ابني عزمني حكايات اسما السيد1
ابني عزمني علي رحله عائليه عالشاطيء لكن أول ما وصلنا الاوتيل مراته ادتني قايمه طويله وقالتلي بكل تناحه: امسكي يا حماتي اقري التعليمات اللي جبناكي علشانها..
في سن الـ68، عمري ما شفت البحر بعيني.
عشان كده لما ابني اتصل بيا وقال: “يا أمي، إحنا رايحين رحلة عائلية للغردقة… ولازم تكوني معانا.”
حسّيت إني هعيّط من الفرحة.
اشتريت قبعة شمس جديدة. ورتبت شنطة فيها أحسن صندل عندي. حتى ضوافري لونتهم وردي فاتح، عشان حفيدتي الصغيرة قالتلي: “ده لون يجنن للفسح يا تيتة.”
ولما وصلنا الفندق المطل على البحر، ريحة واقي الشمس والورود الفخمة كانت مالية المكان. ومن خلف الواجهة الزجاجية، كان البحر الأحمر بيلمع تحت الشمس كأنه لوحة.
للحظة… حسّيت إني فعلًا جزء من العيلة.
ابني، كريم، حضني وقال: “الرحلة دي هتبقى أحلى ذكرياتنا.”
وصدقته.
لكن قبل حتى ما نطلع أوضنا… مرات ابني، ريهام، مدتلي ورقة مطوية وقالت بهدوء:
“تعالي بس نراجع جدول الأيام.”
ابتسمت، وافتكرت إنها تقصد مواعيد العشا أو خروجات البحر.
لكن أول ما فتحت الورقة… ابتسامتي اختفت.
٧ الصبح — تنزلي الأطفال يفطروا. ٩ الصبح — تقعدي معاهم عند حمام السباحة. ١ الضهر — تنوّمي الصغير وتغسلي هدومهم. ٥ العصر — تحميم الأطفال وتحضير العشا. ٨ بالليل — تفضلي معاهم في الأوضة وإحنا خارجين.
رفعت عيني ببطء وبصيت لهم.
“إيه ده؟”
كريم تنهد بضيق كأني أنا اللي معقدة الموضوع وقال: “يا أمي… إحنا محتاجين نرتاح شوية. الأولاد بيسمعوا كلامك.”
بصيت له بعدم استيعاب.
“إنتوا جبتوني هنا عشان أبقى مربية ببلاش؟”
ريهام ضحكت ضحكة خفيفة وقالت: “متعمليش نفسك مستغربة… ما هو ده السبب اللي خلانا ناخدك معانا أصلًا.”
الكلام نزل على قلبي كأنه صفعة.
وفجأة، حفيدي الكبير، عمره عشر سنين، بص للأرض وهمس: “بابا قال إن تيتة مش جاية تصيف… تيتة جاية تشتغل.”
في اللحظة دي… كل اللي كنت سامعاه هو صوت الموج بره.
بعدين طويت الورقة بهدوء.
وقلت بابتسامة باردة: “عندكم حق… لازم كل واحد يعرف مقامه.”
خدت شنطتي، ودخلت أوضتي من غير كلمة زيادة.
وفي الليلة دي… بعد ما الكل نام…
عملت مكالمة غيّرت الرحلة كلها.
تاني يوم الصبح… كانوا بيخبطوا على باب أوضتي بعنف، وصوت كريم ومراته عالي في الممر:
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
في صباح اليوم التالي، كانت دقات الباب تهز أوضة الفندق بعنف، وصوت كريم عالي لأول مرة بالشكل ده:
“يا أمي افتحي الباب!”
ورا صوته كان صوت ريهام وهي بتقول بانفعال: “إنتِ عملتي إيه؟!”
فتحت عيني بهدوء، بصيت للساعة… كانت سبعة الصبح بالظبط. نفس المعاد اللي كانوا كاتبين فيه إني أنزل الأطفال يفطروا.
ابتسمت لنفسي بسخرية مريرة.
قمت من السرير براحة غير متوقعة، وفتحت الستارة شوية. البحر الأحمر كان هادي بشكل غريب، والموج بيتكسر على الرمل كأنه ولا فارق معاه حاجة من اللي بتحصل بين البشر.
الدق على الباب زاد.
“يا أمي بالله عليكِ افتحي!”
مشيت ناحية الباب ببطء، وفتحته بهدوء شديد.
