حالة طوارئ حكـايـات أسمـا ×3
أدهم شال نجوى بين إيديه بسرعة وهو بيزعق للبواب يطلب الإسعاف، لكن أول ما خرج بيها من باب الشقة حس إن الوقت أبطأ من الطبيعي بشكل مرعب. المطر الخفيف كان نازل فوق شوارع مصر الجديدة، وأنوار العربيات بتلمع على وشها الشاحب. شعرها الأبيض كان نازل على جبينها، وأنفاسها متقطعة لدرجة خلت قلبه يوجعه.
ركب العربية بنفسه بدل ما يستنى الإسعاف.
أول مرة في حياته يسوق وهو مرعوب بالشكل ده.
كان كل شوية يبص عليها ويقول: — مدام نجوى… سامعاني؟
لكنها ما كانتش بترد.
إيده كانت ماسكة الدريكسيون بقوة لدرجة مفاصله وجعته. وفجأة افتكر ليلة موت أمه. افتكر إنه وقتها كان عاجز. طفل صغير واقف يتفرج على حد بيضيع منه.
لكن النهارده… لأول مرة… كان عنده فرصة يحارب.
وصل المستشفى بسرعة جنونية.
وأول ما نزل شايلها… الدور كله اتقلب.
سارة شهقت: — يا نهار أبيض!
أدهم صرخ بصوت هز القسم: — جهزوا العناية حالًا!
الكل جري بدون نقاش.
الممرضات اللي كانت نجوى بتساعدهم كل يوم كانوا حرفيًا بيعيطوا وهم بينقلوها على السرير.
أدهم بنفسه بدأ يفحصها. ضغط منخفض جدًا. اضطراب في ضربات القلب. إجهاد حاد. وجسم مستنزف بالكامل.
سارة قالت بخوف: — هي كانت عايشة لوحدها؟
أدهم هز راسه ببطء.
وفجأة حس بحاجة خنقته من جواه.
الست اللي كانت بتداوي الكل… ماكانش فيه حد يداويها.
بدأوا يثبتوا حالتها. ساعات كاملة.
وفي الفجر… استقرت أخيرًا.
أدهم كان قاعد برا العناية، لابس بالطو متغرق دم وعرق، وعينيه حمرا من السهر.
يوسف المنياوي دخل المستشفى بعكاز. إصابته لسه ما خفتش بالكامل. لكن أول ما عرف… جري عليها.
وقف قدام أدهم وقال بقلق: — هي عاملة إيه؟
أدهم بصله بتعب: — أزمة قلبية وإجهاد شديد… شكلها بقالها فترة ما بتاخدش العلاج بانتظام.
يوسف سكت لحظة. ثم قال بحزن: — كانت دايمًا بتكره تبان ضعيفة.
أدهم افتكر كلامها: “أكتر حاجة بتخوفني… إني أموت منسية.”
الجملة رجعت تضربه بعنف.
يوسف قعد جنبه. ولأول مرة الاتنين سكتوا من غير أي توتر.
ثم يوسف قال: — تعرف إنها باعت وسام الجمهورية؟
أدهم لفله بسرعة: — إيه؟
— بعد وفاة ابنها بسنتين… باعت الوسام علشان تدفع علاج أم عسكري مصاب.
الصمت نزل ثقيل.
يوسف ضحك بمرارة: — حتى البيت ده… كانت هتبيعه السنة اللي فاتت علشان تساعد بنت ممرضة عندها سرطان.
أدهم حس إن صدره بيوجعه.
كل ما يعرف عنها حاجة… يحس إنه أصغر.
قال بهدوء: — ليه محدش كان يعرف كل ده؟
يوسف بص للعناية المركزة من بعيد: — لأنها كانت بتقول إن المعروف اللي يتقال… يبقى تجارة مش رحمة.
في اللحظة دي… باب العناية اتفتح.
الدكتور المناوب خرج وقال: — فاقت.
أدهم قام فورًا.
دخل الأوضة بخطوات سريعة لكنه أول ما شافها على السرير حس قلبه اتقبض.
لأول مرة… نجوى باينة ضعيفة فعلًا.
