كسر ضلوعي حكـايـات أسمـا ×3
ساد الصمت داخل الفيلا.
ذلك النوع من الصمت الذي يسبق الكوارث.
كانت ريم تنظر إلى سليم.
ولأول مرة منذ عرفته…
رأت الخوف.
ليس القلق.
ولا الغضب.
ولا الحذر.
الخوف.
رجل مثل سليم المراكبي لم يكن يخاف من أحد.
لكن اسمًا واحدًا فقط كان قادرًا على إحياء أشباح الماضي.
فؤاد المراكبي.
والده.
الرجل الذي أمضى نصف عمره يحاول نسيانه.
والنصف الآخر يحاول أن يشبهه.
ثم يكتشف كل يوم أنه لا يريد ذلك.
—
جلس سليم ببطء على المقعد المقابل.
وأمر الجميع بالخروج.
بقي هو وريم فقط.
سألته بهدوء:
“مين فؤاد؟”
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“أبويا.”
تجمدت.
كانت تتوقع الكثير من الإجابات.
إلا هذه.
همست:
“بس… الناس كلها بتقول إنه مات.”
ابتسم سليم بسخرية مريرة.
وقال:
“وأنا كنت أول واحد صدقهم.”
ثم نهض واتجه نحو النافذة.
وبدأ يتحدث لأول مرة عن حياته.
“لما كان عندي سبعتاشر سنة…”
“صحيت الصبح لقيت الدنيا كلها بتقول إن أبويا اتقتل.”
“جثته اتحرقت.”
“والإمبراطورية كلها وقعت فوق دماغي.”
سكت للحظة.
ثم أكمل.
“كان عندي اختيارين.”
“إما أموت.”
“أو أبقى أقوى من كل اللي حواليا.”
رفعت ريم عينيها نحوه.
فأضاف:
“اخترت القوة.”
“لكن الظاهر إن الراجل اللي علمني القوة… كان بيجهزني علشان أسرقله مكانه لحد ما يرجع.”
—
في مكان آخر…
كان فؤاد المراكبي يجلس داخل قصر قديم مهجور على أطراف البحيرة.
حولَه عشرات الرجال.
وشاشات مراقبة في كل مكان.
نظر إلى صورة سليم على إحدى الشاشات.
ثم ابتسم.
وقال:
“كبرت يا ابني.”
سأله ماهر:
“ليه ما تخلصش عليه وخلاص؟”
نظر إليه فؤاد.
ثم ضحك.
“إنت فاهم الدنيا غلط.”
“أنا ما رجعتش علشان أقتل سليم.”
“أنا رجعت علشان أكسره.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“الموت سهل.”
“لكن إنك تشوف كل حاجة بنيتها بتضيع قدامك…”
“ده العذاب الحقيقي.”
—
في الليلة نفسها…
بدأت الضربة الأولى.
عند الثانية صباحًا.
رن هاتف أحد رجال سليم.
ثم آخر.
ثم ثالث.
ثم عاشر.
خلال نصف ساعة فقط…
اختفى أربعة من كبار رجاله.
بلا أثر.
ولا كاميرا سجلت شيئًا.
ولا شاهد رأى شيئًا.
وفي الصباح…
وصلت رسالة إلى سليم.
صورة.
أربعة رجال.
مقيدون.
أحياء.
لكن مرعوبون.
وتحت الصورة جملة واحدة.
“دي البداية.”
—
لم يغضب سليم.
وهذا ما أخاف الجميع.
لأنه عندما يغضب كان يتحدث.
أما عندما يصمت…
فهذا يعني أن أحدًا سيموت.
أغلق الهاتف.
ثم قال لمساعده:
“هات العربية.”
سأله الرجل:
“رايح فين؟”
رد:
“أزور أبويا.”
—
أما ريم…
فكانت تشعر أن الأمور تخرج عن السيطرة.
كل شيء بدأ بسبب رسالة خطأ.
والآن مدينة كاملة تتحرك نحو حرب.
كانت تقف في شرفة الفيلا عندما اقترب منها كريم.
أخوها.
الذي وصل صباحًا بعد استدعاء سليم له.
قال كريم:
“إنتِ لازم تمشي من هنا.”
نظرت إليه.
“ليه؟”
رد بعصبية:
“لأن الناس دي مش طبيعية.”
“كل يوم حد بيتخطف.”
“حد بيتقتل.”
“حد بيختفي.”
“وأنتِ بقيتي في النص.”
لكن ريم لم ترد.
لأن جزءًا منها كان يعرف الحقيقة.
المشكلة لم تعد مجرد ماهر.
ولا مجرد فؤاد.
المشكلة أصبحت سليم نفسه.
لأنها لم تعد قادرة على التعامل معه كرجل أنقذ حياتها فقط.
بدأت ترى الإنسان خلف الاسم.
والإنسان أخطر من الأسطورة دائمًا.
—
في المساء…
عاد سليم.
لكن شيئًا كان مختلفًا.
ملابسه ممزقة.
ويده تنزف.
وعيناه أكثر ظلامًا من المعتاد.
ركضت ريم نحوه دون تفكير.
