت بدقائق سلّمني سلسلة فضة كانت في رقبتك.”
رفعت رأسي بسرعة.
العجوز القادم من المنيا قال:
ـ “الصندوق فيه السلسلة.”
بدأنا نفتش.
حتى وجدناها.
سلسلة فضية قديمة.
وعليها قطعة صغيرة محفور عليها حرفان فقط.
م . ش
فؤاد أمسكها.
ثم اتسعت عيناه فجأة.
ـ “يا نهار أبيض…”
كريم اقترب.
ـ “في إيه؟”
فؤاد قال:
ـ “دي مش حروف اسم محمود.”
ـ “دي نفس طريقة ترميز عائلة الشاذلي.”
ليلى همست:
ـ “م . ش ؟”
فؤاد رد:
ـ “مختار الشاذلي.”
الأوضة سكتت.
مختار الشاذلي.
الاسم ده كان معروف داخل العائلة.
كان الأخ الأصغر لعبد الرحمن الشاذلي.
واختفى في ظروف غامضة من أكثر من ثلاثين سنة.
لم يعثروا على ج*ثته.
ولم يعرف أحد ماذا حدث له.
كريم قال:
ـ “إنت تقصد إن محمود…”
ـ “ابن مختار؟”
فؤاد هز رأسه ببطء.
ـ “أو حفيده.”
لكن قبل أن يكمل…
رن هاتفه.
نظر للشاشة.
ثم شحب وجهه.
رد بسرعة.
استمع لثوانٍ.
ثم أغلق الخط.
رفع رأسه نحونا.
وقال:
ـ “هشام اقتحم مقر الشركة.”
ليلى انتفضت.
ـ “إيه؟”
ـ “جمع مجلس الإدارة.”
ـ “وأعلن إنه هيستلم الإدارة النهارده.”
كريم ضرب الطاولة بعنف.
ـ “على أي أساس؟”
فؤاد قال:
ـ “لأنه عرض مستندات جديدة.”
ـ “ومعاه دعم عدد كبير من المستثمرين.”
ليلى أمسكت ابنها الصغير بقوة.
وكان واضح إن الأمور بتخرج من إيدينا.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعد دقائق.
دخل أحد الحراس مسرعًا.
وقال:
ـ “في صحفيين برا.”
ـ “وفي عربيات قنوات.”
ـ “والخبر انتشر.”
ليلى تجمدت.
ـ “أي خبر؟”
الحارس فتح هاتفه.
وأرانا شاشة الأخبار.
وكان العنوان الرئيسي:
“فضيحة جديدة داخل عائلة الشاذلي… شكوك حول نسب الطفل وظهور وريث مجهول.”
الخبر كان في كل مكان.
صورتي.
صور ليلى.
صور كريم.
وصور الطفل.
هشام بدأ الحرب علنًا.
—
بعد ساعتين فقط.
وصلنا مقر الشركة الرئيسي.
أكبر برج تملكه المجموعة.
الصحفيون بالمئات.
الكاميرات في كل اتجاه.
والكل ينتظر سقوط الإمبراطورية.
دخلنا قاعة مجلس الإدارة.
وهناك رأيته.
هشام.
واقف عند رأس الطاولة.
وكأنه أصبح المالك بالفعل.
ابتسم عندما رآنا.
وقال:
ـ “أهلًا.”
ليلى ردت ببرود:
ـ “لسه ما خلصتش.”
ضحك.
ـ “بالعكس.”
ـ “أنا لسه ببدأ.”
ثم رفع ملفًا أحمر.
وقال:
ـ “عندي مفاجأة للجميع.”
فتح الملف.
وأخرج تقريرًا رسميًا.
ثم قال:
ـ “الوريث المزعوم محمود عبدالسلام…”
نظر إليّ مباشرة.
وأكمل:
ـ “لا يملك أي صلة مثبتة بعائلة الشاذلي.”
بدأ بعض أعضاء المجلس يتهامسون.
ثم أكمل هشام بثقة:
ـ “أما الطفل…”
وأشار نحو ابن ليلى.
ـ “فلا يوجد دليل إنه ينتمي للعائلة.”
ليلى كادت تنهار.
لكن فجأة…
حدث شيء لم يتوقعه أحد.
باب القاعة انفتح.
ودخل رجل عجوز.
شعره أبيض بالكامل.
ويستند إلى عصا.
لكن أول ما رآه هشام…
اختفى اللون من وجهه.
تمامًا.
كأن شبحًا ظهر أمامه.
العجوز تقدم ببطء.