وشها شاحب. الأجهزة حواليها. وأنفها فيه أنبوبة أكسجين.
لكن أول ما شافته… ابتسمت بخفة وقالت: — هو أنا ما صدقت خلصت من المستشفى… رجعتوني تاني؟
أدهم حس دموع سخيفة طلعت لعنيه بدون إذن. فقال بعصبية خفيفة: — حضرتك كان ممكن تموتي.
قالت ببساطة: — كلنا هنموت يا أدهم.
قرب منها أكثر وقال: — ليه ما طلبتيش مساعدة؟
بصتله شوية. ثم قالت: — اتعودت أعتمد على نفسي.
سكت. ثم قال بصوت منخفض: — بس المرة دي… كان فيه ناس هتزعل عليكي.
الهدوء اللي على وشها اتهز للحظة.
واضح إنها ما تعودتش تسمع الجملة دي.
يوسف دخل بعدها بدقيقة. وأول ما شافته… قالت: — إنت المفروض ترتاح يا حيوان.
ضحك رغم الدموع: — ماكنتش هسامح نفسي لو حصلك حاجة.
نجوى بصتلهم هما الاتنين. وبعدين قالت بهدوء: — كبرتوا.
أدهم استغرب: — كبرنا؟
ابتسمت: — أول مرة شوفت يوسف كان عنده عشرين سنة وخايف من أول معركة… وإنت أول مرة شوفتك كنت طفل متخبي ورا غرورك.
أدهم نزل عينه للأرض.
لكنها مدت إيدها الضعيفة وربتت على إيده.
— بس دلوقتي بقيت دكتور بجد.
الجملة خلت حاجة داخله تتكسر وتتلحم في نفس الوقت.
بعد أيام… نجوى اتحسنت شوية.
لكن أدهم اكتشف حاجة خلت الدم يتجمد في عروقه.
التحاليل بينت إنها عندها فشل قلبي مزمن متقدم. وكانت مخبية الموضوع من الكل.
لما واجهها… ضحكت بخفة وقالت: — هو أنا كنت هعيش للخلود يعني؟
صرخ لأول مرة قدامها: — حضرتك مستهترة بحياتك!
هي بصتله بهدوء شديد. وقالت: — لا يا أدهم… أنا بس تعبت.
الصوت كان مرهق بشكل يخوف.
كملت: — في ناس بتعيش سنين طويلة وهي فاضية من جوا… وأنا حسيت إني خلصت اللي عليا.
أدهم حس بغضب وعجز مع بعض. قال: — وإحنا؟
بصتله باستغراب خفيف.
قال بعينين مليانين وجع: — الناس اللي بتحبك دلوقتي؟
الدموع لمعت في عينها لأول مرة.
لفت وشها بعيد بسرعة كأنها بتستخبى.
لكن أدهم فهم.
الست دي… اتعودت تدي حب. إنما عمرها ما صدقت إن حد ممكن يحبها هي.
في الأيام اللي بعدها… المستشفى كلها كانت بتيجي تزورها.
سارة جابتلها ورد. الممرضات عملوا نوبات مخصوص علشان محدش يسيبها لوحدها. حتى عمال الأمن كانوا يدخلوا يسلموا عليها.
وفي يوم… دخلت بنت صغيرة أوضة نجوى وهي ماسكة رسمة.
كانت مريم… الطفلة اللي أدهم أنقذها.
قالت بخجل: — دي ليكي.
نجوى أخدت الرسمة بإيد مرتعشة.
كانت رسمة لملاك لابس زي ممرضة.
وفوقها مكتوب: “تيتا نجوى بتحارب الوحوش.”
نجوى ضحكت وهي بتعيط في نفس اللحظة.
حضنت البنت وقالت: — دي أحلى من أي وسام خدته في حياتي.
أدهم كان واقف عند الباب بيتفرج.
وحس فجأة إنه فاهم حاجة مهمة جدًا.
البطولة مش في الأوسمة. ولا الرتب. ولا الشهرة.
البطولة الحقيقية… إنك تسيب أثر حلو في قلب حد.
وفي ليلة متأخرة… كان نايم على الكرسي جنب أوضتها بعد مناوبة طويلة.
وفجأة صحى على صوتها.
