حلم مؤجل حكايات اسما السيد الفصل السادس
من اجل علاج اخي التوام تظاهرت بأنني شاب للحصول على وظيفة طاهٍ داخل قصر رجل يكره النساء لكن في تلك الليلة رأيت الكابوس الذي دمر حياته بالكامل
الجزء السادس
فتح الباب بعنف لدرجة أنني لم أملك وقتًا حتى لأبتعد.
ولأنني كنت مستندة عليه… فقدت توازني بالكامل.
شهقت وسقطت مباشرة داخل الغرفة…تناثرت الملابس فوق الأرضية اللامعة بينما كنت ممددة عند قدمي سليم بطريقة مذلة جدًا…ساد الصمت.
رفعت رأسي ببطء وأنا أشعر أن وجهي يحترق من الإحراج..كان سليم واقفًا فوقي مباشرة. الهاتف ما يزال بيده. وينظر إلي بصدمة وعدم تصديق.
تلعثمت بسرعة: أنا آسف يا فندم! كنت جايب الغسيل والباب اتفتح فجأة.
ضيق عينيه وقال: كنت واقف ورا الباب ليه؟
أجبت فورًا: مكنتش متنصت والله… كنت لسه هخبط بس.
لم يقتنع.
ومن الهاتف جاء صوت فيكتور: سليم؟ هو سمع حاجة؟
تجمد قلبي…أما سليم فأغلق المكالمة فورًا.
ثم عقد ذراعيه وقال بهدوء خطير: سمعت إيه؟
ابتلعت ريقي بصعوبة.
قلت بسرعة: ولا حاجة يا فندم.
ظل يحدق بي للحظات طويلة.
ثم انحنى والتقط أحد قمصانه من الأرض وقال: إنت كذاب سيء جدًا…شعرت بالتوتر يخنقني.
لكنه أكمل: بس بما إنك مصر… هتظاهر إني مصدقك.
بدأت أجمع الملابس بسرعة وأنا بالكاد أتنفس.
قال دون أن ينظر إلي: رتبهم واطلع..
خرجت من الغرفة بعدها وأنا أشعر أن قلبي سينفجر من التوتر…
في ذلك اليوم خرج سليم من القصر بملابس عادية.
وعندما عاد ليلًا بدا مختلفًا..
هادئ جدًا…هادئ بطريقة أخافتني أكثر من عصبيته.
وخلال العشاء بالكاد لمس الطعام. ثم صعد مباشرة إلى غرفته دون كلمة.وفي اليوم التالي ظهر فيكتور مجددًا.
دخل القصر كعادته بصوت مرتفع: باشا! عامل إيه مع أزمتك العاطفية؟جاء صوت سليم باردًا: وطي صوتك.
ضحك فيكتور ثم لمحني أحمل الصينية.
وأشار نحوي: آه… سبب المصيبة كلها.
كدت أختنق.أما سليم فشدد فكه بعصبية واضحة: فيكتور.
لكن الرجل تجاهله وقال: بص يا صاحبي… الحل بسيط جدًا…جلس بأريحية وأكمل: قرب من واحده ست.
ظهر الاشمئزاز فورًا على وجه سليم.
أما فيكتور فتابع وهو يضحك: آه والله. اخرج. اتعرف على بنت حلوة. عيش شوية رومانسية. يمكن دماغك تفهم إنك مش واقع في حب راجل..
شعرت أن الصينية ستسقط من يدي.
أما سليم فحدق فيه ببرود مخيف: إنت بتتكلم كتير.
ضحك فيكتور: انا بتكلم بحكمة…ولمصلحتك..حالتك بؤس يا باشا..تخيل الوسط المخملي لما يعرفوا أشهر عازب انجذب لايه..؟
نهض سليم فورًا: اطلع برا بيتي.
ومن يومها… كل شيء تغير..بدأ يتجنبني تمامًا.
لو دخلت غرفة يخرج منها.لو قدمت له الطعام بالكاد يرفع عينه نحوي…حتى تعليماته لم يعد يقولها بنفسه.
كان يرسل موسى بدلًا منه…”الباشا بيقولك الشوربة خليها فلفل قليل.” “الباشا عايز القهوة فوق.”في البداية شعرت بالراحة…هذا أفضل. أكثر أمانًا.
لكن مع مرور الأيام… صار القصر باردًا بطريقة مؤلمة.
هادئًا أكثر من اللازم…وكأن شيئًا اختفى منه.
وفي إحدى الليالي وضعت عشاؤه أمام باب مكتبه كما طلب…استدرت لأرحل…
لكن الباب انفتح فجأة…خرج سليم.وتوقفت أنفاسي للحظة.
لأول مرة منذ أيام… التقت أعيننا مباشرة.
