حقيقة مؤلمة حكـايـات أسمـا ×3
الشتا دخل القاهرة بدري السنة دي.
الهوا كان ساقع بطريقة تخلي العضم يوجع، والناس ماشية مستعجلة في الشوارع كأن كل واحد بيهرب من حاجة محدش شايفها غيره.
وسلوى كانت واقفة قدام المراية في أوضتها، بتلبس حلق فضة صغير، وعينيها واقفين على انعكاسها باستغراب خفيف.
بقالها سنين ماوقفتش تبص لنفسها فعلًا.
كانت دايمًا تبص بسرعة… علشان تلحق الشغل، أو المواصلات، أو طلبات كريم.
لكن النهارده…
كانت شايفة ست تانية.
شعرها اللي دخله الشيب أكتر مما كانت متخيلة.
الخطوط الرفيعة حوالين عينيها.
والهدوء الجديد اللي بقى في ملامحها.
هدوء الست اللي بطلت تجري علشان ترضي حد.
رن موبايلها.
عادل.
ردت وهي تبتسم من غير ما تاخد بالها: — أيوه؟
— تحت البيت أهو… وخدي بالك الجو برد.
ضحكت بخفة: — حاضر يا أستاذ.
— أستاذ إيه بس؟ هتحسسيني إني عندي تمانين سنة.
قفلت وهي مبتسمة.
ولما نزلت، لقت عادل واقف جنب عربيته القديمة، ماسك وردة واحدة بس.
مش بوكيه ضخم.
مش استعراض.
وردة حمرا بسيطة.
ناولها لها وقال: — حسيت إنها شبهك.
ضحكت بإحراج خفيف وهي تاخدها.
ونسيت للحظة إنها ست قربت على الستين.
ونسيت إنها قضت عمر كامل شايفة نفسها “أم وبس.”
في نفس الوقت تقريبًا…
كان كريم قاعد في شغله الجديد، مركز في اللاب قدامه، لما زميله حسام قال فجأة: — إيه يا عم؟ سرحت في إيه؟
تنهد كريم وبص للشاشة من غير تركيز. — مافيش.
لكن الحقيقة إن دماغه كانت عند أمه.
من ساعة ما عادل دخل حياتها… وهو حاسس بحاجة غريبة.
مش رفض.
ولا حتى غضب.
خوف.
الخوف إنه يبقى متأخر.
لأن لأول مرة يشوف أمه سعيدة بعيد عنه.
وأول مرة يستوعب قد إيه كان واخد وجودها كأنه حق طبيعي.
رجع البيت بالليل مرهق، ولقى رسالة من سلوى:
“هتأخر النهارده شوية، اتعشّى.”
زمان كانت الرسالة دي عادية.
دلوقتي… حس بوخزة غريبة.
الشقة كانت هادية زيادة عن اللزوم.
مابقاش فيه حد مستنيه.
ولا حد بيسأله أكل ولا لأ.
ولا صوت التلفزيون العالي اللي كانت أمه تسيبه شغال علشان البيت مايحسهاش بالوحدة.
قعد على الكنبة، وفجأة افتكر ليلة قديمة.
كان عنده تقريبًا ١٤ سنة.
رجع البيت متضايق بعد ما ولد في المدرسة قاله: “إنت متبنّي يعني أمك مش أمك بجد.”
وقتها دخل البيت مكسور.
فاكر إن سلوى كانت بتعمل بطاطس محمرة، وأول ما شافته عرفت إن فيه حاجة غلط.
فضلت تسأله لحد ما انفجر وقال بعصبية: — إنتِ مش أمي أصلًا!
الصمت وقتها كان مرعب.
فاكر إنها سكتت ثواني طويلة… وبعدها قربت منه وقالت بهدوء: — الأم مش بالدم يا كريم… الأم بالشخص اللي يختارك كل يوم حتى وهو تعبان.
وقتها حضنته.
وهو صدقها.
إزاي بعد كل ده قدر يوقفها برا فرحه؟
السؤال بقى يطارده كل ليلة.
باب الشقة اتفتح.
سلوى دخلت وهي بتضحك على حاجة قالها عادل قبل ما يمشي.
ولما شافت كريم قاعد ساكت، ابتسامتها هديت شوية. — إنت جيت إمتى؟
— من ساعة.
بص للوردة اللي في إيدها.
ثم قال بهدوء: — مبسوطة؟
بصتله لحظة… وبعدها قالت بصراحة: — آه.
الكلمة كانت بسيطة.
لكنها وجعته بطريقة غريبة.
لأن أمه زمان كانت دايمًا مرهقة.
دايمًا شايلة هم.
دايمًا حاطة نفسها آخر واحد.
دلوقتي… بقت خفيفة.
وحرة.
قال فجأة: — خايف.
تفاجأت.
كريم عمره ما كان بيعترف بخوفه.
قعدت قدامه بهدوء. — من إيه؟
بلع ريقه وقال بصوت واطي: — تسيبيني.
قلبها وجعها فورًا.
وفجأة… شافت الطفل الصغير اللي كان متعلق في هدومها أول يوم شافته في الدار.
قال بسرعة كأنه بيبرر: — عارف إن ده أناني… بس حاسس إنك بقيتي بعيدة.
سلوى تنهدت بهدوء.
وقالت: — يا كريم… أنا عمري ما هسيبك. بس فيه فرق بين إني أحبك… وإني أعيش علشانك بس.
سكت.
وعينيه بدأت تلمع.
كملت بهدوء: — إنت كنت مركز طول عمرك في خوفك إن الناس تسيبك… لدرجة إنك ماخدتش بالك إنك إنت اللي كنت بتبعد الناس عنك.
الجملة دخلت جواه ببطء.
لأنها حقيقية.
هو فعلًا كان بيختبر حب الناس طول الوقت.
يطلب أكتر.
يضغط أكتر.
يتأكد إنهم لسه موجودين.
ولما يطمن… يبدأ ياخدهم كأمر مضمون.
قال بصوت مكسور: — أنا تعبتك أوي صح؟
ضحكت بحزن: — يا ابني… أنا أم. التعب معاك كان بيهون عليا… اللي كسرني إنك حسستني إني عار عليك.
نزلت دموعه فورًا.
لأنها أول مرة تقولها صريحة كده.
من غير تجميل.
ومن غير ما تحاول تحمي مشاعره.
وفي اليوم اللي بعده…
كان كريم رايح الشغل، لما موبايله رن برقم غريب.
رد بتردد: — ألو؟
صوت ست كبيرة جه متردد: — أستاذ كريم؟
— أيوه.
— أنا مدام فاطمة… مديرة دار الرعاية اللي حضرتك كنت فيها زمان.
وقف مكانه فجأة.
قال باستغراب: — خير؟
— الحقيقة… فيه ولد صغير هنا بقاله أسبوع رافض ياكل غير لما يشوفك.
سكت.
— يشوفني أنا؟
ضحكت بخفة: — أصل حضرتك جيت مرة واتبرعت وقعدت لعبت مع الأطفال… وهو اتعلّق بيك.
حاجة سخنة غريبة اتحركت جواه.
راح الدار بعد الشغل.
أول ما دخل، ريحة المكان ضربته بذكريات دفنها سنين.
ريحة المطهرات.
الحيطان القديمة.
الأصوات العالية.
والوحدة.
والولد الصغير أول ما شافه جري عليه واتعلق في رجله. — إنت جيت!
كريم نزل لمستواه تلقائيًا.
الطفل كان عنده يمكن خمس سنين، نحيف، وعينه مليانة خوف مألوف جدًا.
سأله بهدوء: — اسمك إيه؟
— يوسف.
— وزعلان ليه؟
همس الولد: — علشان الناس كلها بتمشي.
الجملة شلت النفس من صدره.
