انقذت رجل فقير حكـايـات أسمـا ج×3
الجزء الخامس
توقفت أنفاسي.
أما الحاج ربيع فأسرع بإطفاء المصباح، وغرقت الغرفة في ظلام لا يقطعه إلا ضوء الفجر الباهت المتسلل من النافذة.
عاد الصوت من الخارج أكثر حدة:
“افتح الباب… وإلا هنكسره.”
همس الحاج ربيع:
“دي مش شرطة.”
سألته وأنا أرتجف:
“عرفت منين؟”
قال وهو يزيح الستارة قليلًا:
“العربيات من غير نمر.”
“ومعظمهم شايلين سلا..ح.”
ثم نظر إلى إياد الممدد على السرير الخشبي وقال:
“لو دخلوا… هيقتلوه.”
شعرت بقلبي يهبط في صدري.
في اللحظة نفسها…
صدر صوت طرق عنيف كاد يخلع الباب.
صرخ أحد الرجال:
“آخر مرة… افتح.”
نظر إليّ الحاج ربيع.
ثم أشار ناحية باب صغير خلف المطبخ.
“اخرجي من هنا.”
هززت رأسي.
“وأسيبه؟”
قال بعصبية:
“لو فضلتي… هتموتوا أنتم الاتنين.”
لكنني رفضت.
اقتربت من السرير.
أمسكت بيد إياد.
كانت باردة.
لكنه ما زال يتنفس.
وفجأة…
فتح عينيه بصعوبة.
همس:
“ندى…”
اقتربت منه.
“أنا هنا.”
نظر إليّ للحظة.
ثم قال بصوت متقطع:
“اسمعي…”
“في جيب الجاكيت…”
فتشت بسرعة.
وجدت بطاقة معدنية صغيرة بحجم بطاقة البنك.
لا تحمل سوى شعار غريب محفور باللون الذهبي.
وفي الخلف ثلاثة أرقام فقط.
٧…١…٩
سألته:
“دي إيه؟”
قال وهو يكاد يفقد وعيه:
“لو وصلتِ… للمبنى الرئيسي…”
“وريها… للحارس.”
“بس…”
“متثقيش…”
سعل بقوة.
ثم قال بصعوبة:
“في أي حد.”
وفقد وعيه مرة أخرى.
—
وفي الخارج…
لم ينتظر الرجال أكثر.
انهار الباب تحت ضربة قوية.
دخل أربعة رجال دفعة واحدة.
كان أولهم نفس الرجل الطويل الذي أوقفني في الغابة.
نظر حوله بسرعة.
ثم صاح:
“فتشوا البيت.”
بدأوا يقلبون كل شيء.
الأدراج.
الغرف.
المطبخ.
حتى أكياس الدقيق فتحوها.
كنت أنا والحاج ربيع قد اختبأنا مع إياد داخل مخزن صغير خلف حائط خشبي متحرك، لا يعرف مكانه إلا أهل البيت.
كنا نسمع كل كلمة.
قال أحد الرجال:
“مفيش حد.”
رد الطويل بغضب:
“دوروا كويس.”
ثم فجأة…
سمعنا صوت مواء قطة.
قفزت القطة من فوق أحد الأرفف.
فضحك الرجال.
وقال أحدهم:
“شكلنا جرينا ورا شبح.”
لكن الرجل الطويل لم يقتنع.
ظل ينظر في كل زاوية.
وفجأة…
توقف أمام الحائط الخشبي الذي نختبئ خلفه.
شعرت أن قلبي سيتوقف.
مد يده.
وأمسك بالمقبض.
وبدأ يحرك الحائط ببطء…
في تلك اللحظة…
دوّى صوت انفجار قوي خارج المنزل.
اهتزت النوافذ.
وهرع الرجال إلى الخارج.
صرخ أحدهم:
“العربية ولعت!”
ركض الجميع.
وبقي الرجل الطويل مترددًا لثوانٍ.
ثم لحق بهم.
انتظرنا حتى ابتعدت الأصوات.
خرج الحاج ربيع أولًا.
نظر من النافذة.
ثم قال بدهشة:
“في عربية انفجرت عند أول الطريق.”
خرجت خلفه.
كانت إحدى السيارات السوداء تحترق بالكامل.
أما باقي السيارات…
فكانت تحاول إخماد النار.
سألت بدهشة:
“مين عمل كده؟”
هز رأسه.
“معرفش.”
لكن في نفس اللحظة…
توقف أمام البيت موكب مكوّن من خمس سيارات سوداء أخرى.
نزل منها رجال يرتدون بدلات سوداء وسماعات في آذانهم.
تحركوا بسرعة ونظام واضح.
فتح أحدهم الباب الخلفي للسيارة الوسطى.
ونزل رجل طويل، في أوائل الأربعينيات، بملامح حادة ونظرة ثابتة.
نظر إلى السيارات المحترقة.
ثم قال بهدوء أربك الجميع:
“أخفضوا أسلحتكم.”
التفت الرجل الطويل إليه بغضب.
“إنت مين؟”
اقترب الرجل بخطوات واثقة.
وأخرج بطاقة تعريف جلدية.
وما إن رآها الرجل الطويل…
حتى اختفى الغرور من وجهه.
قال بصوت مرتبك:
“إحنا… كنا بننفذ أوامر.”
رد الرجل ببرود:
“وأنا جاي ألغيها.”
ساد الصمت.
ثم التفت الرجل الغريب ناحية بيت الحاج ربيع.
وكأنه يعرف تمامًا من بداخله.
ورفع صوته قائلًا:
“أستاذ إياد…”
“أنا عارف إن حضرتك سامعني.”
“اطلع…”
“أنا جاي من طرف ليلى.”
تبادلت أنا والحاج ربيع النظرات.
أما إياد…
ففتح عينيه للمرة الثالثة.
ولأول مرة…
ظهرت على وجهه ابتسامة مطمئنة.
وهمس بكلمة واحدة فقط:
“يوسف…”
الجزء السادس
“يوسف…”
خرج الاسم من فم إياد كأنه آخر ما تبقى لديه من قوة.
نظر إليّ ثم قال بصوت مبحوح:
“دخليه…”
تردد الحاج ربيع.
“ولو كان واحد منهم؟”
ابتسم إياد رغم ألمه.
“لو يوسف كان عايز يقتلني… ما كانش استنى لحد النهارده.”
خرج الحاج ربيع بحذر.
وبعد أقل من دقيقة…
دخل الرجل صاحب البدلة السوداء إلى الغرفة.
كان طويل القامة، هادئ الملامح، وفي منتصف الأربعينيات تقريبًا.
وما إن رأى إياد حتى تغيرت ملامحه تمامًا.
اقترب بسرعة.
وركع بجواره.
وقال بصوت اختلط فيه الغضب بالارتياح:
“إيه اللي حصل لك يا باشا؟”
ابتسم إياد بصعوبة.
“واضح إنهم سبقوك.”
خفض يوسف رأسه للحظة.
ثم قال:
“سامحني.”
“كنت فاكر إن الخيانة من بره.”
“طلعت من جوه.”
ساد الصمت.
أما أنا فكنت أراقب كل شيء دون أن أفهم.
التفت يوسف إليّ.
ولأول مرة نظر إليّ باهتمام حقيقي.
قال:
“حضرتك ندى؟”
اتسعت عيناي.
“إنت عرفت اسمي إزاي؟”
ابتسم.
“الأستاذ إياد كان بيتمتم باسمك طول الطريق وهو فاقد الوعي.”
ثم وقف أمامي باحترام واضح.
وقال:
“أنا مدين لحضرتك بحياة أهم شخص في حياتي.”
ارتبكت.
“أنا معملتش حاجة.”
رد بحزم:
“بل عملتي كل حاجة.”
—
بعد دقائق…
وصلت سيارة إسعاف خاصة.
لم تحمل أي شعار.
ونزل منها طبيب ومعه فريق طبي كامل.
نظر الطبيب إلى الجرح.
ثم قال بقلق:
“لازم عملية حالًا.”
سألت يوسف:
“هنوديه مستشفى؟”
هز رأسه.
“لا.”
“عندنا مستشفى خاص.”
“محدش يعرف مكانه غير أفراد العيلة.”
ساعدوا إياد على الصعود إلى سيارة الإسعاف.
وقبل أن يغلقوا الباب…
مد يده نحوي.
أمسكتها بسرعة.
قال بصوت ضعيف:
“ندى…”
“متروحيش.”
نظرت إليه باستغراب.
“ليه؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
“أنا وعدتك…”
“إن حياتك هتتغير.”