ثم قال بصوت هادئ:
ـ “واضح إنك استعجلت يا هشام.”
الصمت خيم على القاعة.
فؤاد وقف فجأة.
وعيناه متسعتان.
ثم قال بذهول:
ـ “مستحيل…”
ـ “مختار الشاذلي؟!”
تجمد الجميع.
حتى أنا.
لأن الرجل الذي قيل إنه اختفى منذ أكثر من ثلاثين عامًا…
كان واقفًا أمامنا حيًا.
وينظر مباشرة إلى هشام.
أما هشام…
فبدأ يتراجع خطوة للخلف.
وكأنه رأى أسوأ كوابيسه يتحقق أمام عينيه.
يتبع…
الفصل الثامن
الصمت اللي نزل على قاعة مجلس الإدارة كان أثقل من أي كلمة.
كل الموجودين كانوا واقفين.
محدش قادر يستوعب اللي بيحصل.
الراجل اللي أعلنت العائلة اختفاءه من أكتر من ثلاثين سنة…
واللي اتكتبت عنه مقالات واتقفلت ملفات بحث رسمية باسمه…
واقف قدامهم دلوقتي حي.
مختار الشاذلي.
أما هشام…
فكان الوحيد اللي ما اتصدمش من وجوده.
لأن الصدمة الحقيقية على وشه ما كانتش صدمة شخص شاف ميت رجع للحياة.
كانت صدمة شخص كان متأكد إن الراجل ده مات من زمان.
وإنه بنفسه ضامن ده.
مختار وقف في منتصف القاعة.
وحط العصاية قدامه.
وبص ناحية هشام.
وقال بهدوء:
ـ “وحشتني يا هشام.”
الجملة البسيطة دي خلت هشام يشد على أسنانه.
قال بعصبية:
ـ “إنت مش المفروض تكون هنا.”
مختار ابتسم.
ـ “أهو جيت.”
ـ “زعلتك؟”
ضحك بعض أعضاء المجلس بتوتر.
أما هشام فوشه احمر من الغضب.
وفجأة ضرب الطاولة.
ـ “كفاية تمثيل.”
ـ “قول الحقيقة.”
مختار رفع حاجبه.
ـ “أي حقيقة؟”
ـ “الحقيقة اللي حاولت تدفنها.”
هشام صرخ:
ـ “إنت هربت.”
ـ “سرقت فلوس العيلة.”
ـ “واختفيت.”
مختار ضحك لأول مرة.
ضحكة طويلة.
مريرة.
ثم قال:
ـ “لسه بتكدب بنفس الطريقة.”
بعدها التفت ناحية أعضاء المجلس.
وقال:
ـ “تحبوا تعرفوا أنا اختفيت ليه؟”
ولا واحد فيهم رد.
لكن كلهم كانوا مركزين معاه.
مختار سحب ظرفًا من جيب الجاكيت القديم.
ووضعه على الطاولة.
وقال:
ـ “لأن حد حاول يق*تلني.”
الصمت رجع من جديد.
ثم أكمل:
ـ “قبل واحد وثلاثين سنة.”
ـ “بعد وفاة أخويا عبد الرحمن بشهرين.”
هنا اتغيرت ملامح فؤاد.
وقال:
ـ “إنت تقصد إن وفاة عبد الرحمن…”
مختار هز رأسه.
ـ “ما كانتش طبيعية.”
في اللحظة دي…
ليلى شهقت.
أما أنا…
فحسيت إن كل الأسرار اللي عرفناها قبل كده كانت مجرد بداية.
مختار أكمل:
ـ “أخويا كان ناوي يغير الوصية.”
ـ “وكان ناوي يكشف أسماء ناس سرقوا ملايين من الشركات.”
ـ “لكن قبل ما يعمل ده…”
ـ “مات فجأة.”
هشام قاطعه بغضب:
ـ “كفاية!”
لكن مختار تجاهله.
وقال:
ـ “وبعدها بأيام…”
ـ “حاولوا يق*تلوني أنا كمان.”
رفع كُم قميصه.
وأظهر أثر رصاصة قديمة في ذراعه.
ثم أضاف:
ـ “لكن ربنا كتبلي عمر جديد.”
أعضاء المجلس بدأوا يهمسوا.
أما هشام…
فبدأ يفقد أعصابه لأول مرة.
ثم صرخ:
ـ “عندك دليل؟!”
مختار ابتسم.
ـ “طبعًا.”
ثم أشار نحوي.
وقال:
ـ “والدليل واقف هناك.”
كل الأنظار اتجهت ناحيتي.
تجمدت مكاني.
ـ “أنا؟”
مختار هز رأسه.
ثم تقدم خطوة.
وقال:
ـ “محمود مش حفيدي.”
ـ “ولا ابن أخويا.”
ـ “ولا وريث بعيد.”
سكت لحظة.
والقاعة كلها كانت معلقة بأنفاسها.
ثم قال:
ـ “محمود ابني.”
لو أن قنبلة انفجرت وسط القاعة…
ما كانتش هتعمل الصدمة اللي حصلت.
أنا نفسي حسيت إن قلبي وقف.
ـ “إيه؟!”
الكلمة خرجت مني قبل أي حد.
مختار كانت عينه مليانة دموع.
وقال:
ـ “أيوة يا محمود.”
ـ “أنا أبوك.”
رجليا ما بقتش شايلاني.
قعدت على أول كرسي ورايا.
حياتي كلها اتقلبت في ثانية.
أبويا؟
يبقى الراجل اللي رباني؟
عبدالسلام؟
مختار قرب مني.
وقال بصوت مكسور:
ـ “عبدالسلام كان أعظم راجل عرفته.”
ـ “أنقذ حياتك.”
ـ “ورباك كأنك ابنه.”
ـ “وأوصاني ما أظهرش غير لما الوقت ييجي.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
مش عارف أفرح.
ولا أزعل.
ولا أصدق.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
لأن مختار التفت ناحية هشام.
وقال:
ـ “دلوقتي بقى نجي للحقيقة الأخيرة.”
هشام صرخ:
ـ “اسكت!”
لكن مختار أكمل:
ـ “هشام…”
ثم سكت ثواني.
وقال:
ـ “مش ابن عبد الرحمن.”
القاعة انفجرت.
فؤاد وقف.
ليلى شهقت.
أما هشام فبقى أبيض كالشبح.
مختار أكمل:
ـ “تحليل الـDNA اللي اتقدم قبل كده كان مزور.”
ـ “واللي زوره هو نفس الشخص اللي كان بيسرق الشركات.”
هشام بدأ يتراجع للخلف.
ـ “كداب.”
مختار أخرج ملفًا جديدًا.
ـ “الأصل موجود.”
ثم رفع ورقة رسمية مختومة.
وقال:
ـ “ودي النسخة اللي حاولت تحرقها من ثلاث سنين.”
فؤاد خطف الملف بسرعة.
بدأ يقلب الأوراق.
وفجأة رفع رأسه بذهول.
ـ “يا إلهي…”
ليلى صرخت:
ـ “في إيه؟”
فؤاد قال:
ـ “مختار بيقول الحقيقة.”
ثم نظر مباشرة إلى هشام.
وأكمل:
ـ “هشام لا ينتمي لعائلة الشاذلي أصلًا.”
ساد الذهول المكان.
أما هشام…
فبص للجميع.
ثم انفجر ضاحكًا.
ضحكة غريبة.
مرعبة.
طويلة.
لدرجة إن أعضاء المجلس اتوتروا.
ثم فجأة مسح دموع الضحك من عينه.
وقال:
ـ “أخيرًا.”
كلنا بصينا له.
فابتسم.
وقال الجملة اللي قلبت كل شيء مرة أخرى:
ـ “الحمد لله إن الحقيقة طلعت.”
الصمت خيم على القاعة.
ثم أكمل:
ـ “لأنكم كلكم مركزين في النسب…”
ـ “ومحدش سأل السؤال الصح.”
ليلى قالت بعصبية:
ـ “أي سؤال؟”
هشام رفع هاتفه.
وضغط زرًا.
وفجأة اشتغلت شاشة العرض العملاقة في القاعة.
وظهر عليها فيديو قديم.
رديء الجودة.
مصور داخل غرفة مستشفى.
التاريخ في زاوية الشاشة يرجع إلى أكثر من ثلاثين سنة.
كلنا بصينا للشاشة.
ثم تجمدنا.
لأن الشخص الظاهر في الفيديو…
كان عبد الرحمن الشاذلي نفسه.
مؤسس الإمبراطورية.
الميت منذ عقود.
وكان يقول جملة واحدة فقط:
“لو شفتوا التسجيل ده… يبقى أكتر شخص وثقت فيه خانني.”
ثم نظر مباشرة للكاميرا.
ونطق اسمًا واحدًا.
اسمًا جعل مختار نفسه يشحب ويتراجع خطوة للخلف.
الاسم كان:
“مختار.”
يتبع…