نفس الخوف.
نفس الرعب القديم.
قعد معاه ساعات اليوم ده.
لعبوا.
ضحكوا.
وأول مرة من سنين… كريم حس إنه بيعمل حاجة ليها معنى حقيقي.
وفي آخر اليوم، قبل ما يمشي، يوسف مسك إيده وسأله بصوت صغير: — هترجع تاني؟
السؤال خبطه في قلبه مباشرة.
لأنه سأل سلوى نفس السؤال زمان.
ولأول مرة…
فهم قد إيه الوعد ده مهم.
انحنى وبص للولد وقال بصدق: — هرجع.
ولما رجع البيت، لقى سلوى قاعدة بتقرأ.
رفع عينيه ليها وقال فجأة: — أنا فاكر دلوقتي.
قلقت: — فاكر إيه؟
قعد قدامها، وصوته كان مهزوز. — فاكر أول يوم خدّتيني من الدار.
اتجمدت ملامحها.
قال وهو بيحاول يبلع الغصة: — كنتِ لابسة بلوفر أخضر… وشعرك كان مربوط… وكنتِ متوترة.
دموعها لمعت فورًا.
كمل: — وأنا سألتك… هتسيبيني؟
سلوى غطت بقها بإيدها.
وكريم قال بصوت مكسور: — وإنتِ وعدتيني إنك عمرك ما هتمشي.
بكت وقتها فعلًا.
وهو كمل بعذاب: — وأنا اللي سيبتك واقفة لوحدك قدام باب الفرح.
سلوى قامت ببطء… وقربت منه.
ولأول مرة من شهور طويلة…
حضنته.
مش علشان تنقذه.
ولا علشان تمسح غلطه.
لكن علشان الاتنين كانوا موجوعين.
وهو دفن وشه في كتفها وعيط زي الطفل اللي كان خايف يتساب.
وقال وسط شهقاته: — أنا آسف… آسف أوي.
مسحت على شعره بهدوء.
وقالت بصوت دافي: — عارف يا كريم… أكتر حاجة كانت بتموتني مش اللي عملته يوم الفرح.
رفع عينه ليها ببطء.
قالت والدموع في عينيها: — أكتر حاجة وجعتني إنك كنت محتاج تثبت للناس إنك أحسن مني… بدل ما تفتخر إني ربيتك.
الكلمة دخلت جواه كسكين.
لأنه لأول مرة يستوعب الحقيقة الكاملة.
هو ماكنش بيكره أصلُه.
هو كان بيكره إحساسه القديم بالفقر والخوف والرفض.
وكان بيهرب منه بأنه ينكرها هي.
وفي الأيام اللي بعدها…
بدأ يروح الدار باستمرار.
يوسف بقى أول واحد يجري عليه.
وبقى الأطفال كلهم مستنيين يوم “كريم”.
وسلوى كانت تراقبه من بعيد أحيانًا.
تشوفه وهو بيضحك مع طفل صغير.
أو يصلح لعبة مكسورة.
أو يسمع حكاية طفل خايف.
وكان قلبها يوجع… ويفرح في نفس الوقت.
لأن ابنها أخيرًا بدأ يداوي الطفل اللي جواه بدل ما يدفنه.
وفي ليلة هادية…
كانت قاعدة مع عادل على النيل.
الهوا بيلعب في شعرها، والأضواء منعكسة على الميه.
عادل بص لها وقال فجأة: — هو إنتِ عارفة إنك قوية بشكل يخوّف؟
ضحكت بخفة: — دي مجاملة ولا شتيمة؟
ابتسم. — حقيقة.
بصت قدامها وسكتت.
وبعد لحظة قالت بهدوء: — أنا طول عمري كنت فاكرة إن قوتي في إني أستحمل.
— وطلعِت في إيه؟
ابتسمت لأول مرة بثقة حقيقية.
— في إني أعرف أمتى أبطل أستحمل.
يتبع
