بعد وفا…ة زوجي حكايات اسما السيد الجزء التاني
بعد ست شهور من القضـ,ـية، حياتي كانت هادية بشكل غريب…
الصحافة نسيت الموضوع بالتدريج، والناس بطلت تبصلي بنظرات الشفقة اللي كنت بكر…هها، لكن جوايا كان لسه خر…اب كبير محدش شايفه.
كنت عايشة وحدي في الفيلا اللي أحمد سابهالي.
كل ركن فيها كان بيفكرني بيه… ريحة برفانه في أوضة الملابس، صوته في التسجيلات اللي ساعات أشغلها قبل النوم، حتى المج اللي كان بيشرب فيه القهوة كل صباح ولسه عليه شر…خ صغير في الطرف.
كنت أصحى كل يوم وأنا حاسة إني نجيت من الموت… بس خسـ,ـرت الحياة نفسها.
حماتي وابنها اتحكم عليهم بالسـ,ـجن المؤقت لحين انتهاء القضية الأساسية، والمحامي أكدلي إن الأدلة قوية جدًا، خصوصًا بعد اعتراف أخو أحمد إنه كان بيدي له الجرعات الزايدة فعلًا.
لكن رغم كل ده، قلبي ما ارتاحش.
كان فيه حاجة غلط.
حاجة ناقصة.
وفي ليلة شتوية باردة، كنت قاعدة في مكتب أحمد بدوّر وسط أوراقه القديمة، لما لقيت ظرف صغير مستخبي جوه درج سري في المكتب.
الظرف كان عليه اسمي.
“لمريم… لو اكتشفتي الحقيقة كاملة.”
قلبي دق بعنف.
فتحته بسرعة.
جواه مفتاح صغير جدًا، ومعاه ورقة مكتوب فيها عنوان بنك وخانة أمانات.
روحت تاني يوم فورًا.
الموظف أول ما شاف الورقة طلب بطاقتي، وبعد شوية رجع بصندوق معدني صغير.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
جواه ساعة أحمد… وخاتم جوازنا… وفلاشة تانية.
شغلتها في العربية.
ظهر أحمد على الشاشة، لكن المرة دي كان مرعوب فعلًا.
قال بصوت واطي: “لو وصلتي للفيديو ده، يبقى فيه حاجة مهمة جدًا لازم تعرفيها… أمي وأخويا مش لوحدهم.”
حسيت نفسي اتجمدت.
كمل: “في شريك في الشركة اسمه حسام الدمنهوري… الراجل ده أخطر من أي حد تتخيليه. لما رفضت أبيع نصيبي، هددني أكتر من مرة. ولو حصلي حاجة، غالبًا هو السبب الحقيقي.”
وقفت الفيديو وأنا مش قادرة أتنفس.
حسام؟
ده كان أقرب صديق لأحمد.
كان واقف جنبي في العزا، وبيحضنّي ويقولي: “أحمد كان أخويا.”
بل أكتر من كده… هو اللي ساعدني في القضية، وكان بيقولي دايمًا: “لو احتجتي أي دعم أنا جنبك.”
حسيت بغثيان.
رجعت البيت وأنا بفكر في كل كلمة قالها أحمد.
ولأول مرة بدأت أربط الحاجات ببعض.
حسام كان موجود ليلة وفاة أحمد.
هو اللي أصر ينقله لمستشفى معينة.
وهو الوحيد اللي كان عنده وصول لحسابات الشركة بعد موته.
فتحت ملفات الشركة اللي المحامي كان سايبهالي، وبدأت أراجع التحويلات المالية.
وفي نص الليل اكتشفت الكارثة.
مبالغ ضخمة اتحولت قبل وفاة أحمد بأيام لحسابات خارج البلد.
بتوقيع إلكتروني باسم أحمد.
لكن أحمد وقتها كان في المستشفى.
يعني حد استخدم توقيعه.
اتصلت بالمحامي فورًا.
ولما شاف الأوراق وشه اصفر.
