سخريه لاذعه حكـايـات أسمـا ×5

الفصل التاسع

ساد الصمت داخل المخزن بعد انتهاء المكالمة.

حتى أنفاس الموجودين كانت مسموعة.

سارة كانت تمسك الهاتف بقوة.

أما منصور الجندي فكان وجهه شاحبًا بشكل لم تره عليه من قبل.

كأنه عاد فجأة خمسين سنة إلى الوراء.

إلى اليوم الذي بدأت فيه الكارثة.

قال ياسر بصوت منخفض:

“هنروح.”

رفعت سارة رأسها نحوه.

“إنت مجنون؟”

لكن ياسر لم يتردد.

“عمري كله وأنا عايش وسط أكاذيب.”

“كل حاجة عرفتها عن نفسي طلعت غلط.”

“وأخيرًا الشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة مستنينا.”

تنهد منصور.

ثم قال:

“عبدالرحمن مش راجل سهل.”

“طول عمره بيخطط عشر خطوات قدام أي حد.”

“ولو طلب مقابلتنا بنفسه…”

“يبقى عنده سبب.”

أما حسن الدمنهوري…

فكان جالسًا في صمت.

مقيد اليدين.

وينظر إلى الأرض.

كأن كل الأسرار التي أخفاها عمرًا كاملًا لم تعد تعنيه.

بعد ساعة.

وصلت السيارات إلى المقر الرئيسي للشركة.

المبنى العملاق كان مضاءً بالكامل رغم أن الوقت تجاوز منتصف الليل.

كل طابق.

كل نافذة.

كل مكتب.

كأن أحدًا كان ينتظرهم.

دخلوا إلى الداخل.

بهدوء حذر.

وصعدوا إلى الطابق الأخير.

إلى قاعة مجلس الإدارة.

نفس القاعة التي شهدت أهم قرارات الشركة طوال أربعين عامًا.

فتح ياسر الباب.

ودخل.

وهناك…

كان عبدالرحمن السيوفي جالسًا وحده.

أمام الطاولة الطويلة.

ببدلته الرمادية المعتادة.

وكوب قهوة أمامه.

وكأنه في اجتماع عادي.

وليس في الليلة التي قد تدمر حياته.

رفع عينيه.

ونظر إلى الجميع.

ثم ابتسم.

ابتسامة غريبة.

وقال:

“اتأخرتوا.”

قالت سارة بحدة:

“كفاية لعب.”

لكن عبدالرحمن لم يغضب.

بل نظر إلى ياسر.

طويلًا.

ثم قال:

“كبرت.”

شعر ياسر بقشعريرة.

ثم أخرج عبدالرحمن صورة قديمة من درج المكتب.

ووضعها أمامه.

كانت نفس الصورة التي رأوها قبل ساعات.

صورة الأم الشابة.

والطفل.

والرجل.

قال بهدوء:

“أنا فعلاً أبوك.”

ساد الصمت.

لكن المفاجأة أن ياسر لم يبدُ مصدومًا.

كأنه استنزف كل طاقته على الصدمة بالفعل.

قال فقط:

“ليه؟”

أغمض عبدالرحمن عينيه للحظة.

ثم تنهد.

“لأن أمك كانت حب عمري.”

نظر إلى الصورة.

وتابع:

“لكن والدها رفض جوازنا.”

“وقال إني فقير.”

“وإني مش هقدر أوفر لها حياة كويسة.”

ثم ابتسم بسخرية مريرة.

“بعدها بشهور اتجوزت واحد تاني.”

رفع ياسر رأسه.

“محمود؟”

هز عبدالرحمن رأسه.

“لا.”

“راجل مات بعد سنة واحدة من جوازهم.”

ثم أكمل:

“بعد وفاته اكتشفت إنها حامل.”

سارة بدأت تفهم الصورة.

قال عبدالرحمن:

“كنت عايز أتجوزها.”

“وأربيك بنفسي.”

“لكنها رفضت.”

“ليه؟”

تنهد.

وقال:

“لأنها كانت تعرف حقيقتي.”

ساد الصمت.

“كانت تعرف إني مستعد أعمل أي حاجة عشان أوصل.”

ثم أضاف:

“وأي حاجة فعلًا معناها أي حاجة.”

نظرت سارة إلى منصور.

فوجدته يشيح بعينيه.

كأنه يعرف ما سيأتي.

قال ياسر:

“يعني إيه؟”

رد منصور هذه المرة.

“يعني إنه كان شريك حسن.”

تجمد الجميع.

حتى عبدالرحمن لم ينكر.

قال بهدوء:

“في البداية فقط.”

ثم أكمل:

“كنت صغير.”

“طماع.”

“وأعمى.”

“ولما حسن خطف الطفل؟”

هنا ظهرت أول علامة ألم حقيقية على وجه عبدالرحمن.

وقال:

“أنا ما كنتش أعرف.”

رفع ياسر صوته لأول مرة.

“كداب!”

ضرب بيده على الطاولة.

“أربعين سنة!”

“أربعين سنة وأنا ضايع!”

“وأنت عارف؟!”