كان هناك شيء غريب جدًا داخل نظرته. شيء يشبه الحنين… والوجع.
ثم قال بصوت منخفض: شكرًا…كلمتان فقط.
لكن نبرته كانت متوترة بشكل أربكني.
همست: تصبح على خير يا فندم.
وغادرت بسرعة قبل أن يلاحظ ارتباكي.
وفي غرفتي حاولت إقناع نفسي أن كل هذا لا يعني شيئًا.
أنا هنا من أجل عمر. من أجل العلاج. فقط.
لكن رغم ذلك… كنت أفكر فيه أكثر مما ينبغي.
وفي تلك الليلة بدأت السماء تمطر بعنف…الرعد كان يهز النوافذ…فاتصلت بأمي قبل النوم.
سألتها عن عمر. فقالت بصوت متعب: لسه زي ما هو يا بنتي…حاولت طمأنتها قليلًا. ثم أغلقت الهاتف.
وفي اللحظة التالية مباشرة…انطفأت الكهرباء.
غرق القصر كله في ظلام كامل.
توقفت المروحة. واختفى كل صوت.
ثم فجأة…مزقت صرخة مرعبة الطابق العلوي.
صرخة رجل مذعور.
“لا! ابعدوا عني! …قفز قلبي بعنف.
كان صوت سليم…ركضت فورًا خارج غرفتي وصعدت الدرج المظلم بأقصى سرعة.
سمعت صوت شيء يتحطم داخل غرفته. ثم صرخ مرة أخرى: ماتلمسنيش!
دفعت الباب بقوة ودخلت.
كانت الغرفة مظلمة إلا من ضوء البرق المتقطع.
ورأيته.
كان جالسًا على الأرض قرب السرير. يتنفس بعنف. وذراعاه فوق رأسه كأنه يحاول حماية نفسه من شيء لا يراه أحد غيره.
صرخت بخوف: يا فندم!
رد بعنف: ابعد عني!
لكن صوته… لم يكن صوت الرجل القاسي المعتاد.
كان صوت شخص محطم تمامًا.
اقتربت ببطء: أنا عمر… أنا بس هنا.
تجمد قليلًا.لكن جسده استمر في الارتجاف بعنف.
قلت بهدوء: دي بس الكهرباء قطعت. إنت بأمان.
همس بصوت مرتجف: لا… لا…
كان يتصبب عرقًا. وعيناه مليئتان بالرعب الحقيقي.
في تلك اللحظة بدا صغيرًا جدًا. وضعيفًا جدًا.
ليس الرجل الذي يخافه الجميع..بل شخصًا مكسورًا.
سألته بهدوء: أقدر أساعدك؟
ظل صامتًا للحظات.ثم أومأ ببطء شديد.
مددت يدي نحوه بحذر.
وفي اللحظة التي لمسته فيها…
أمسك ذراعي بقوة مفاجئة.
شهقت بخفة.
كان يتمسك بي كأنني الشيء الوحيد الذي يمنعه من السقوط.
ثم همس بصوت متشقق: أرجوك… متمشيش…ضاق صدري بقوة.
قلت بهدوء: مش همشي.
ساعدته حتى جلس فوق السرير.
لكن يده لم تترك يدي أبدًا…جلست بجانبه في الظلام أهدئ أنفاسه.
قلت بلطف: خد نفس ببطء…حاول أن يطيعني.
مرة… ثم مرة أخرى.
وبعد دقائق بدأت أنفاسه تهدأ تدريجيًا.
ثم عاد المولد الكهربائي للعمل فجأة.
امتلأت الغرفة بالضوء.
أغمض سليم عينيه للحظة… لكنه ظل متمسكًا بيدي.
ثم نظر إلي مباشرة لأول مرة بدون أي جدار بيننا.
كانت عيناه مليئتين بالتعب والألم.
ثم قال بصوت منخفض: نام هنا الليلة.
توقفت أنفاسي.
أكمل وهو يتمسك بيدي أكثر: أرجوك.
شعرت بقلبي يرتجف بعنف.
لأن الرجل الذي كان يخاف حتى من لمس النساء… كان الآن يتوسل إلي ألا أتركه وحده.
ثم فجأة…
بل رعبًا حقيقيًا من شيء حدث له في الماضي.
وقعت عيني على شيء قرب السرير.
زجاجة دواء مكسورة. وصورة قديمة ممزقة لامرأة تبكي.
وفوق ذراع سليم… رأيت آثار خدوش قديمة وعميقة.
كأن شخصًا حاول يومًا أن يمزقه بيديه.
وفي تلك اللحظة فقط… أدركت أن خوفه من النساء لم يكن كراهية.
بل رعبًا حقيقيًا من شيء حدث له في الماضي.
شيء حطمه بالكامل…
يتبع الفصل السابع تمصير أسمـا السيـد