قال: “لو الكلام ده حقيقي… يبقى إحنا قدام شبكة كاملة.”
سألته: “نعمل إيه؟”
قال: “ما تواجههوش دلوقتي… لازم نجمع دليل.”
ومن هنا بدأت أخطر فترة في حياتي.
اضطريت أمثل إني لسه واثقة في حسام.
كان بيزورني باستمرار، يجيبلي ورد، ويسألني لو محتاجة حاجة.
وفي كل مرة كنت ببصله وأفتكر إنه يمكن قتل أحمد.
لكن الأصعب… إني بدأت ألاحظ حاجة مرعبة.
حسام كان بيبصلي بطريقة غريبة.
طريقة راجل مش مجرد صديق.
وفي مرة وهو خارج من الفيلا وقف وقال: “أحمد كان محظوظ بيكي.”
قلت ببرود: “الله يرحمه.”
لكنه ما مشيش.
قرب خطوة وقال: “مش لازم تفضلي لوحدك طول عمرك.”
جسمي اتجمد.
فهمت فورًا.
الراجل ده كان مستني موت أحمد.
بعدها بأيام، لقيت واحدة ست مستنياني قدام البيت.
كانت في الخمسينات، شكلها مرهق جدًا.
قالت أول ما شافتني: “إنتِ مريم؟”
هزيت راسي بحذر.
طلعت صورة قديمة من شنطتها.
الصورة كانت لحسام… ومعاه شاب شبه أحمد جدًا.
قالت وهي بتعيط: “ابني مات بسببه.”
دخلتها البيت بسرعة.
وحكتلي حكاية خلت الدم يتجمد في عروقي.
ابنها كان شريك قديم لحسام.
وبعد خلافات مالية، مات فجأة بحادث عربية غامض.
والغريب إن كل ثروته راحت لحسام بعد موته.
قالت: “قدمت بلاغات كتير… لكن حسام دايمًا بيطلع منها.”
وساعتها عرفت إن أحمد ماكانش أول ضحية.
بدأنا نجمع الأدلة سوا.
المحامي اكتشف إن حسام متورط في غسيل أموال وصفقات غير قانونية، وإنه كان محتاج توقيع أحمد عشان يغطي عمليات بملايين.
ولما أحمد رفض… قرر يخلص منه.
أما حماتي وابنها، فكانوا مجرد أدوات ضغط.
وفي ليلة، رجعت البيت لقيت كل الأوض غرقانة.
حد كان مكسّر الشبابيك.
وعلى الحيطة مكتوب باللون الأحمر: “اقفلي الموضوع… أحسنلك.”
انهرت من الرعب.
اتصلت بالشرطة، لكن حسيت إن الوقت بيخلص.
وفي نفس الليلة، وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت بخوف.
وجالي صوت حسام.
هادئ جدًا.
قال: “إنتِ ست ذكية يا مريم… لكن الفضول وحش.”
صرخت: “إنت اللي قتلت أحمد؟!”
سكت ثواني… وبعدين ضحك.
ضحكة باردة عمري ما هنساها.
وقال: “أحمد قتل نفسه لما وقف قصادي.”
وقفل الخط.
فضلت أرتعش.
لكن بدل ما أخاف… الغضب جوايا انفجر.
في اليوم التالي، وافقت أقابل حسام.
المحامي رفض، لكني أصريت.
اتقابلنا في مطعم هادي على النيل.
كان قاعد بكامل هدوءه، لابس بدلة غالية، وكأن ولا روح راحت بسببه.
قال وهو بيبتسم: “تعبتي نفسك ليه؟”
قلت: “عايزة الحقيقة.”
شرب رشفة قهوة وقال: “الحقيقة إن جوزك كان عنيد.”
ضغطت على إيدي تحت الترابيزة وأنا بحاول أتمالك نفسي.
قال: “العالم بيمشي بالفلوس… وأحمد ما فهمش ده.”
سألته: “قتلتَه؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: “بعض الناس بتموت بسبب قراراتها.”
وفي اللحظة دي… وصلتني الرسالة اللي كنت مستنياها من المحامي.
“كل حاجة بتتسجل.”
كنت لابسة جهاز تسجيل صغير.
بصيت لحسام وقلت: “يعني إنت معترف.”
فهم فورًا.
وشه اتقلب.
قام بعنف وقال: “إنتِ لعبتي غلط يا مريم.”
لكن قبل ما يتحرك، الشرطة دخلت المطعم.
حسام حاول يهرب، لكنهم مسكوه.
والناس كلها كانت بتبص عليه بصدمة.
وأنا واقفة هناك… حاسّة إني أخيرًا باخد نفس لأول مرة من يوم موت أحمد.
التحقيقات استمرت شهور.
وطلع إن حسام فعلًا هو العقل المدبر.
هو اللي حرّض أخو أحمد على زيادة الجرعات.
وهو اللي زور التوقيعات وسرق الأموال.
وهو اللي خطط للتخلص من أي حد يقف قدامه.
القضية بقت حديث البلد.
أما حماتي… فلما عرفت الحقيقة الكاملة انهارت تمامًا.
طلبت تشوفني في السجن.
روحتلها بعد تردد طويل.
أول ما شافتني عيطت.
كانت ضعيفة ومكسورة بشكل ما توقعتوش أبدًا.
قالت: “أنا ما كنتش أعرف إنه ناوي يقتل أحمد… كنت فاكرة بنخوفه بس.”
بصيتلها طويل.
الست اللي جرّتني من شعري وطردتني في المطر… بقت دلوقتي بتترجاني أسامحها.
قالت وهي بتبكي: “سامحيني.”
لكن الحقيقة؟ أنا ماقدرتش.
قلت بهدوء: “إنتِ ما ظلمتنيش بس… إنتِ خسرّتِ ابنك بإيدك.”
وسبتها ومشيت.
بعد سنة كاملة، صدر الحكم النهائي.
السجن المؤبد لحسام.
وأحكام طويلة على أخو أحمد.
أما حماتي، فاتحكم عليها بالسجن لسنوات أقل بسبب تعاونها المتأخر مع التحقيق.
ولأول مرة… القصة انتهت فعلًا.
أو هكذا ظننت.
بعد الحكم بأسبوع، كنت قاعدة على البحر وقت الغروب، بحاول أتعلم أعيش من جديد.
وفجأة، وصلني طرد صغير بدون اسم.
فتحته بحذر.
كان جواه جواب بخط أحمد.
لكن الرسالة دي ماكنتش قديمة.
تاريخها كان قبل وفاته بيوم واحد فقط.
“مريم… لو بتقري الرسالة دي، يبقى للأسف ما لحقتش أهرب. كنت ناوي آخدك ونسافر بعيد ونبدأ من جديد. لكن الظاهر إنهم أسرع مني.
عايزك تعرفي حاجة واحدة… إنتِ أجمل قرار خدته في حياتي.
ولو الدنيا ظلمتك بعدي… اوعي تنكسري.”
حضنت الجواب وانهرت في العياط.
لأول مرة من شهور، ماكنش بكاء غضب… كان بكاء حب.
مرت سنتان بعد كل شيء.
وبدأت أرجع للحياة بالتدريج.
فتحت مؤسسة خيرية باسم أحمد لمساعدة السيدات اللي اتعرضوا للظلم والطرد بعد وفاة أزواجهم.
وكل ست كانت تدخل تبكي وتحكي قصتها… كنت أشوف نفسي فيها.
وفي افتتاح المؤسسة، وقفت قدام صورة أحمد الكبيرة وابتسمت لأول مرة بصدق.
وقتها فقط فهمت رسالته الأخيرة.
الانتصار الحقيقي… ماكانش إني سجنت اللي ظلموني.
الانتصار الحقيقي… إني ما بقيتش شبههم.
وإني رغم كل اللي انكسر جوايا… لسه قادرة أحب… وأعيش.
تمت