لكن عبدالرحمن فتح درجًا آخر.

وأخرج ملفًا سميكًا.

ثم رماه أمام ياسر.

“اقرأ.”

فتح ياسر الملف.

وكل صفحة قلبها كانت تسحب اللون من وجهه أكثر.

تقارير تحريات.

بلاغات خاصة.

مذكرات بحث.

محققون خاصون.

سفر بين دول.

عمليات بحث استمرت عشرات السنين.

عبدالرحمن كان يبحث عنه.

طوال الوقت.

ولم يتوقف يومًا.

قال بصوت مكسور:

“دورت عليك في كل مكان.”

“لكن حسن كان سابقنا بخطوة دايمًا.”

ولأول مرة منذ بداية الليلة…

شعر ياسر بالتردد.

لكن الحقيقة الكاملة لم تكن ظهرت بعد.

لأن منصور وقف فجأة.

ثم نظر لعبدالرحمن.

وقال:

“قول لهم الجزء الأخير.”

ساد الصمت.

عبدالرحمن أغمض عينيه.

ثم قال:

“محمود ما كانش مجرد صديق.”

“كان أخويا.”

رفعت سارة رأسها بسرعة.

أما منصور فابتسم بحزن.

وقال:

“أخويا من الأم.”

ثم أكمل عبدالرحمن:

“ولما عرف إن الطفل ابني…”

“عرض يربيه باسمه.”

“ليه؟”

“عشان يحميه.”

ثم نظر مباشرة إلى ياسر.

“وكان بيعتبرك ابنه فعلًا.”

دمعت عينا ياسر لأول مرة.

لأنه تذكر الحاج محمود.

وتذكر كل مرة ابتسم له فيها.

وكل مرة وقف يتكلم معه في الممرات.

وكل مرة شعر فيها براحة غريبة بجواره دون أن يفهم السبب.

لكن فجأة…

قطع كل شيء صوت تصفيق بطيء.

تصفيق قادم من آخر القاعة.

التفت الجميع.

واتسعت عيونهم.

لأن الرجل الذي كان من المفترض أن يكون في الحجز…

كان واقفًا عند الباب.

حسن الدمنهوري.

غير مقيد.

ويحمل مسد..سًا في يده.

وقال بابتسامة مجنونة:

“يا سلام…”

“أخيرًا الحقيقة كلها خرجت.”

ثم رفع الس..لاح.

ووجهه مباشرة نحو ياسر.

وأضاف:

“بس للأسف…”

“مفيش حد هيخرج من هنا يحكيها.”

الفصل الأخير يتبع… حيث تنكشف الخيانة الأخيرة، ويسقط آخر قناع، ويُحسم مصير إمبراطورية الجندي إلى الأبد.

الفصل الأخير

 

تجمدت الأنفاس داخل قاعة مجلس الإدارة.

 

حسن الدمنهوري كان واقفًا عند الباب.

 

المس..دس ثابت في يده.

 

وعيناه تلمعان بذلك الجنون الذي لا يترك مجالًا للتفاوض.

 

أما ياسر فوقف في مكانه.

 

ينظر إليه دون أن يتحرك.

 

كأن أربعين سنة من الأسرار والخيانة والبحث انتهت أخيرًا عند هذه اللحظة.

 

ابتسم حسن ابتسامة واسعة وقال:

 

“عارفين إيه أكتر حاجة بتضحكني؟”

 

لم يرد أحد.

 

فأكمل:

 

“إنكم فاكرين إن العدالة بتنتصر في الآخر.”

 

ثم أشار بالمس..دس نحو الجميع.

 

“العدالة مجرد حكاية بنحكيها للناس عشان يناموا مرتاحين.”

 

اقترب خطوة.

 

ثم أخرى.

 

وقال:

 

“أنا بنيت نص الشركة دي.”

 

“وأنتوا سرقتوا عمري.”

 

رفع عبدالرحمن رأسه وقال بهدوء:

 

“إنت اللي سرقت نفسك يا حسن.”

 

ضحك حسن.

 

لكن الضحكة خرجت متكسرة.

 

مرهقة.

 

ضائعة.

 

كأنها تحمل وزن خمسين سنة من الكراهية.

 

قال:

 

“محمود أخد كل حاجة.”

 

“الشهرة.”

 

“النجاح.”

 

“الحب.”

 

“حتى احترام الناس.”

 

ثم أشار إلى ياسر.

 

“وأنت كنت الوريث.”

 

“كنت التهديد الوحيد.”

 

نظر إليه ياسر مباشرة وقال:

 

“كنت طفل.”

 

ارتعشت يد حسن للحظة.

 

ثم صاح:

 

“بالضبط!”

 

“طفل هيكبر وياخد كل حاجة!”

 

ساد الصمت.

 

ثم قال منصور:

 

“والنهارده؟”

 

“بعد كل اللي عملته؟”

 

“إيه اللي كسبته؟”

 

توقف حسن.

 

لأول مرة.

 

وكأنه يسأل نفسه السؤال نفسه.

 

إيه اللي كسبه فعلًا؟

 

لا عائلة.

 

لا أصدقاء.