كان كريم واقف وشه محمر وعينه مليانة توتر، وريهام جنبُه شعرها منكوش كأنها ما نمتش، والأطفال واقفين وراهم مرعوبين.
أول ما الباب اتفتح، ريهام دخلت تقريبًا وهي بتقول: “إنتِ إزاي تعملي كده؟!”
بصيتلها بهدوء: “عملت إيه؟”
قالت بعصبية: “الحجز بتاعنا اتلغى!”
كريم قاطعها بسرعة: “مش كله… بس أوضة الأطفال والأكتيفيتيز والرحلات البحرية! الفندق بيقول إن الدفع اترفض!”
رجعت قعدت على الكرسي بهدوء، ورفعت فنجان القهوة اللي كنت طالبة خدمة أوضة جايباهولي من شوية.
“آه… أصل البطاقة اللي اتحجز بيها الرحلة باسمي أنا.”
الصمت نزل عليهم فجأة.
كريم رمش بعدم استيعاب: “يعني إيه باسمك؟”
ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة: “يعني الرحلة دي أنا اللي دفعت تمنها يا كريم.”
وشه شحب بالكامل.
أما ريهام فاتكلمت بسرعة: “لا استني… إنتِ تقصدي إيه؟”
حطيت فنجان القهوة بهدوء، وقلت: “لما ابني كلمني وقالي إنه نفسه يحققلي حلم أشوف البحر قبل ما أموت… قلبي طار من الفرحة. لكن بعدها بيومين كلمني تاني وقال الظروف ضيقة وإن الأسعار غالية. وقالي لو أقدر أساهم يبقى جميل.”
كريم حاول يقاطعني: “يا أمي ماكنش قصدي—”
رفعت إيدي أوقفه.
“بعتلك تحويشة عمري يا كريم. الفلوس اللي كنت شايلها من معاش أبوك الله يرحمه. قلت لنفسي: يا سلام… ابني أخيرًا افتكرني.”
بصيت لريهام مباشرة.
“ماكنتش أعرف إنكم جايبيني مربية.”
ريهام اتحرجت للحظة، لكن بسرعة رجعت لبرودها: “طيب ما إحنا أهل… يعني هتساعدينا في الأطفال، فيها إيه؟”
ضحكت بس المرة دي الضحكة كانت جارحة.
“المساعدة حاجة… والاستغلال حاجة تانية.”
كريم قرب مني: “يا أمي خلاص حقك علينا، بس دلوقتي المشكلة أكبر. الفندق بيقول لازم نسدد النهارده وإلا هنمشي.”
قلت بهدوء: “وأنا مالي؟”
بصلي كأني غريب عنه لأول مرة.
“يعني هتسبينا كده؟”
سكت ثواني، وبعدين قلت: “زي ما سيبتوني إمبارح وأنا واقفة وسط اللوبي حاسة إني خدامة مش أم.”
الكلام خبط فيه جامد. شفت ده في عينه.
لكن اللي كسر قلبي أكتر… كان حفيدي الصغير، ياسين، وهو ماسك رجل أبوه وبيبصلي بخوف.
الأطفال مالهمش ذنب.
أبدًا.
عشان كده أخدت نفس طويل وقلت: “أنا مش هسيب الأطفال يتبهدلوا.”
وش ريهام ارتاح فورًا، لكني كملت: “بس من النهارده كل واحد هيتحمل مسؤوليته.”
بصتلي بعدم فهم.
قلت: “أنا حجزت لنفسي جناح تاني.”
شهقت: “يعني إيه؟!”
“يعني هقضي باقي الرحلة زي أي ضيفة محترمة. هفطر، وأنزل البحر، وأخرج، وأتصور، وأعيش اليوم اللي اتحرمت منه 68 سنة.”
كريم قال بتوتر: “والأولاد؟”
ابتسمت ببرود: “أنتو أهلهم.”
الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل جدًا.
ولأول مرة من سنين… شفت ابني مش عارف يرد.
خرجوا من الأوضة بعدها بدقائق، وريهام بتشد الأولاد بعصبية، وكريم ماشي وراها ساكت.
لكن قبل ما الباب يتقفل، حفيدتي الصغيرة، ليلى، بصتلي وقالت: “تيتة… هو إحنا زعلناك؟”
في اللحظة دي قلبي اتقطع.
نزلت لمستواها وابتسمتلها بحنان: “إنتوا حبايب قلبي… الكبار بس ساعات بيغلطوا.”
حضنتني بسرعة.
أما ريهام، فسحبتها بعنف وهي متضايقة.
والباب اتقفل.
أول ما بقيت لوحدي… الدموع نزلت مني أخيرًا.
مش عشان الفلوس.
ولا عشان الورقة.
لكن عشان الإحساس الوحش لما تكتشف إن أقرب الناس ليك بقوا يشوفوك مجرد وسيلة.
بعد ساعة، كنت قاعدة لوحدي على البحر.
لأول مرة في حياتي.
شايلة الصندل بإيدي، وسايبة رجلي تغوص في الرمل الدافي.
الموج لمس رجلي بهدوء، وفجأة حسيت إني طفلة صغيرة بتشوف الدنيا لأول مرة.
عيطت.
بهدوء.
من غير صوت.
افتكرت جوزي الله يرحمه، عبد الرحمن. الراجل اللي كان دايمًا يقولي: “لما كريم يكبر، هيشيلك فوق راسه.”
يا خسارة.
بعد شوية، سمعت صوت صغير ورايا: “تيتة؟”
لفيت لقيت عمر، حفيدي الكبير.
واقف لوحده.
قعد جنبي وسكت شوية، وبعدين قال: “ماما وبابا بيتخانقوا فوق.”
تنهدت.
“ليه نزلت لوحدك؟”
بص للرمل وقال: “عشان أنا زعلان.”
سألته بهدوء: “مني؟”
هز راسه بسرعة: “لا… منهم.”
بصلي بعينين مليانين حيرة أكبر من سنه: “هو إنتِ فعلًا كنتي جاية تشتغلي؟”
السؤال نزل على قلبي كسكينة.
لكن ابتسمت بالعافية: “لا يا حبيبي.”
قال: “بس بابا كان بيقول لماما إنهم أخيرًا هيعرفوا يفسحوا لوحدهم عشان إنتِ معانا.”
غمضت عيني للحظة.
ربنا يسامحك يا كريم.
عمر كمل بصوت مكسور: “أنا كنت فاكر إن الرحلات العائلية عشان العيلة تبقى مع بعض.”
حضنته فورًا.
وحسيت إنه هو الوحيد اللي لسه فاهم معنى العيلة فعلًا.
فضلنا قاعدين على البحر وقت طويل.
ولأول مرة من يوم ما وصلنا… حسيت بدفا حقيقي.
لكن فوق في الفندق، الأمور كانت بتولع.
لأن بعد الضهر بشوية، وأنا راجعة من البحر، شفت ريهام واقفة في الاستقبال بتزعق لموظف الفندق بالإنجليزي المكسر بتاعها، وكريم بيحاول يهديها.
أول ما شافتني، جريت عليا: “إنتِ مبسوطة دلوقتي؟!”
بصيتلها باستغراب: “في إيه تاني؟”
قالت بعصبية: “الرحلة البحرية اتلغت عشان الدفع ناقص! والأطفال قلبوا الفندق صريخ!”
قلت بهدوء: “مش دي مسؤوليتكم؟”
كريم شد نفس طويل وقال: “يا أمي كفاية بقى… إحنا غلطنا.”
بصيتله.
ولأول مرة حسيت إنه بيقولها فعلًا من قلبه.
لكن الجرح كان أعمق من كلمة آسف.
كتير أعمق.
قلت بهدوء: “عارف يا كريم إمتى وجعتني بجد؟”
سكت.
“مش لما استغليتني. لأ. لما حسستني إني حمل.”
وشه اتهز.
كملت: “أنا الست اللي كانت بتشتغل 14 ساعة عشان تعلمك. الست اللي باعت دهبها عشان تدخل جامعة خاصة لما مجموعك ماجابش حكومي. الست اللي نامت من غير عشا سنين عشان إنت ماتتحرمش.”
دموعه لمعت.
لكن كملت بقسوة سنين مكسورة: “وفي الآخر… بقى دوري إني أربي عيالك في المصيف عشان تعرفوا تتفسحوا.”
ريهام اتكلمت بسرعة: “إنتِ مكبرة الموضوع—”
كريم لف لها بعصبية مفاجئة: “اسكتي يا ريهام!”
حتى هي اتصدمت.
قال بصوت مبحوح: “أمي عندها حق.”
الصمت نزل.
كريم بصلي لأول مرة بعين طفل صغير، مش راجل كبير.
وقال: “أنا آسف.”
الكلمة دي كنت مستنياها من امبارح.
لكن الغريب… إنها ما ريحتنيش.
لأن بعض الجروح، الاعتذار بييجي متأخر قوي عليها.
في الليلة دي، نزلت أتمشى لوحدي على البحر.
الهواء كان دافي، والمكان كله هادي، وصوت المزيكا جاي من بعيد.
وفجأة لقيت ست كبيرة قاعدة لوحدها على كرسي قريب.
ابتسمتلي وقالت: “أول مرة تشوفي البحر؟”
ضحكت بدهشة: “واضحة أوي كده؟”
قالت: “الناس اللي أول مرة تشوف البحر بيكون عندهم نفس النظرة.”
قعدت معاها شوية.
اسمها سعاد. أرملة زيي. وعندها أولاد مسافرين بره.
ولما حكيتلها اللي حصل، بصتلي بحكمة وقالت: “أوعِ تضيعي اللي باقي من عمرك في خدمة ناس نسيت قيمتك.”
الجملة فضلت ترن في دماغي طول الليل.
وفي تاني يوم، حصل اللي قلب الرحلة كلها فعلًا.
كنت نازلة الفطار، ولقيت الأطفال قاعدين لوحدهم تقريبًا، بينما كريم وريهام بيتخانقوا بصوت واطي لكن حاد.
أول ما قربت، سمعت ريهام بتقول: “أمك بوظت كل حاجة!”
كريم رد بعصبية: “أمي؟! أمي اللي ضحت بكل حياتها عشاني؟!”
سكتت فجأة لما شافتني.
الأطفال كانوا متوترين جدًا.
فقعدت معاهم أفطر بهدوء.
وبعد شوية، عمر قرب مني وقال: “تيتة… ممكن تخرجي معانا النهارده؟”
بصيت لكريم.
كان شكله مكسور.
قال بهدوء: “لو تحبي.”
ريهام سكتت، لكنها كانت متضايقة.
وأنا… كنت تعبت من الزعل.
فقلت: “ماشي.”
اليوم ده كان مختلف.
لأول مرة، كريم شال ابنه بنفسه.
وريهام فضلت ورا بنتها طول الوقت.
وأنا؟ كنت ماشية على البحر… حرة.
صوروني.
ضحكنا.
حتى الأطفال دفنوا رجلي في الرمل وهما بيضحكوا.
وللحظة قصيرة جدًا… حسيت إننا رجعنا عيلة.
لكن في آخر اليوم، وأنا قاعدة في البلكونة، كريم جه وقعد جنبي.
سكت شوية، وبعدين قال: “أنا خوفت.”
بصيتله: “من إيه؟”
قال: “من المسؤولية… من الضغط… من الشغل… من الأطفال… وحطيت كل ده عليكي.”
سكت، وبعدين قال: “بقيت باخدك كأمر طبيعي. كإنك موجودة عشان تنقذيني طول الوقت.”
الدموع لمعت في عينيه.
“ونسيت إنك تعبتِ خلاص.”
بصيت للبحر.
وقلت بهدوء: “الأم مش بتتعب من ولادها يا كريم.”
ابتسم وسط دموعه.
فكملت: “بس بتنكسر لما تحس إن قيمتها بقت في الخدمة بس.”
وطى راسه.
وفي اللحظة دي… فهم أخيرًا.
في آخر يوم في الرحلة، الأطفال أصروا ناخد صورة جماعية وقت الغروب.
وقفت وسطهم، والبحر ورانا، والشمس بتنزل ببطء.
وعمر فجأة قال بصوت عالي: “الرحلة دي بقت حلوة لما تيتة بقيت تتفسح معانا.”
حتى ريهام سكتت.
وبصتلي بنظرة مختلفة شوية.
مش حب.
لكن يمكن… خجل.
ولما رجعنا القاهرة، كنت فاكرة إن كل حاجة هترجع زي الأول.
لكن بعدها بأسبوع، كريم جه بيتي لوحده.
شايل شنطة صغيرة.
قال: “إيه ده؟”
ابتسم: “حجزتلك رحلة.”
اتجمدت مكاني.
قال بابتسامة باكية: “شرم الشيخ… أسبوع كامل. أوضة مطلة على البحر.”
ضحكت بعدم تصديق: “لوحدي؟”
هز راسه: “لا.”
وساب ظرف صغير على الترابيزة.
فتحته… لقيت صورة ليا وأنا واقفة على البحر في الغردقة، وتحتها مكتوب بخط حفيدتي الصغيرة:
“تيتة مش جاية تشتغل… تيتة جاية تتحب.”
يتبع…