“إنت مصاب!”
أمسكت بذراعه.
لكنها توقفت عندما نظر إليها.
كانت هناك صدمة في عينيه.
وكأنه لم يتوقع أن يقلق عليه أحد.
منذ سنوات طويلة.
أخذ نفسًا عميقًا.
وقال:
“أنا كويس.”
لكن الدم كان يسيل بوضوح.
أجبرته على الجلوس.
ثم بدأت تعقم الجرح.
بصفتها ممرضة.
في البداية.
لكن شيئًا آخر كان يحدث.
شيئًا لم تعترف به لنفسها.
كانت يدها ترتجف.
ليس خوفًا.
بل لأن فكرة فقدانه أصبحت تؤلمها.
—
راقبها سليم بصمت.
ثم قال فجأة:
“ليه بتعملي كده؟”
رفعت عينيها.
“إيه؟”
قال:
“ليه مهتمة؟”
لم تعرف كيف تجيب.
فسكتت.
أما هو…
فاكتفى بالنظر إليها.
لأن الصمت أحيانًا يقول كل شيء.
—
وفي تلك اللحظة نفسها…
داخل القصر المهجور…
دخل أحد الرجال مسرعًا إلى فؤاد.
وقال:
“في مشكلة.”
رفع فؤاد رأسه.
“إيه؟”
أجاب الرجل:
“البنت.”
تجمدت ابتسامة فؤاد.
“مالها؟”
قال الرجل:
“واضح إن سليم وقع في حبها.”
ساد الصمت.
عدة ثوانٍ طويلة.
ثم وقف فؤاد ببطء.
ولأول مرة اختفت الابتسامة من وجهه.
وقال:
“إذن لازم تموت.”
ارتجف ماهر.
حتى هو لم يتوقع ذلك.
قال:
“بس إحنا محتاجينها.”
رد فؤاد ببرود مرعب:
“كنت محتاجها.”
“دلوقتي بقت نقطة ضعف.”
ثم التفت نحو النافذة.
وأضاف:
“وأنا عمري ما بسيب نقطة ضعف تعيش.”
وفي الجهة الأخرى من المدينة…
كانت ريم تضحك لأول مرة منذ شهور.
ضحكة صغيرة بسبب تعليق قاله سليم.
دون أن تعلم…
أن قرار إعدامها قد صدر بالفعل.
وأن رجال فؤاد بدأوا التحرك نحو الفيلا في تلك اللحظة.
وأن الساعات القادمة…
ستكون الأخطر منذ الرسالة الأولى التي أرسلتها بالخطأ.لم تكن ريم تعرف أن الموت يتحرك نحوها بالفعل.
في تلك الليلة…
كان البحر هادئًا على غير عادته.
والهواء البارد يتسلل من النوافذ المفتوحة.
أما داخل الفيلا…
فكان كل شيء يبدو طبيعيًا.
بشكل مخادع.
جلست ريم في غرفة الجلوس تقرأ.
بينما كان سليم داخل مكتبه يراجع بعض الملفات.
والحراس ينتشرون في الخارج كعادتهم.
لكن على بعد كيلومتر واحد فقط…
كانت أربع سيارات سوداء تتحرك دون أضواء.
ببطء.
وصمت.
وفي داخل إحداها…
جلس ماهر.
وعيناه معلقتان بصورة ريم.
قال أحد الرجال:
“آخر فرصة.”
“نرجع دلوقتي.”
لم يرد ماهر.
فأكمل الرجل:
“سليم هيولع الدنيا لو عرف إننا قربنا منها.”
رفع ماهر رأسه أخيرًا.
وقال بصوت بارد:
“هو ده المطلوب.”
—
في الساعة الحادية عشرة وخمس دقائق…
انطفأت كاميرات الجهة الغربية من الفيلا.
بعد ثلاثين ثانية…
تعطلت شبكة الإنذار.
بعد دقيقة واحدة…
اختفت الإشارة من أجهزة الاتصال الخاصة بالحراس.
عندها فقط…
عرف رئيس الأمن أن هناك كارثة.
أمسك اللاسلكي وصرخ:
“استعداد كامل!”
لكن الأوامر جاءت متأخرة.
لأن أول انفجار وقع بالفعل.
اهتزت الأرض.
وتحطم جزء من السور الخارجي.
ثم دوى إطلاق نار كثيف.
وتحول الليل الهادئ إلى جحيم.
—
قفزت ريم من مكانها مذعورة.
وسمعت الصرخات في الخارج.
ثم اندفع باب الغرفة.
دخل أحد الحراس وهو يلهث.
وقال:
“لازم نتحرك حالًا!”
لكن قبل أن يكمل…
اخترقت رصاصة النافذة خلفه.
وسقط الرجل أرضًا.
صرخت ريم.
وتراجعت للخلف.
وفي اللحظة نفسها…
ظهر سليم.
أمسك يدها بقوة.
وقال:
“معايا.”
ركض بها عبر ممرات الفيلا.
بينما كان صوت الرصاص يقترب أكثر فأكثر.
كل شيء حولهم كان يهتز.
الزجاج يتكسر.
والرجال يصرخون.
والدخان يملأ المكان.
—
وصلوا إلى باب حديدي مخفي خلف إحدى الخزائن.
فتح سليم الباب بسرعة.
لتظهر درجات طويلة تهبط إلى الأسفل.
نظرت إليه ريم بدهشة.
فقال:
“ممر هروب.”
ثم دفعها برفق.
“انزلي.”
لكنها توقفت.
“وأنت؟”
رد:
“هحصلك.”
هزت رأسها بعنف.
“لا.”
نظر إليها للحظة.
ثم قال بهدوء:
“ريم.”
“لو بتحاولي تخوفي عليا دلوقتي…”
“فده أسوأ وقت ممكن.”
رغم الرعب…
ابتسمت دون إرادة.
ثم نزلت الدرج.
—
بعد دقائق…
كانا يسيران داخل نفق قديم تحت الأرض.
الرطوبة تملأ الجدران.
والظلام يحيط بكل شيء.
لكن فجأة…
توقف سليم.
شعرت ريم بالتوتر.
“في إيه؟”
لم يجب.
بل سحب سلاحه ببطء.
وفي نهاية النفق…
ظهر شخص.
ثم آخر.
ثم ثالث.
رجال مسلحون.
ينتظرونهم.
قال أحدهم مبتسمًا:
“مساء الخير يا سليم.”
أدرك سليم فورًا.
الخطة كانت أكبر من مجرد هجوم.
أحدهم كشف مكان الممر.
وأبلغ فؤاد.
لقد وقعوا في الفخ.
—
اندلع إطلاق النار.
وتحول النفق الضيق إلى ساحة معركة.
أمسك سليم ريم خلفه.
وأطلق عدة طلقات متتالية.
سقط رجلان.
لكن المزيد ظهروا.
وكأنهم لا ينتهون.
صرخت ريم:
“سليم!”
التفتت إليه.
فرأت الدم.
بقعة حمراء تنتشر على كتفه.
أصيب.
لكنه لم يتوقف.
استمر في القتال.
وكأن الألم لا يعنيه.
—
وفي خضم الفوضى…
ظهر ماهر.
كان يقف في نهاية النفق.
بعينين مشتعلتين.
وسلاح موجه مباشرة نحو ريم.
ابتسم.
وقال:
“خلصنا الجري.”
شحب وجهها.
وتجمدت في مكانها.
أما سليم…
فوقف بينها وبينه فورًا.
قال ماهر:
“ابعد.”
رد سليم:
“لا.”
ابتسم ماهر بجنون.
“يبقى هتموت معاها.”
—
مرت ثانية واحدة فقط.
لكنها بدت كأنها ساعة كاملة.
ثم ضغط ماهر الزناد.
انطلقت الرصاصة.
صرخت ريم.
وأغمضت عينيها.
منتظرة الألم.
لكن الألم لم يأتِ.
فتحت عينيها ببطء.
ورأت سليم.
واقفًا أمامها.
ثم بدأ جسده يترنح.
نظرت إلى صدره.
ورأت الدم.
الكثير من الدم.
لقد تلقى الرصاصة بدلًا منها.
—
شهقت ريم.
وأمسكته قبل أن يسقط.
“سليم!”
لأول مرة…
ظهر الذعر الحقيقي على وجهها.
أما هو…
فنظر إليها بصعوبة.
ورغم الدم الذي يملأ ملابسه…
ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
وقال بصوت خافت:
“قلتلك…”
“محدش هيلمسك.”
ثم انهار بين ذراعيها.
—
في اللحظة نفسها…
دوى انفجار هائل عند مدخل النفق.
وتبعه وصول عشرات الرجال المسلحين.
رجال سليم.
التعزيزات أخيرًا وصلت.
تحول الموقف بالكامل.
وبدأ رجال فؤاد وماهر في التراجع.
لكن قبل أن يختفي ماهر داخل الظلام…
نظر إلى ريم.
وقال بصوت مرتفع:
“دي مش النهاية.”
ثم اختفى.
—
كانت ريم جاثية على الأرض.
تضم سليم بين ذراعيها.
والدم يلطخ يديها.
وقلبها ينهار.
لأنها أدركت الحقيقة أخيرًا.
الحقيقة التي حاولت الهرب منها.
والتي لم تعد قادرة على إنكارها.
لم تعد تخاف على سليم لأنه أنقذها.
ولا لأنه حماها.
ولا لأنه وقف بجانبها.
بل لأنها أحبته.
أما في سيارة الإسعاف التي انطلقت بعدها بدقائق…
فكان الأطباء يقاتلون لإنقاذ حياته.
بينما كانت ريم تبكي بصمت.
دون أن تعرف…
أن الرصاصة لم تكن أكبر خطر يواجه سليم.
لأن فؤاد المراكبي كان قد أطلق خطة أخرى في الوقت نفسه.
خطة لو نجحت…
فلن يبقى لسليم شيء يعود إليه حتى لو عاش.
ولا إمبراطورية.
ولا رجال.
ولا مدينة.
ولا حتى اسم المراكبي نفسه.
وكان العد التنازلي قد بدأ بالفعل…