 

لا أبناء.

 

لا أحد يحبه.

 

ولا حتى شركة أصبحت ملكه.

 

مجرد رجل عجوز يطارده ماضيه.

 

لكن الكراهية كانت أقوى من الندم.

 

فرفع المس..دس مجددًا.

 

ووجهه إلى ياسر.

 

وقال:

 

“على الأقل هخلص من آخر غلطة.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

انطلق صوت قوي في القاعة.

 

لكن لم يكن صوت الرصاصة.

 

بل صوت جهاز إنذار الطوارئ.

 

ثم انفتحت أبواب القاعة دفعة واحدة.

 

ودخلت قوات الشرطة.

 

وعناصر الأمن.

 

من كل اتجاه.

 

تجمد حسن.

 

ونظر حوله بصدمة.

 

أما سارة فابتسمت لأول مرة منذ ساعات.

 

وقالـت:

 

“كنت فاكر إني هاجي هنا من غير خطة؟”

 

اتسعت عينا حسن.

 

فأكملت:

 

“أول ما خرجنا من المخزن بلغت الشرطة بكل حاجة.”

 

“وسجلت كل اعترافاتك.”

 

شحب وجهه.

 

ثم نظر إلى عبدالرحمن.

 

ثم إلى منصور.

 

ثم إلى ياسر.

 

وأخيرًا إلى الأرض.

 

كأن كل شيء انتهى فجأة.

 

سقط المس..دس من يده.

 

بصوت معدني بارد.

 

ولأول مرة منذ خمسين سنة…

 

انهار.

 

جلس على ركبتيه.

 

وغطى وجهه بيديه.

 

بينما اقترب الضباط وقيدوه.

 

انتهت اللعبة.

 

أخيرًا.

 

—

 

مرت ستة أشهر.

 

وتغيرت أشياء كثيرة.

 

أكثر مما توقع الجميع.

 

أُغلقت القضايا القديمة.

 

وأُعيد فتح التحقيقات.

 

واستردت الشركة أموالًا وأصولًا كانت مخفية منذ عقود.

 

أما حسن الدمنهوري…

 

فصدر بحقه حكم طويل أنهى ما تبقى من حياته خلف القضبان.

 

—

 

أما عبدالرحمن…

 

فترك منصبه بنفسه.

 

وقال أمام مجلس الإدارة:

 

“قضيت عمري أحاول أصلح أخطاء الماضي.”

 

“وحان وقت شخص غيري يقود المستقبل.”

 

—

 

أما منصور…

 

فانتقل إلى منزل صغير هادئ بجوار البحر.

 

وأصبح يقضي أيامه في القراءة والصيد.

 

لأول مرة منذ نصف قرن.

 

دون خوف.

 

ودون أسرار.

 

—

 

أما سارة…

 

فأصبحت الرئيسة الجديدة للمجموعة.

 

لكنها لم تنس الحاج محمود.

 

أبدًا.

 

أول قرار اتخذته كان إنشاء مؤسسة خيرية باسمه.

 

لدعم العمال وأسرهم.

 

وثاني قرار كان وضع صورة كبيرة له في مدخل الشركة.

 

لكن ليس ببدلته القديمة كرجل أعمال.

 

بل بزي البواب الرمادي.

 

نفس الزي الذي أحبه.

 

—

 

وفي يوم الافتتاح…

 

وقف الموظفون جميعًا أمام الصورة.

 

صامتين.

 

متأثرين.

 

كثير منهم تذكر كيف كان يعامله.

 

وكثير منهم شعر بالخجل.

 

أما سارة فاقتربت من الصورة.

 

ولمست الإطار برفق.

 

وقالت:

 

“علمتني إن قيمة الإنسان مش في منصبه.”

 

“ولا في فلوسه.”

 

“ولا في اسمه.”

 

“لكن في قلبه.”

 

—

 

وفي تلك اللحظة…

 

وقف ياسر بجوارها.

 

نظر إلى صورة الرجل الذي لم يكن أباه بالدم.

 

لكنه كان أباه بكل معنى آخر.

 

وقال بصوت منخفض:

 

“أنا قضيت عمري أدور على أب.”

 

ثم ابتسم.

 

وأضاف:

 

“ومكتشفتش غير متأخر إنه كان واقف جنبي طول الوقت.”

 

—

 

امتلأت عينا سارة بالدموع.

 

ونظرت إلى الصورة مرة أخيرة.

 

كان الحاج محمود ما يزال مبتسمًا فيها.

 

نفس الابتسامة الهادئة.

 

التي لم يفهمها أحد لسنوات طويلة.

 

أما الآن…

 

فالجميع فهم.

 

لأن أغنى رجل في الشركة لم يكن يملك المال فقط.

 

بل كان يملك شيئًا أندر بكثير.

 

كان يملك إنسانية لم يستطع الزمن ولا الخيانة ولا السلطة أن تسرقها منه.

 

وهكذا انتهت الحكاية.

 

حكاية البواب الذي ظنه الجميع رجلًا بسيطًا…

 

بينما كان في الحقيقة أعظم رجل مرّ من أبواب الشركة كلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *