بهد وفاة زوجي أسمـا السيـد 2

بعد الحضن الصغير اللي أخدته من سلمى عند قبر خالد، حسّيت إن في حاجة جوايا اتغيرت للأبد. كأن الحزن اللي كان خانقني من يوم وفاته بدأ يتحرك من مكانه، مش يختفي… لكن يتغير. بقيت كل ما أبص لاسمه المحفور على الرخام، ما أشوفش بس جوزي اللي مات في حادث، لكن أشوف الراجل اللي خاطر بنفسه علشان ست وطفلة مايعرفوش يحموا نفسهم. لأول مرة من شهور، خرجت من المقابر وأنا مش منهارة بالكامل. الوجع كان موجود، لكنه بقى ممزوج بحاجة شبه الفخر.
في الأيام اللي بعد كده، سلمى وهناء بقوا جزء ثابت من حياتي بطريقة ماكنتش متوقعاها. في البداية كنت بحاول أقنع نفسي إن علاقتنا مجرد واجب… إن خالد ساعدهم، وخلاص. لكن الحقيقة كانت أعمق من كده. البنت الصغيرة دي كانت شايلة جزء من آخر أيامه… جزء أنا نفسي ماعرفتوش. وكل مرة كانت تحكي موقف جديد، كنت أحس إني بقرب منه أكتر رغم إنه راح.
في يوم، كانوا عندي في البيت. البيت اللي بقى واسع بشكل مؤلم بعد غيابه. سلمى كانت قاعدة على الأرض بترسم، وهناء في المطبخ بتحاول تساعدني رغم إني رفضت أكتر من مرة. وأنا واقفة أراقبهم، حسّيت فجأة إن البيت فيه روح تاني. مش نفس الروح القديمة، لكن دفا خفيف افتقدته من زمان.
سلمى رفعت الرسمة ناحيتي وقالت بحماس: ـ شوفي… ده خالد.
خدت الورقة بإيدي المرتعشة. كانت رسمة بسيطة جدًا لطفلة، راجل طويل مبتسم واقف جنبها وماسك إيديها، وفوقهم شمس كبيرة.
سألتها بصوت مخنوق: ـ رسمتيه من ذاكرتك؟
هزت راسها بحماس. ـ كان دايمًا يضحك لما يشوفني بخاف.
ابتسمت رغم دموعي. ـ كنتِ بتحبيه أوي؟
ردت بسرعة طفولية بريئة: ـ أوي. كنت بحسه سوبرمان.
ضحكت ضحكة صغيرة طالعة من قلب موجوع. خالد… سوبرمان. يمكن فعلًا كان كده بالنسبة لها.
لكن وأنا ببص للرسمة، حاجة شدت انتباهي. خالد في الرسمة كان لابس الجاكيت البني بتاعه. نفس الجاكيت اللي مات بيه يوم الحادث.
سألتها: ـ إنتِ فاكرة آخر مرة شوفتيه فيها؟
ملامحها هديت فجأة. ـ آه.
هناء بصتلها بسرعة وكأنها خايفة تكمل، لكن سلمى قالت: ـ جه عندنا البيت بالليل.
قلبي اتقبض. ـ قبل ما يموت؟
ـ أيوه. كان متعور.
الدم جرى بارد في عروقي. ـ متعور إزاي؟
سلمى بصت لأمها، وهناء اتنهدت باستسلام. ـ أنا ماكنتش عايزة أقولك علشان ماتتعبيش أكتر.
قربت منها بسرعة. ـ قوليلي.
هناء بلعت ريقها. ـ قبل الحادث بيوم، خالد جه عندنا فعلًا. كان في خناقة حصلت بينه وبين طليقي.
حسّيت قلبي هيقف. ـ خناقة؟
ـ خالد جه يطمن علينا بعد ما عرف إنه خرج من السجن… ولما نزل من عندنا، لقى طليقي مستنيه تحت العمارة.
إيديا بدأت ترتعش. ـ وبعدين؟
هناء نزلت عينها. ـ ضربوا بعض.
اتخيلت خالد الهادئ اللي عمره ما رفع صوته عليا، وهو بيتخانق في الشارع علشان يحمي حد.
قالت: ـ خالد كسب الخناقة… لكن قبل ما يمشي، طليقي قاله: “هتندم إنك دخلت بيني وبين مراتي.”
نفس الجملة فضلت ترن في وداني طول الليل.
في اللحظة دي، لأول مرة، فكرة واحدة بدأت تكبر جوايا بشكل مخيف: خالد ما ماتش صدفة.
ورغم إن جزء مني كان خايف يعرف الحقيقة، جزء تاني كان محتاجها أكتر من أي حاجة.
في الأسبوع اللي بعده، رحت قسم الشرطة. الضابط اللي استقبلني كان واضح عليه الملل أول ما سمع اسم خالد وق/ضية الحادث القديمة.
قال ببرود: ـ يا مدام، الق*ضية اتقفلت من شهور. حادث طريق عادي.
لكن لما قلتله إن عندي تسجيل وإن في تهديدات سابقة، ملامحه اتغيرت شوية.
طلب يسمع التسجيل. وبعد ما خلص، سكت للحظات وقال: ـ هنعيد مراجعة الملف.
خرجت من القسم وأنا أول مرة أحس إن الحزن بيتحول لغضب حقيقي.
مش بس علشان خالد مات… علشان يمكن اتق*تل.
في نفس الليلة، كنت قاعدة في أوضته مرة تانية. بقيت أدخلها كتير مؤخرًا. كأني بدوّر على بقاياه في أي حاجة. فتحت دولابه، ولمست هدومه، وحتى البرفان بتاعه رشّيته على إيدي لمجرد إني أحس إنه قريب.
وأنا بقفل الدرج، لقيت ظرف أبيض مستخبي تحت مجموعة أوراق.
كان عليه بخط خالد: “لسارة… لو حصلّي حاجة.”
اتجمدت.
سارة… أنا.
فتحته بإيدين بترتعش.
وكان جواه جواب.
“سارة… لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا غالبًا ماعرفتش أقولك الحقيقة بنفسي. أول حاجة لازم تعرفيها إني بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا. وإني آسف. آسف إني خبيت عنك حاجات كتير بحجة إني بحميكي. آسف إني شيلت هموم أكبر مني وسكت. بس كان عندي خوف واحد… إنك أو إن سلمى يحصل لكم حاجة بسببي. في ناس مش كويسة دخلت حياتنا غصب، وأنا حاولت أطلع منها… بس الموضوع كان أكبر مما توقعت. لو جرالي حاجة، ماتسيبيش سلمى وهناء لوحدهم. ومتكرهيش نفسك علشاني. إنتِ أجمل حاجة حصلتلي.”
الجواب وقع من إيدي وأنا بعيط بانهيار.
قريته عشر مرات بعدها.
كل مرة كنت أكتشف وجع جديد بين السطور.
خالد كان خايف.
وخالد كان بيودّعني.
ويمكن… كان عارف إنه مش راجع.
تاني يوم الصبح، الشرطة كلمتني. طلبوا أقابلهم فورًا. رحت وأنا قلبي بيخبط بعنف.
الضابط بصلي بجدية وقال: ـ في شاهد جديد ظهر.
ـ مين؟
ـ صاحب ورشة على الطريق الدائري. قال إنه شاف عربية نقل بتطارد عربية جوزك قبل الحادث.
أنفاسي اتقطعت. ـ يعني… كان متعمد؟
ـ لسه مانقدرش نجزم، لكن في احتمالية جنائية.
خرجت من القسم وأنا رجليا مش شايلاني.
الحقيقة اللي كنت بخاف منها بدأت تبقى حقيقية فعلًا.
لكن الصدمة الأكبر جات بعدها بيومين.
كنت راجعة البيت بالليل، لقيت باب شقتي مفتوح سنة صغيرة.
اتجمدت.
أنا متأكدة إني قفلته.
دخلت بحذر، وقلبي بيدق بجنون.
البيت كان ساكت… ساكت بشكل مرعب.
وفجأة لاحظت حاجة.
أوضة خالد.
الباب بتاعها كان مفتوح.
دخلت بسرعة… ولقيت كل الأدراج متفتحة، والورق مرمي على الأرض.
حد دخل هنا.
حد كان بيدوّر على حاجة.
وقتها فقط افتكرت الجواب.
جريت ناحية شنطتي أتأكد إنه معايا. كان موجود.
لكن السؤال اللي قت*لني: مين عارف إن خالد سايب حاجة؟
في نفس اللحظة، موبايلي رن برقم غريب.
رديت بخوف: ـ ألو؟
صوت راجل غريب قال بهدوء: ـ بطلي تدوري وارتاحي.
اتجمد الدم في عروقي. ـ مين؟
ـ جوزك مات وخلاص. ماتفتحيش أبواب تقفلك إنتِ كمان.
وقفلت المكالمة.
