فستان امي حكايات أسما

مرات ابويا مصممه تلبس فستان فرح أمي اللي كنت محتفظة بي ليوم فرحي كزكري من أمي كاي بنت طبيعيه ..ولما اعترضت سلطت ابويا عليا واخدته بردو بالعافيه..ساعتها قررت اعلمها درس عمرها كله علشان تحرم تلعب معايا..

توفيت أمي عندما كنت في الثانية عشرة من عمري بعد صراع طويل مع المرض.

 

ومنذ ذلك اليوم…

 

أصبح فستان زفافها أثمن ما أملك.

 

لم يكن مجرد قطعة قماش بيضاء.

 

كان ذكرى.

 

كان جزءًا من أمي.

 

كان الشيء الوحيد الذي كنت أحلم بارتدائه يوم زفافي لأشعر أنها ما زالت معي.

 

بعد دخولي الجامعة وانتقالي للعيش في شقة صغيرة بالقاهرة، بقيت بعض أغراضي الثمينة في منزل والدي بمدينة الإسكندرية.

 

ومن بينها…

 

فستان أمي.

 

قبل ثلاث سنوات، تعرّف والدي على امرأة تُدعى ريهام.

 

كانت أصغر منه بعشر سنوات.

 

جميلة.

 

واثقة من نفسها.

 

لكنها كانت من النوع الذي يريد السيطرة على كل شيء.

 

في البداية حاولت أن أتقبل وجودها.

 

لأن والدي بدا سعيدًا معها.

 

لكن مع مرور الوقت بدأت تغيّر كل شيء في المنزل.

 

الأثاث.

 

الستائر.

 

الصور.

 

حتى الأشياء التي كانت أمي تحبها اختفت واحدة تلو الأخرى.

 

وكأنها تحاول محو أي أثر لها.

 

في عطلة نهاية الأسبوع الماضية عدت إلى المنزل للمشاركة في التحضيرات الأخيرة لحفل زفافهما.

 

وفي مساء ذلك اليوم اجتمعت العائلة داخل قاعة صغيرة لمراجعة الترتيبات النهائية.

 

كنت أتحدث مع خالتي عندما لاحظت حركة غير عادية بين الحضور.

 

التفتُّ نحو المدخل.

 

وتجمدت في مكاني.

 

كانت ريهام تدخل القاعة…

 

مرتدية فستان زفاف أمي.

 

شعرت بأن الهواء اختفى من حولي.

 

في البداية ظننت أنني أتخيل.

 

لكن لا.

 

كنت أعرف ذلك الفستان جيدًا.

 

كل غرزة فيه.

 

كل تفصيلة.

 

كل ذكرى مرتبطة به.

 

اقتربت منهما بهدوء.

 

ثم سألت:

 

“ريهام… إنتِ لابسة فستان ماما؟”

 

ابتسمت بثقة وقالت:

 

“آه. لقيته في الدولاب فوق. بصراحة فستان جميل جدًا.”

 

حدقت فيها غير مصدقة.

 

ثم قلت:

 

“ده فستان أمي. ومش من حقك تفتحي حاجتي أصلًا.”

 

تنهدت بضيق وكأنني أزعجتها.

 

ثم قالت أمام الجميع:

 

“بصراحة؟ الفستان حلو جدًا ومش منطقي يفضل متخزن كل السنين دي. وبعدين… لايق عليا أكتر.”

 

شعرت وكأنها صفعتني أمام الجميع.

 

أما والدي…

 

فاكتفى بالصمت.

 

ثم قال محاولًا تهدئة الموقف:

 

“خلاص يا بنتي. الفرح بعد كام يوم وكل حاجة اتجهزت.”

 

في تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا.

 

لا أحد سيعيد لي حق أمي.

 

إلا أنا.

 

لذلك ابتسمت.

 

ووافقت.

 

وتركتهم يعتقدون أنني استسلمت.

 

لكن الحقيقة…

 

أنني كنت قد وضعت خطة كاملة بالفعل.

 

—

 

جاء يوم الزفاف.

 

امتلأت القاعة بالضيوف.

 

الأضواء تلمع.

 

والموسيقى تعلو.

 

وكان الجميع ينتظر ظهور العروس.

 

دخل والدي أولًا وسط التصفيق.

 

ثم ظهرت ريهام.

 

مرتفعة الرأس.

 

تتباهى بفستان أمي أمام الجميع.

 

لكن بعد دقائق…

 

فتحت أبواب القاعة مرة أخرى.

 

ودخلت أنا.

 

فتحوّلت كل الأنظار نحوي.

 

ساد الصمت.

 

ثم بدأت الهمسات.

 

أما ريهام…

 

فحدقت بي من رأسي حتى قدمي.

 

واتسعت عيناها فجأة.

 

ثم صرخت بغضب:

 

“إنتِ إزاي تعملي كده؟!”

 

وعندها فقط…

 

عرفت أن خطتي نجحت.

 

يتبع…

اتسعت عينا ريهام وهي تحدق بي وسط القاعة المزدحمة.

 

أما الضيوف فبدأوا يلتفتون بيني وبينها في حيرة.

 

والسبب كان بسيطًا جدًا.

 

كنت أحمل بين يدي إطارًا خشبيًا كبيرًا.

 

داخل الإطار صورة ضخمة لأمي يوم زفافها.

 

نفس الفستان.

 

نفس الابتسامة.

 

نفس النظرة الهادئة التي كنت أحفظها عن ظهر قلب.

 

وقفت في منتصف القاعة.

 

ورفعت الصورة أمام الجميع.

 

ثم ابتسمت بهدوء.

 

أما ريهام فاحمر وجهها بالكامل.

 

لأن المقارنة كانت قاسية.

 

لم أحتج إلى صراخ.

 

لم أحتج إلى شجار.

 

مجرد وجود صورة أمي بجوارها وهي ترتدي الفستان نفسه جعل كل الموجودين يفهمون الحقيقة.

 

بدأت الهمسات تنتشر بسرعة.

 

“ده فستان أم البنت.”

 

“معقول لبسته؟”

 

“غريبة أوي.”

 

“أنا لو مكانها ما كنتش عملتها.”

 

شعرت ريهام أن الأرض تهتز تحت قدميها.

 

أما والدي فبدا مرتبكًا للمرة الأولى.

 

اقتربت من منصة العروسين.

 

وضعت الصورة على حامل كبير كنت قد جهزته مسبقًا.

 

ثم أمسكت الميكروفون.

 

ساد الصمت.

 

قالت ريهام بعصبية:

 

“إنتِ بتعملي إيه؟”

 

ابتسمت.

 

ثم قلت:

 

“بكرم أمي.”

 

لم يستطع أحد الاعتراض على الجملة.

 

تابعت بهدوء:

 

“أمي ماتت وأنا عندي اتناشر سنة.”

 

سكتت القاعة بالكامل.

 

“والنهارده بما إن الكل مجتمع… حبيت أخليها موجودة معانا.”

 

بدأت بعض السيدات تمسح دموعها.

 

أما ريهام فكانت تنظر لي بغيظ واضح.

 

ثم أكملت:

 

“الصورة دي اتصورت في يوم فرحها.”

 

أشرت نحو الفستان.

 

“ونفس الفستان موجود هنا النهارده.”

 

ازدادت الهمسات أكثر.

 

وشعرت أن ريهام على وشك الانفجار.

 

لكنني لم أكن انتهيت.

 

أبدًا.

 

لأن ما فعلته لم يكن سوى البداية.

 

—

 

قبل أسبوع من الزفاف.

 

بعد أن رأيتها ترتدي فستان أمي.

 

عدت إلى غرفتي القديمة وأنا أبكي من الغضب.

 

كنت أشعر بالعجز.

 

والألم.

 

والخيانة.

 

ليس فقط من ريهام.

 

بل من والدي أيضًا.

 

كيف سمح بذلك؟

 

كيف وقف صامتًا؟

 

كيف رأى فستان زوجته الراحلة فوق جسد امرأة أخرى ولم يعترض؟

 

جلست ساعات طويلة أفكر.

 

وفي لحظة معينة.

 

أدركت شيئًا.

 

المشكلة لم تكن الفستان.

 

بل الكذبة.

 

ريهام كانت تحاول أن تظهر وكأنها صاحبة المكان.

 

وكأنها صاحبة التاريخ.

 

وكأنها صاحبة الذكريات.

 

لذلك قررت أن أجعل الجميع يتذكرون صاحبة الفستان الحقيقية.

 

قضيت أيامًا كاملة أجمع الصور.

 

اتصلت بخالتي.

 

وبصديقات أمي القديمات.

 

وبعض أقاربنا.

 

وجمعت عشرات الصور النادرة.

 

ثم صنعت عرضًا كاملًا.

 

ولم أخبر أحدًا.

 

—

 

بعد انتهاء كلمتي على المسرح.

 

أعطيت إشارة بسيطة لفني الصوت.

 

فأُطفئت الأنوار.

 

تجمدت ريهام.

 

والتفت الجميع نحو الشاشة العملاقة خلف منصة الزفاف.

 

ظهرت أول صورة.

 

أمي وهي تضحك.

 

ثم صورة أخرى.

 

ثم ثالثة.

 

ثم مقاطع فيديو قديمة.

 

أعياد ميلاد.

 

رحلات.

 

لحظات عائلية.

 

وأبي يظهر بجوارها في معظمها.

 

بدأت القاعة تذوب عاطفيًا.

 

حتى والدي نفسه جلس مكانه دون حركة.

 

ينظر إلى الشاشة.

 

وكأنه يرى حياته القديمة للمرة الأولى منذ سنوات.

 

ثم ظهر تسجيل لم أكن أعرف بوجوده حتى أرسلته لي خالتي.

 

فيديو قصير لأمي.

 

كانت تنظر للكاميرا وتضحك.

 

ثم تقول:

 

“لو بنتي كبرت وشافت الفيديو ده… أحب أقول لها إني بحبها قوي.”

 

شعرت أن قلبي توقف.

 

والقاعة كلها صمتت.

 

أما والدي…

 

فأخفض رأسه فجأة.

 

ورأيت دموعًا حقيقية في عينيه.

 

لأول مرة منذ وفاة أمي.

 

—

 

انتهى العرض.

 

وعادت الإضاءة.

 

لكن شيئًا تغير.

 

الجميع صار ينظر إلى الفستان بطريقة مختلفة.

 

لم يعد مجرد فستان جميل.

 

بل أصبح ذكرى امرأة حقيقية.

 

امرأة أحبها الجميع.

 

امرأة لا يمكن استبدالها.

 

اقتربت إحدى عماتي من ريهام.

 

وقالت بصوت سمعه كثيرون:

 

“الله يرحمها… كانت إنسانة جميلة.”

 

ابتسمت ريهام ابتسامة متوترة.

 

لكنها لم تجد ما تقوله.

 

ثم جاءت ضربة أخرى لم تكن تتوقعها.

 

وقفت خالتي.

 

وأمسكت الميكروفون.

 

وقالت:

 

“في حاجة لازم تتقال.”

 

نظرت إليها باستغراب.

 

حتى أنا لم أكن أعرف ما ستفعله.

 

ابتسمت خالتي.

 

ثم قالت:

 

“الفستان ده كان أمانة.”

 

ساد الصمت.

 

“وأختي كانت دايمًا تقول إنها نفسها بنتها تلبسه يوم فرحها.”

 

اختفى اللون من وجه ريهام.

 

أما الضيوف فبدأوا ينظرون إليها باستنكار واضح.

 

قالت ريهام بسرعة:

 

“أنا ما كنتش أعرف.”

 

لكن المشكلة أنها كانت تعرف.

 

لأنني أخبرتها بنفسي.

 

وأمام الجميع.

 

—

 

وقفت.

 

ثم قلت بهدوء:

 

“بالعكس يا ريهام.”

 

التفت الجميع نحوي.

 

وأكملت:

 

“أنا قلت لك إنه أغلى حاجة عندي.”

 

صمت.

 

“وقلت لك إني محتفظة بيه علشان يوم فرحي.”

 

صمت آخر.

 

ثم قلت:

 

“وأنتِ أخدتيه رغم رفضي.”

 

لم أرفع صوتي.

 

ولم أصرخ.

 

لكن الحقيقة عندما تُقال بهدوء تكون أقوى أحيانًا من ألف صرخة.

 

بدأت بعض السيدات تهز رؤوسها باستنكار.

 

أما ريهام فبدت محاصرة.

 

لأنها لم تعد تستطيع تمثيل دور الضحية.

 

—

 

وفجأة…

 

حدث شيء لم أتوقعه.

 

وقف أبي.

 

ببطء.

 

وأمسك الميكروفون.

 

ساد صمت كامل.

 

حتى الموسيقى توقفت.

 

نظر إليّ أولًا.

 

ثم إلى الصورة الكبيرة لأمي.

 

ثم إلى ريهام.

 

وبدا أكبر بعشر سنوات دفعة واحدة.

 

قال بصوت مبحوح:

 

“أنا غلطت.”

 

تجمدت القاعة.

 

وتجمدت أنا أيضًا.

 

لأن أبي لم يكن من الرجال الذين يعتذرون بسهولة.

 

أبدًا.

 

أكمل:

 

“البنت عندها حق.”

 

بدأت ملامح ريهام تتغير.

