ضرتي هانم حكايات اسما ×2
بعد أسبوع واحد من الحفل، اسم ياسمين بقى في كل مكان.
البرامج تتكلم عنها. الصحف تنشر قصتها. والسوشيال ميديا مليانة مقاطع من لحظة ظهورها على المسرح.
الناس كانت مبهورة بفكرة إن “رحاب المنسي” طلعت ست مصرية بسيطة كانت عايشة وسطهم طول السنين دي من غير استعراض ولا شو إعلامي.
لكن أكتر فيديو انتشر… كان وش كريم.
الكاميرات التقطت صدمته كاملة وهو واقف تحت المسرح، عينيه متعلقة بياسمين كأنه شايفها لأول مرة في حياته.
والإنترنت ما رحمهوش.
“الرجل اللي طلق مراته لأنها بترسم.” “خسر مليونيرة وهو فاكرها عالة.” “أغبى راجل في مصر.”
العناوين كانت في كل مكان.
أما نادين… فاختفت تمامًا من السوشيال ميديا لأول مرة من سنين.
لا صور قهوة. لا ستوريهات. لا استعراض.
لأن التعليقات كانت جارحة بشكل ما استحملتوش.
الناس اكتشفت إنها صاحبة ياسمين القديمة، وإنها اتجوزت طليقها بعدها بأيام.
وبدأت الهجمات: “دي كانت غيرانة منها طول الوقت.” “سرقت جوزها وفاكرة نفسها كسبت.” “في الآخر طلعت ياسمين أنجح منهم كلهم.”
نادين كانت بتقرأ التعليقات وهي قاعدة في الصالون بإيديها المرتعشة.
كريم دخل البيت متأخر، مرهق ومتضايق.
أول ما شافته انفجرت فيه: — شفت اللي حصل؟! الناس كلها بتهاجمني بسبب مراتك المجنونة!
كريم رد بعصبية: — مراتي السابقة مالهاش دعوة. إنتِ اللي كنتِ منزلة صور واستفزاز طول الوقت.
نادين بصتله بصدمة. — بتدافع عنها؟
سكت.
وده كان أسوأ رد ممكن تسمعه.
لأنها لأول مرة تحس إن المقارنة بينها وبين ياسمين انتهت بخسارتها هي.
ومن يوم الحفل، البيت بينهم بدأ يتحول لجحيم.
كل حاجة صغيرة تبقى خناقة.
نادين متوترة طول الوقت. وكريم شارد.
كل ما يفتح الإنترنت يشوف صورة ياسمين.
مرة مع أطفال في معرض كتاب. مرة وهي بتوقع عقود. مرة مع رجال أعمال ومنتجين.
ومرة…
مع آسر الجمال.
الصورة اللي كسرت أعصابه فعلًا كانت لياسمين وآسر واقفين جنب بعض في افتتاح شركة الإنتاج الجديدة.
آسر كان باصصلها بإعجاب واضح.
والتعليقات كلها: “ثنائي رهيب.” “واضح إنه واقع فيها.” “دي نقلة مختلفة تمامًا.”
كريم قفل الموبايل بعنف.
حس لأول مرة بحاجة عمره ما حسها وهو معاها: الخوف.
الخوف إنها فعلًا تكمل حياتها وتنساه.
في نفس الوقت، كانت ياسمين عايشة حياة جديدة بالكامل.
شقتها بقت مليانة حياة.
رسومات جديدة. عقود. اجتماعات. ألعاب ليلى الصغيرة اللي بدأت تزورها كل سبت تقريبًا.
الطفلة تعلقت بيها بشكل كبير.
وفي كل مرة كانت تيجي، كانت ترسم معاها وتحكيلها قصص جديدة.
وفي مرة، ليلى سألتها فجأة: — هو بابا كان بيزعلك؟
السؤال فاجأ ياسمين.
ابتسمت بحذر وقالت: — ليه بتسألي؟
ليلى ضمت اللعبة لصدرها وقالت بصوت صغير: — علشان بعد ما مشيتي… بابا بقى دايمًا متعصب. ونادين بتزعق كتير.
قلب ياسمين وجعها على الطفلة.
مهما حصل، ليلى كانت أكتر شخص بريء وسط كل الفوضى دي.
مسحت على شعرها وقالت بهدوء: — أوقات الكبار بيغلطوا يا حبيبتي… بس ده مش ذنبك.
ليلى بصتلها بحب واضح وقالت: — أنا بحبك أكتر من نادين.
الجملة كسرت قلبها وضحكتها في نفس الوقت.
في الليلة دي، بعد ما ليلى مشيت، آسر اتصل بياسمين.
صوته الهادئ دخل قلبها براحة غريبة: — عندي مفاجأة ليكِ.
— مفاجأة إيه؟
— بصي تحت البيت.
استغربت، وقربت من الشباك.
اتفاجئت بعربية فود ترك صغيرة واقفة تحت العمارة، عليها رسومات شخصيات قصصها.
نزلت بسرعة وهي بتضحك لأول مرة بعفوية حقيقية.
آسر كان واقف مستنيها.
قال بابتسامة: — بما إنك طول الوقت بتنسي تاكلي بسبب الشغل… جبتلك مطعم كامل لحد عندك.
ضحكت بقوة: — إنت مجنون.
— معترف.
قضوا الليلة ياكلوا ساندوتشات برجر ويضحكوا في الشارع زي مراهقين.
ولأول مرة من سنين… ياسمين حست إنها مش مضطرة تمثل إنها قوية طول الوقت.
آسر كان مختلف.
ما حاولش يقللها علشان يحس إنه أقوى. ما خافش من نجاحها. بالعكس… كان فخور بيه.
وده كان شيء جديد عليها تمامًا.
بعد أسبوعين، تمت دعوتها لبرنامج تلفزيوني ضخم.
المذيعة سألتها السؤال اللي الناس كلها مستنياه: — صحيح إن طليقك سابك لأنه كان شايف شغلك مجرد هواية؟
الاستوديو كله سكت.
ياسمين ابتسمت بهدوء وقالت: — في ناس بتقيس قيمة الإنسان بالصوت العالي أو الوظيفة التقليدية… لكن الإبداع شغل حقيقي برضه. يمكن أصعب من أي شغل تاني.
المذيعة سألتها بحماس: — ندم؟
سكتت ياسمين لحظة ثم قالت: — الندم الحقيقي مش عندي أنا.
الحلقة انفجرت ترند.
أما كريم… فكان بيتفرج عليها لوحده في أوضة مظلمة.
كل كلمة كانت بتخبط فيه كأنها فضيحة شخصية.
وفجأة فهم إنه عمره ما شاف ياسمين فعلًا.
هو شاف النسخة اللي مريحاه بس. النسخة الهادية اللي بتطبخ وتسكت وتدعمه.
لكن عمره ما حاول يعرف العالم الحقيقي اللي جواها.
في اليوم التالي، حصلت المصيبة اللي قلبت الدنيا أكتر.
نادين اكتشفت إن ليلى كانت تعرف سر ياسمين من شهور.
سمعتها بالصدفة وهي تحكي لصاحبتها في المدرسة إن “طنط ياسمين هي رحاب المنسي.”
رجعت البيت وهي مولعة.
وأول ما كريم دخل بدأت تصرخ: — بنتك كانت عارفة! وهي أكيد كانت بتروح هناك علشان تشوفها وتقارن بينا!
كريم فقد أعصابه لأول مرة: — كفاية بقى يا نادين! إنتِ حولتي البيت لساحة حرب!
نادين قربت منه بعينين مليانين دموع وغضب: — علشان إنت لسه بتحبها!
الصمت اللي حصل بعدها… كان الإجابة.
نادين حست كأن الأرض سحبت من تحتها.
ولأول مرة، الخوف الحقيقي دخل قلبها.
لأنها أدركت إن الرجل اللي سرقته… عمره ما نسي صاحبة البيت الأصلية.
في نفس الليلة، ياسمين كانت قاعدة مع آسر في مكتبه الزجاجي المطل على النيل.
كان بيعرض عليها تصميمات المشروع العالمي الجديد.
لكن فجأة وقف الكلام وسألها بهدوء: — عمرك فكرتي تدّي نفسك فرصة تحبي من جديد؟
قلبها دق بعنف.
بصت بعيد ناحية النور المنعكس على الميه.
وقالت بصوت هادي: — بعد اللي حصلي… بقيت أخاف أثق.
آسر قرب منها ببطء وقال: — وأنا مستعد أستنى لحد ما الخوف ده يختفي.
الكلمات دخلت قلبها بشكل مرعب.
لأن لأول مرة… حد بيطلب وجودها من غير ما يحاول يغيرها.
وفي اللحظة دي بالتحديد… موبايلها رن.
رقم كريم.
بصت للشاشة طويلًا.
ثم رفضت المكالمة.
لكن بعد ثواني… وصلتها رسالة خلت الدم يتجمد في عروقها:
“نادين عرفت كل حاجة… وليلى اختفت.”
يتبع