— أدهم.
فتح عينه بسرعة: — في حاجة وجعاكي؟
هزت راسها بالنفي.
كانت بصاله بهدوء غريب.
— ممكن أطلب منك طلب؟
— أي حاجة.
سكتت ثواني. ثم قالت: — لما أموت… ماتخلّيش الناس تفتكرني بطلة.
اتصدم: — ليه بتقولي كده؟
ابتسمت بحزن: — لأن الأبطال بيتحطوا في الصور بس… وأنا كنت عايزة أبقى إنسانة.
الدموع حرقت عينه.
قال بعصبية: — حضرتك مش هتموتي.
ضحكت بخفة: — يا ابني أنا ست عندها واحد وخمسين سنة مش مصاصة دماء.
لكن الضحكة انتهت بسرعة بتعب واضح.
ثم همست: — أوعى تخلي القسوة تاكلك تاني.
أدهم حس الجملة دخلت قلبه مباشرة.
كأنها وصية.
وفجأة الأجهزة بدأت تصفر بشكل غريب.
أدهم قام مرعوب: — نجوى؟
إيقاع القلب بدأ يضطرب بعنف.
الممرضات جريت.
والدنيا اتقلبت خلال ثواني.
أدهم بدأ الإنعاش بنفسه. بجنون. برعب. وكأنه بيحارب الدنيا كلها.
— شحنة!
جسمها انتفض.
— تاني!
العرق كان نازل من جبينه. وصوته بيتكسر.
يوسف وصل وهو بيعرج بسرعة. وقف عند الباب مذهول.
سارة بدأت تعيط.
لكن أدهم ماوقفش.
لأول مرة… ماكانش بيعالج مريض.
كان بينقذ حد بيحبه.
بعد دقائق طويلة كأنها عمر كامل…
بيب…
النبض رجع.
أدهم حرفيًا ركع مكانه من التعب.
نجوى فتحت عينها بالعافية. وبصتله.
شاف دموعه لأول مرة.
ابتسمت ابتسامة مرهقة جدًا. وقالت: — شكلك وحش وإنت بتعيط يا دكتور.
ضحك وسط دموعه بدون ما يحس.
وفي اللحظة دي… عرف إنه مستحيل يخسرها بسهولة.
الأيام عدت ببطء.
ونجوى بدأت تتحسن فعلًا. لكنها ماقدرتش ترجع تشتغل بنفس القوة.
فأدهم عمل حاجة جديدة.
حوّل أوضة قديمة مهجورة في المستشفى لمكان تدريب صغير. وحط على الباب لافتة مكتوب عليها:
“قاعة نجوى سالم للرحمة الطبية.”
لما شافت الاسم… سكتت وقت طويل.
ثم بصتله وقالت: — إنت عنيد بشكل مستفز.
ابتسم: — اتعلمته منك.
المكان بقى كل يوم مليان تدريب للممرضات والدكاترة الجدد. لكن الغريب… إن أول درس ماكانش طبي.
كان عن الرحمة.
أدهم بنفسه كان يقف يقول: — المريض مش رقم سرير… المريض إنسان مرعوب جاي يدور على أمان.
وكل مرة يقول الجملة… يبص على نجوى.
أما هي… فكانت تبتسم بهدوء.
وفي يوم افتتاح القاعة رسميًا… حضر ناس كتير من الجيش.
ضباط كبار. قيادات. جنود قدامى.
لكن أكتر لحظة خلت الكل يعيط… لما دخل جندي شاب شايل صورة قديمة.
وقال بصوت مهزوز: — والدي مات من خمس سنين… لكنه قبل ما يموت وصاني لو قابلت العميد نجوى… أقولها شكرًا لأنها شالته على ضهرها تحت الضرب وأنقذت حياته.
نجوى ماقدرتش ترد.
دموعها نزلت بصمت.
أما أدهم… فبص حواليه على الناس الواقفة باحترام ليها.
وافتكر أول ليلة.
لما كانوا بيضحكوا عليها.
وحس برعب حقيقي من فكرة… إن الإنسان ممكن يكسّر روح عظيمة لمجرد إنه مايعرفش قصتها.
يتبع