 

قال:

 

“كان لازم أسمع كلامها.”

 

ثم التفت نحوها.

 

وأضاف:

 

“وكان لازم الفستان يفضل مكانه.”

 

شحب وجه ريهام بالكامل.

 

وقالت بعصبية:

 

“يعني إيه؟”

 

نظر إليها.

 

ولأول مرة لم يحاول إرضاءها.

 

“يعني بعد الفرح هيرجع لصاحبته.”

 

ساد الصمت.

 

ثم انطلقت همسات جديدة في القاعة.

 

أما أنا…

 

فلم أصدق ما أسمع.

 

—

 

انتهى الحفل بشكل مرتبك.

 

لكن المفاجآت لم تنتهِ.

 

في اليوم التالي.

 

اتصل بي أبي.

 

وطلب أن يراني.

 

ذهبت وأنا لا أعرف ماذا أتوقع.

 

جلسنا في غرفة المعيشة القديمة.

 

المكان نفسه الذي كانت أمي تجلس فيه كل مساء.

 

بقي صامتًا فترة طويلة.

 

ثم قال:

 

“أنا آسف.”

 

شعرت أن الكلمات خرجت بصعوبة شديدة.

 

لكنه قالها.

 

وأكمل:

 

“بعد ما أمك ماتت… كنت بحاول أهرب من الوجع.”

 

خفض رأسه.

 

“ولما ريهام دخلت حياتي… سمحت لها تغير حاجات كتير.”

 

سكت قليلًا.

 

ثم قال:

 

“بس الحقيقة إني أنا اللي سمحت بده.”

 

لم أتكلم.

 

تركته يكمل.

 

قال:

 

“كل صورة اتشالت.”

 

“كل ذكرى اختفت.”

 

“كل مرة سكت فيها.”

 

“كانت غلطة مني.”

 

ثم فتح درج الطاولة.

 

وأخرج صندوقًا خشبيًا قديمًا.

 

وضعه أمامي.

 

سألته:

 

“إيه ده؟”

 

قال:

 

“حاجات أمك.”

 

فتحت الصندوق.

 

فوجدت عشرات الرسائل.

 

وصورًا قديمة.

 

وخاتمًا صغيرًا.

 

ومذكرات بخط يدها.

 

وبكيت.

 

بكيت كما لم أبكِ منذ سنوات.

 

لأنني شعرت أن جزءًا من أمي عاد إليّ.

 

—

 

بعد أسابيع قليلة.

 

انفصل أبي عن ريهام.

 

ليس بسبب الفستان وحده.

 

بل لأن الحادثة كشفت أشياء كثيرة.

 

سنوات من السيطرة.

 

والأنانية.

 

وعدم الاحترام.

 

وأخيرًا رأى ما كنت أراه أنا منذ البداية.

 

أما الفستان…

 

فعاد إليّ.

 

نظفته بعناية.

 

ووضعته داخل صندوق حفظ خاص.

 

وفي كل مرة أفتحه.

 

لا أفكر في ريهام.

 

ولا في المشكلة.

 

ولا في الزفاف.

 

أفكر فقط في أمي.

 

في ضحكتها.

 

وفي حضنها.

 

وفي الحب الذي تركته خلفها.

 

—

 

وبعد عامين…

 

جاء يوم فرحي الحقيقي.

 

وقفت أمام المرآة.

 

والفستان الأبيض يحيط بي.

 

الفستان نفسه.

 

فستان أمي.

 

لكن هذه المرة…

 

لم يكن أحد يحاول سرقته.

 

ولا أحد يحاول انتزاعه مني.

 

دخل أبي الغرفة.

 

نظر إليّ.

 

ثم تجمد مكانه.

 

وامتلأت عيناه بالدموع.

 

لأنني كنت أشبه أمي بشكل لم يره منذ سنوات طويلة.

 

اقترب.

 

وقبّل رأسي.

 

ثم قال بصوت مرتجف:

 

“أمك كانت هتبقى فخورة بيكي.”

 

ابتسمت وسط دموعي.

 

وأجبت:

 

“وأنت كمان يا بابا.”

 

وفي تلك اللحظة…

 

شعرت أن أمي موجودة.

 

ليس في الفستان.

 

بل في الذكرى.

 

وفي الحب.

 

وفي الدرس الذي تعلمته للأبد:

 

بعض الأشياء لا تساوي قيمتها المال.

 

ولا يمكن لأحد أن يأخذها بالقوة.

 

لأن قيمتها الحقيقية تعيش داخل قلوبنا.

 

النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *