دفعني عريسي حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الرابع: الزوجة التي عادت من الماضي
“لسه محدش سمع نص الحكاية.”
قالتها الست وهي تحط الملف الضخم فوق الطاولة.
كل العيون كانت عليها.
أما كريم…
فكان واقف كأنه فقد القدرة على الكلام.
لأول مرة من بداية الليلة.
ماكانش عنده رد.
ماكانش عنده كذبة جاهزة.
ولا ابتسامة مزيفة يستخبى وراها.
الست فتحت الملف.
وأخرجت وثيقة قديمة.
ثم رفعتها أمام الجميع.
“قسيمة زواج.”
شهقات خرجت من المعازيم.
وأم كريم نفسها وقفت من مكانها.
“إيه ده؟”
الست بصتلها بحزن.
وقالت:
“ابنك متجوزني من سبع سنين.”
الصمت انفجر في المكان.
أما أنا…
فحسيت إن قلبي وقف.
سبع سنين؟
يعني لما كان بيقول لكل الناس إنه أعزب…
كان كذاب.
لما كان بيحلف إنه أول مرة يتجوز…
كان كذاب.
لما كان بيقول إنه بيحلم يبدأ حياة جديدة معايا…
كان كذاب.
الست طلعت ورقة تانية.
ثم تالتة.
ثم رابعة.
كلها أحكام ومحاضر وقضايا.
واحدة منها مكتوب عليها:
“تبديد أموال زوجية.”
والتانية:
“نصب واحتيال.”
والتالتة:
“دعوى نفقة.”
المعازيم بقوا يبصوا لكريم كأنه شخص غريب.
أما هو…
فبدأ يفقد أعصابه.
“كفاية!”
صرخ بأعلى صوته.
“كفاية بقى!”
لكن الست ضحكت.
ضحكة باردة.
وقالت:
“دلوقتي بس كفاية؟”
ثم أخرجت صورة.
صورة صغيرة قديمة.
وحطتها قدام الكل.
“تعرفوا مين ده؟”
الناس قربت.
وبعدين بدأت الهمسات.
“طفل؟”
“ابنه؟”
“معقول؟”
أنا أخدت الصورة من إيدها.
واتجمدت.
ولد صغير.
عنده تقريباً خمس سنين.
نفس عيون كريم.
نفس ملامحه.
نفس ابتسامته.
رفعت عيني ببطء.
وبصيت لكريم.
أما هو…
فحول عينيه بعيد.
وماقدرش يبصلي.
في اللحظة دي فهمت.
وفهم كل الموجودين.
الولد ده ابنه.
ابنه الحقيقي.
اللي أخفاه عني طول فترة الخطوبة.
الست قالت بصوت مكسور:
“ابني.”
ثم أشارت إلى كريم.
“وابنه.”
أمه وقعت على الكرسي.
وأبوه أمسك صدره من الصدمة.
أما أنا…
فكنت حاسة إني واقفة وسط إعصار.
لكن الإعصار لسه ماوصلش لأقوى نقطة.
لأن الست قربت مني.
وسلمتني فلاشة صغيرة.
وقالت:
“أنا جيت النهاردة عشان أحميكي.”
بصيت للفلاشة باستغراب.
“إيه دي؟”
ردت بهدوء:
“الحقيقة كلها.”
كريم جرى ناحيتنا فجأة.
وأول مرة أشوف الرعب الحقيقي في عينيه.
“متشغليش الفلاشة!”
سكتت الجنينة كلها.
حتى الهوا كأنه وقف.
وأنا بصيت للفلاشة.
ثم بصيت له.
وسألته بهدوء:
“إيه اللي فيها يا كريم؟”
ما ردش.
لكن نظرة الخوف اللي ظهرت في عينيه…
كانت كافية تعرفني إن السر اللي جواها أخطر بكتير من كل اللي اتكشف لحد دلوقتي.
يتبع…الفصل الخامس: ما بداخل الفلاشة
“متشغليش الفلاشة!”
صرخة كريم دوّت في الجنينة كلها.
لكن بعد كل اللي حصل…
كان مستحيل أسمع كلامه.
مسكت الفلاشة بإيدي.
وبصيت له.
“خايف ليه؟”
بلع ريقه.
ووشه كان شاحب بشكل عمره ما كان عليه.
“سارة… الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.”
ضحكت.
“الجملة دي سمعتها منك كتير.”
ثم سلمت الفلاشة لأخويا أحمد.
“شغلها.”
كريم اندفع ناحيته بسرعة.
لكن اتنين من أولاد عمي وقفوا قدامه.
وفي أقل من دقيقة…
كانت شاشة العرض الكبيرة اللي كانت شغالة عليها صور الفرح…
بتعرض محتوى الفلاشة.
ظهر تاريخ.
ثم تسجيل فيديو.
كريم كان قاعد في مكتب فاخر.
وأمامه رجل أصلع ضخم.
واضح إنه رجل أعمال.
الصوت كان واضح جداً.
الرجل سأل:
“يعني البنت دي كام تساوي تقريباً؟”
ابتسم كريم.
وقال:
“أبوها عنده أكتر من خمسين فدان.”
شعرت بأبويا يقبض على عصايته بعنف.
أما كريم في الفيديو فأكمل:
“بعد الجواز بست شهور كل حاجة هتبقى تحت إيدي.”
شهقات خرجت من كل مكان.
لكن الفيديو لم ينتهِ.
الرجل سأله:
“ولو رفضت؟”
رد كريم بمنتهى البرود:
“زي اللي قبلها.”
الصمت نزل على المكان.
أما الزوجة الأولى…
فأغمضت عينيها.
وكأنها كانت تتمنى ألا تسمع هذه الجملة مرة أخرى.
وأنا حسيت إن قلبي اتقبض.
“زي اللي قبلها؟”
الفيديو توقف.
وظهر تسجيل آخر.
هذه المرة كان صوت فقط.
صوت كريم.
وصوت امرأة تبكي.
امرأة تستجديه.
“حرام عليك يا كريم…”
“امضي.”
“مش همضي.”
ثم…
صوت صفعة.
قوية.
مرعبة.
شهقت أمه.
أما أبوه فأنزل رأسه للأرض.
وكأنهم لأول مرة يرون ابنهم الحقيقي.
لكن المصيبة الأكبر كانت ما زالت قادمة.
لأن الزوجة الأولى تقدمت خطوة.
وقالت بصوت مرتجف:
“في حاجة محدش يعرفها.”
كل الأنظار اتجهت إليها.
حتى كريم نفسه.
فقالت:
“أنا ما جيتش النهاردة عشان أنتقم.”
سكتت لحظة.
ثم أشارت إلى الطفل الموجود في الصورة.
“أنا جيت عشان أنقذ ابني.”
عقدت حاجبي.
“أنقذيه من إيه؟”
نزلت دموعها.
وقالت الجملة التي قلبت الدنيا كلها:
“كريم مش أبوه.”
الصمت كان مرعباً.
حتى العصافير فوق الأشجار كأنها سكتت.
أما كريم…
فبدا وكأن الأرض انسحبت من تحته.
“إنتِ بتقولي إيه؟”
ضحكت الزوجة الأولى بمرارة.
“الحقيقة.”
“إنتِ كدابة!”
“لا.”
ثم أخرجت ظرفاً أبيض.
ووضعته فوق الطاولة.
“تحليل DNA.”
المعازيم اقتربوا.
وأبويا نفسه وقف مكانه.
أما الزوجة الأولى فبصت مباشرة في عيون كريم.
وقالت:
“بعد كل اللي عملته فيا… عمري ما قلتلك.”
سكتت.
ثم أكملت:
“الولد اللي ربيته خمس سنين… مش ابنك.”
كريم تراجع خطوة.
ثم خطوة أخرى.
كأن حد ضربه في صدره.
ولأول مرة…
ظهر الانكسار الحقيقي على وجهه.
لكن قبل ما أي حد يستوعب الصدمة…
سمعنا صوت سيارة شرطة تدخل من بوابة الفيلا.
الجميع التفت.
وسيارتان أخريان دخلتا خلفها.
نزل ضابط برتبة كبيرة.
وفي إيده ملف.
ومعه ثلاثة رجال.
اتجهوا مباشرة نحو كريم.
فهمس أحد المعازيم:
“شرطة؟”
أما الضابط فوقف أمام كريم.
وقال بهدوء:
“الأستاذ كريم فؤاد؟”
لم يرد كريم.
لكن وجهه كان كافياً.
الضابط فتح الملف.
وقال:
“معانا أمر ضبط وإحضار.”
شهقت أمه.
أما كريم فبدا وكأنه يعرف السبب.
لكن لما الضابط نطق التهمة…
حتى أنا اتجمدت مكاني.
لأنها لم تكن نصباً…
ولا احتيالاً…
ولا سرقة أموال.
بل كانت جريمة أخطر بكثير.
جريمة حدثت قبل سنوات.
وجاءت الليلة لتطارده في ليلة زفافه.
يتبع…