ثم أغلق عينيه.
—
بعد انطلاق سيارة الإسعاف…
التفت يوسف إليّ.
وقال:
“حضرتك لازم تيجي معانا.”
رفضت فورًا.
“مقدرش.”
“أمي وأخويا مستنييني.”
سأل بهدوء:
“من إمتى؟”
نظرت إلى السماء.
كان النهار قد بدأ.
شهقت.
كنت قد اختفيت طوال الليل.
أكيد أمي تعيش أسوأ لحظات عمرها الآن.
قلت بسرعة:
“لازم أرجع.”
أخرج يوسف هاتفه.
ثم اتصل بأحد الأشخاص.
وقال:
“هاتوا عربية.”
“وروحوا مع الآنسة ندى لبيتها.”
“واطمنوا على أسرتها.”
نظرت إليه بريبة.
“إنتوا عرفتوا بيتي؟”
ابتسم.
“من ساعة ما عرفنا اسمك.”
شعرت بعدم الارتياح.
لكن لم يكن أمامي خيار.
—
وصلت إلى البيت بعد أقل من نصف ساعة.
وجدت أمي تقف أمام الباب تبكي.
وما إن رأتني…
احتضنتني بقوة.
وقالت وهي تنتحب:
“كنتِ فين يا بنتي؟”
“كنت هموت من الخوف.”
بكيت أنا أيضًا.
وحكيت لها كل شيء…
تقريبًا.
أخفيت فقط اسم إياد.
وأخفيت الرجال.
وأخفيت الرصاصة.
قلت إنني ساعدت رجلًا مصابًا في حادث سيارة.
تنهدت أمي.
وقالت:
“ربنا يجازيكي خير.”
ثم نظرت إلى السيارة السوداء الواقفة أمام بيتنا.
وإلى الرجال الذين يقفون باحترام.
وقالت بخوف:
“بس مين دول؟”
وقبل أن أجيب…
اقترب يوسف.
أخرج ظرفًا أبيض.
ومده إلى أمي.
قال:
“ده مبلغ بسيط…”
“علشان نعوض الأكل اللي ضاع منها.”
رفضت أمي فورًا.
“إحنا مناخدش فلوس مقابل الخير.”
ابتسم يوسف.
وأعاد الظرف إلى جيبه دون جدال.
ثم قال:
“إذن اعتبريه دينًا.”
“ولما الأستاذ إياد يقوم بالسلامة… هو بنفسه هيشكركم.”
—
مرت ثلاثة أيام…
لا خبر.
ولا اتصال.
ولا أي شيء.
بدأت أظن أن كل ما حدث كان حلمًا.
وفي صباح اليوم الرابع…
كنت أغسل الملابس أمام البيت.
حتى توقفت فجأة خمس سيارات سوداء فاخرة أمام منزلنا الصغير.
تجمع أهل القرية في ثوانٍ.
الجميع يراقب.
الجميع يهمس.
نزل يوسف أولًا.
ثم فتح الباب الخلفي لأفخم سيارة.
وترجل منها إياد منصور بنفسه.
كان كتفه مربوطًا بضمادة طبية.
لكن هيبته عادت كما كانت.
نظر إلى البيت المتواضع.
ثم إلى الجيران الواقفين.
ثم ابتسم عندما وقعت عيناه عليّ.
وسار نحوي ببطء.
وقف أمامي.
ثم فعل شيئًا لم يتوقعه أحد…
ولا حتى أنا.
خلع ساعته الثمينة من معصمه…
ووضعها في يدي.
ثم قال أمام الجميع:
“دي مش هدية…”
“دي أمانة.”
“لحد ما أوفي الدين اللي في رقبتي.”
ساد صمت مذهول بين أهل القرية.
لكن المفاجأة الأكبر…
كانت عندما توقفت سيارة سادسة خلف الموكب.
ونزلت منها فتاة شابة تبكي.
وبمجرد أن رأت إياد…
ركضت نحوه وهي تصرخ:
“بابا!”
ارتمت في حضنه بقوة.
وبعد لحظات…
رفعت عينيها نحوي.
وظلت تحدق في وجهي طويلًا.
ثم قالت جملة جعلت إياد نفسه يتجمد في مكانه:
“هي دي البنت اللي كنت بتدور عليها من سبعتاشر سنة؟!”
يتبع