فضلت واقفة في نص البيت مرعوبة لأول مرة من يوم وفاة خالد.
الموضوع ما بقاش مجرد شكوك.
في حد فعلًا خايف من الحقيقة.
ومن اللحظة دي، حياتي اتقلبت بالكامل.
بقيت أخاف أنزل لوحدي. أخاف على سلمى وهناء. أراجع أي عربية ماشية ورانا.
لكن وسط الخوف، كان في حاجة أقوى بتكبر جوايا: إصرار.
خالد استحق أعرف الحقيقة.
وبعد أسبوع، الحقيقة جات بنفسها.
الشرطة قبضت على طليق هناء بعد ما واحد من أصحابه اعترف إنه كان مأجور يراقب خالد قبل الحادث.
وفي التحقيقات… انهار.
اعترف إن يوم الحادث، اتفق مع سواق نقل يخوف خالد بالعربية “بس”، علشان يبعد عنهم.
لكن السواق زوّد السرعة… وخالد فقد السيطرة.
لما سمعت الاعتراف، ما حسّيتش بالراحة.
لأن مفيش اعتراف في الدنيا هيرجّعلي جوزي.
في يوم الجلسة، شفت طليق هناء لأول مرة. راجل عينه كلها سواد وحقد. بصلي بابتسامة مستفزة وهو متكتف.
وقتها بس فهمت إزاي خالد كان واقف قدامه من غير خوف.
بعد الحكم، هناء انهارت في العياط وهي بتقول: ـ بسببي مات.
حضنتها بقوة وقلت: ـ لا… هو مات وهو بيعمل الصح.
ودي كانت الحقيقة الوحيدة اللي بقيت متمسكة بيها.
الشهور عدت بعدها ببطء.
الحزن ما اختفاش… لكنه بقى أهدى.
سلمى بقت تيجي عندي كل أسبوع تقريبًا. وأوقات كانت تنام عندي. وفي مرة وهي نايمة على الكنبة، صحيت بالليل لقيتها ماشية في البيت تدور على خالد.
سألتها بنعاس: ـ مالك يا حبيبتي؟
قالت وهي شبه نايمة: ـ كنت فاكرة إنه هنا.
قلبي اتقطع عليها.
حضنتها ورجعتها تنام، لكن بعدها فضلت أبكي بالساعات.
لأن الحقيقة إننا كلنا كنا بندور عليه.
أنا. وسلمى. وحتى هناء.
كل واحد فينا فقد النسخة اللي أنقذته.
وفي يوم جمعة بعد سنة كاملة من وفاته، رحت المقابر لوحدي.
وقفت قدام قبره طويل.
كنت لابسة الأسود كعادتي، لكن لأول مرة ما حسّيتش إني مدفونة معاه.
حطيت وردة بيضا وقلت بهدوء: ـ عارف؟ أنا بقيت بحكي عنك.
ابتسمت وسط دموعي. ـ سلمى بقت تحفظ قرآن… وهناء فتحت حضانة صغيرة… وأنا بقيت أقوى شوية.
الهواء حرّك الطرحة حواليا بخفة.
وكأن روحه موجودة.
قعدت جنب القبر وكملت: ـ زمان كنت زعلانة إنك خبيت عني حاجات. دلوقتي فهمت إن بعض الناس الطيبة بتحارب في صمت… مش علشان ما تثقش في اللي بتحبهم… لكن علشان ما يحملوهمش وجع زيادة.
دموعي نزلت بهدوء. ـ بس لو كنت هنا… كنت هزعقلك برضه.
ضحكت من بين دموعي لأول مرة من قلبي.
وفي اللحظة دي سمعت صوت خطوات صغيرة جاية من ورايا.
لفيت لقيت سلمى جارية ناحيتي بالمصحف الصغير اللي كبرت معاه.
حضنتني وقالت: ـ جيت بدري علشان ما تزعليش لوحدك.
حضنتها بقوة، وبصيت للقبر.
وفجأة حسّيت بحاجة غريبة جدًا…
إن خالد ما ماتش بالكامل.
في ناس بيسيبو أثر أكبر من عمرهم.
وخالد كان واحد منهم.
الراجل اللي افتكرته مجرد زوج هادي وبسيط… طلع بطل في حياة ناس كتير.
حتى بعد موته.
ولأول مرة من يوم الحادث… قدرت أقولها من قلبي وأنا باصة لاسمه:
ـ ربنا يرحمك يا خالد… أنا فعلًا كنت محظوظة إني حبيتك.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *