القميص الابيض حكايات اسما ×4

الفصل العاشر: الطفلة

 

“لاااااا!”

 

مزقت صرخة ليلى سكون الصحراء.

 

اندفعت للأمام دون تفكير.

 

لكن سيف أمسك بذراعها بقوة.

 

“استني!”

 

كانت ترتجف بالكامل.

 

تبكي.

 

وتحاول الإفلات منه.

 

“سيبني!”

 

“الطفلة!”

 

“سيبني يا سيف!”

 

لكن سيف لم يتركها.

 

لأنه رأى ما رأته.

 

ورأى أيضًا الس*لاح المصوب إلى رأس الطفلة.

 

أي حركة خاطئة…

 

وأي اندفاع عاطفي…

 

قد ينهي كل شيء.

 

—

 

وقف الرجل وسط الساحة الترابية.

 

ملثم الوجه.

 

يمسك الطفلة بيد.

 

والس*لاح باليد الأخرى.

 

أما الطفلة…

 

فكانت تبكي بصمت.

 

مرعوبة.

 

لكنها لم تصرخ.

 

كأن الخوف أكبر من قدرتها على البكاء.

 

قال الرجل بصوت مرتفع:

 

“ليلى!”

 

شعرت بقلبها يخبط داخل صدرها.

 

“أنا هنا.”

 

قال:

 

“تعالي لوحدك.”

 

صرخ سيف فورًا:

 

“مستحيل.”

 

ضحك الرجل.

 

ثم ضغط السل*اح أكثر على رأس الطفلة.

 

فتجمد الجميع.

 

حتى رجال الأمن.

 

قال:

 

“واضح إنك لسه مش بتفهم.”

 

—

 

في تلك اللحظة…

 

نظرت الطفلة نحو ليلى.

 

فقط.

 

ثم همست كلمة واحدة.

 

كلمة لم يسمعها أحد غيرها.

 

لكن ليلى قرأتها بوضوح من حركة شفتيها.

 

“خالتو.”

 

توقفت أنفاسها.

 

وسقطت دموعها فورًا.

 

لأن أحدًا لم يكن يعرف.

 

لا أحد.

 

إلا إذا كانت الطفلة فعلًا ابنة مريم.

 

شعرت أن العالم كله اختفى.

 

ولم يبقَ سوى تلك الطفلة الصغيرة.

 

—

 

قال الرجل:

 

“قدامك دقيقة.”

 

“إما تيجي لوحدك.”

 

“أو البنت تموت.”

 

ساد الصمت.

 

أما سيف…

 

فبدأ يفكر بسرعة.

 

أسرع من أي وقت مضى.

 

المسافة.

 

الزاوية.

 

أماكن القناصة.

 

موقع الرجل.

 

كل شيء.

 

لكنه لم يجد فرصة آمنة.

 

ولا واحدة.

 

ثم شعر بحركة بجواره.

 

التفت.

 

وكانت ليلى تسحب ذراعها منه.

 

بهدوء هذه المرة.

 

لا بعنف.

 

ولا بهستيريا.

 

نظرت إليه.

 

والدموع تملأ عينيها.

 

وقالت:

 

“لازم أروح.”

 

هز رأسه فورًا.

 

“لأ.”

 

“سيف.”

 

“لأ.”

 

“لو كانت بنت أختي…”

 

“لأ.”

 

كانت هذه أول مرة يرفع صوته عليها.

 

وأول مرة يبدو خائفًا إلى هذه الدرجة.

 

قال:

 

“أنا مش هسمحلك.”

 

نظرت إليه طويلًا.

 

ثم همست:

 

“وأنا مش هسمح لطفلة تموت قدامي.”

 

شعر بالعجز.

 

العجز الحقيقي.

 

—

 

ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.

 

جاء صوت من خلف المبنى.

 

صوت امرأة.

 

تصرخ.

 

“سيبها!”

 

تجمد الجميع.

 

حتى الرجل المسلح.

 

ثم ظهرت امرأة تركض.

 

شعرها مبعثر.

 

ملابسها ممزقة.

 

وجهها شاحب.

 

لكن ليلى عرفتها فورًا.

 

حتى قبل أن ترى ملامحها كاملة.

 

عرفتها.

 

لأن القلب أحيانًا يعرف قبل العين.

 

صرخت:

 

“مريم!”

 

توقفت المرأة.

 

ثم بدأت تبكي.

 

بشكل هستيري.

 

وقالت:

 

“ليلى!”

 

شعرت ليلى أن ساقيها لم تعودا تحملانها.

 

عشر سنوات.

 

عشر سنوات كاملة.

 

وفجأة…

 

أختها تقف أمامها.

 

حية.

 

وحقيقية.

 

وليست ذكرى.

 

ولا صورة.

 

ولا حلمًا.

 

—

 

لكن الفرحة لم تكتمل.

 

لأن الرجل الملثم أمسك مريم بعنف.

 

وجذبها نحوه.

 

ثم صرخ:

 

“ولا خطوة!”

 

توقفت مريم.

 

لكنها كانت تبكي.

 

وتنظر إلى ليلى فقط.

 

وقالت:

 

“خدي البنت.”

 

“أرجوكي.”

 

“خدي بنتي.”

 

شعرت ليلى أن قلبها يتمزق.

 

أما سيف…

 

فلاحظ شيئًا.

 

شيئًا مهمًا جدًا.

 

الرجل الملثم أصبح مشتتًا.

 

ينظر إلى مريم.

 

وإلى الطفلة.

 

وإلى رجال الأمن.

 

في الوقت نفسه.

 

وهذه أول ثغرة منذ بداية المواجهة.

 

رفع سيف عينيه نحو أحد القناصة فوق التل البعيد.

 

ثم أعطاه إشارة صغيرة جدًا.

 

إشارة لم يلاحظها أحد.

 

إلا القناص.

 

—

 

مرت ثانيتان.

 

ثم ثلاث.

 

ثم أربع.

 

بدا الزمن بطيئًا بشكل مؤلم.

 

ثم…

 

دوّى صوت طلقة واحدة.

 

طلقة مختلفة.

 

قادمة من بعيد.

 

وفي اللحظة التالية…

 

سقط الس*لاح من يد الرجل.

 

وصرخ.

 

ثم هوى على الأرض.

 

واندفع رجال الأمن نحوه.

 

في أقل من ثانية.

 

انتهى كل شيء.

 

—

 

ركضت ليلى.

 

ركضت كما لم تركض في حياتها.

 

تجاوزت الجميع.

 

وتجاوزت رجال الأمن.

 

وتجاوزت سيف نفسه.

 

حتى وصلت إلى مريم.

 

ثم ارتمت الاثنتان في أحضان بعضهما.

 

وبكتا.

 

بكاء عشر سنوات كاملة.

 

عشر سنوات من الفقد.

 

والحنين.

 

والأسئلة.

 

والوجع.

 

خرجت كلها دفعة واحدة.

 

أما الطفلة…

 

فكانت تقف بجوارهما.

 

تبكي هي الأخرى.

 

حتى حملتها ليلى بين ذراعيها.

 

وقالت وهي تبكي:

 

“أنا خالتك.”

 

فابتسمت الطفلة لأول مرة.

 

—

 

لكن بينما كان الجميع منشغلين بالمشهد…

 

اقترب أحد رجال الأمن من سيف.

 

وكان وجهه متوترًا.

 

قال بصوت منخفض:

 

“يا فندم.”

 

التفت سيف.

 

فأعطاه الرجل بطاقة هوية سقطت من جيب الخاطف أثناء القبض عليه.

 

نظر سيف إليها.

 

ثم شحب وجهه بالكامل.

 

قال الرجل:

 

“حضرتك تعرفه؟”

 

لكن سيف لم يجب.

 

لأنه كان يعرفه.

 

ويعرفه جيدًا.

 

بل كان يعمل معه منذ سنوات.

 

ومن الأشخاص الذين يثق بهم.

 

وأدرك في تلك اللحظة…

 

أن ما حدث لم يكن مجرد خطف.

 

ولا مجرد ابتزاز.

 

بل جزء من مؤامرة أكبر بكثير.

 

مؤامرة بدأت داخل شركته نفسها.

 

والاسم الموجود على البطاقة…

 

كان كافيًا ليجعل سيف يفهم أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد.

 

يتبع…

الفصل الحادي عشر: الخائن داخل الإمبراطورية

 

ظل سيف ينظر إلى بطاقة الهوية.

 

ثانية.

 

ثم ثانية أخرى.

 

حتى شعر رجل الأمن بالقلق.

 

وقال:

 

“حضرتك كويس؟”

 

رفع سيف رأسه ببطء.

 

لكن ملامحه كانت مختلفة تمامًا.

 

أكثر برودة.

 

وأخطر.

 

لأن الاسم المكتوب أمامه لم يكن اسم موظف عادي.

 

ولا حارس.

 

ولا شخصًا يمكن استبداله بسهولة.

 

بل كان:

 

محمود الشناوي.

 

مدير الشؤون المالية في مجموعة الحديدي.

 

الرجل الذي يعمل معه منذ سبع سنوات.

 

الرجل الذي كان يدخل مكتبه دون موعد.

 

ويملك صلاحيات لا يحصل عليها إلا أكثر الناس ثقة.

 

شعر سيف أن الدم يغلي في عروقه.

 

وقال بهدوء مخيف:

 

“هاتوهولي.”

 

—

 

في تلك الأثناء…

 

كانت ليلى لا تزال تحتضن مريم.

 

غير قادرة على تصديق أن أختها أمامها.

 

حية.

 

بعد كل هذه السنوات.

 

كل الأسئلة التي حملتها داخلها.

 

كل الليالي التي بكت فيها.

 

كل المرات التي زارت قبرًا فارغًا ظنًا أنه يخص أختها.

 

كل ذلك انهار في لحظة واحدة.

 

قالت وهي تمسك وجه مريم بين يديها:

 

“فين كنتِ؟”

 

بدأت مريم تبكي من جديد.

 

وقالت:

 

“كنت بحاول أرجع.”

 

“أقسم بالله كنت بحاول.”

 

“بس ماعرفتش.”

 

شعرت ليلى بأن قلبها يتمزق.

 

لكنها لم تسأل أكثر.

 

ليس الآن.

 

لأن مجرد وجود أختها كان معجزة بحد ذاته.

 

أما الطفلة…

 

فكانت تمسك طرف ملابس أمها.

 

وتراقب المشهد بعيون واسعة.

 

ثم نظرت إلى ليلى.

 

وسألت بخجل:

 

“إنتِ فعلًا خالتي؟”

 

انهمرت دموع ليلى من جديد.

 

ثم جثت على ركبتيها.

 

وقالت:

 

“أيوة يا حبيبتي.”

 

فابتسمت الطفلة.

 

وكانت تلك الابتسامة كافية لتجعل سنوات الألم كلها تبدو أقل قسوة.

 

—

 

بعد ساعتين…

 

عاد الجميع إلى القصر.

 

تم نقل مريم والطـفلة إلى جناح آمن.

 

وزادت الحراسة في كل مكان.

 

أما سيف…

 

فدخل مكتبه وأغلق الباب.

 

ثم طلب اجتماعًا عاجلًا.

 

في منتصف الليل.

 

وهو أمر لم يكن يحدث إلا في الكوارث.

 

—

 

عند الواحدة صباحًا…

 

دخل محمود الشناوي.

 

بابتسامته المعتادة.

 

وربطة عنقه المرتبة.

 

وثقته المعهودة.

 

وقال:

 

“خير يا باشا؟”

 

رفع سيف عينيه نحوه.

 

ولم يطلب منه الجلوس.

 

وهنا فقط بدأ محمود يشعر بأن شيئًا غير طبيعي.

 

قال:

 

“في مشكلة؟”

 

أخرج سيف بطاقة الهوية.

 

ووضعها فوق المكتب.

 

ثم دفعها نحوه.

 

نظر محمود إليها.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

اختفى اللون من وجهه.

 

لمدة ثانية واحدة فقط.

 

لكنها كانت كافية.

 

كافية جدًا.

 

قال سيف بهدوء:

 

“عايز تفسير.”

 

حاول محمود السيطرة على نفسه.

 

ثم قال:

 

“مش فاهم.”

 

ابتسم سيف.

 

لكنها لم تكن ابتسامة.

 

كانت تحذيرًا.

 

وقال:

 

“وأنا كمان كنت فاكر إني فاهمك.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أضاف:

 

“آخر فرصة.”

 

شعر محمود أن الأمور خرجت عن السيطرة.

 

وقال بسرعة:

 

“أنا ماليش دعوة بالخطف.”

 

رفع سيف حاجبه.

 

“أنا ما جبتش سيرة خطف.”

 

وهنا…

 

عرف محمود أنه أخطأ.

 

خطأ قاتل.

 

—

 

في اللحظة التالية…

 

فتح الباب.

 

ودخل رجال الأمن.

 

أحاطوا بمحمود فورًا.

 

فصرخ:

 

“إنتوا مجانين!”

 

لكن أحدًا لم يرد.

 

أما سيف…

 

فبقي جالسًا.

 

ينظر إليه فقط.

 

وقال:

 

“أنا لسه حتى ما بدأتش أسأل.”

 

—

 

وبعد ساعة من التحقيق…

 

انهار محمود.

 

كما ينهار أغلب الناس عندما يكتشفون أن اللعبة انتهت.

 

اعترف بكل شيء تقريبًا.

 

بالأموال.

 

والرشاوى.

 

والتجسس.

 

والتقارير التي كان يسرقها من الشركة.

 

لكن الصدمة الحقيقية جاءت في النهاية.

 

قال:

 

“أنا ما كنتش المسؤول.”

 

شعر سيف بالتوتر يعود.

 

“مين كان المسؤول؟”

 

ابتلع محمود ريقه.

 

ثم قال:

 

“واحدة ست.”

 

ساد الصمت.

 

أكمل:

 

“هي اللي كانت بتدير كل حاجة.”

 

“وهي اللي أمرت بخطف البنت.”

 

“وهي اللي كانت عايزة تضغط على ليلى.”

 

شعر سيف بقشعريرة باردة.

 

ثم قال:

 

“اسمها.”

 

تردد محمود.

 

ثم نطق الاسم.

 

وعندها…

 

تجمد سيف بالكامل.

 

لأن الاسم لم يكن غريبًا.

 

بل كان اسم شخص يعرفه جيدًا.

 

شخص يدخل بيته منذ سنوات.

 

وشخص لم يشك فيه يومًا.

 

شخص كانت ليلى نفسها تثق به.

 

همس سيف:

 

“مستحيل…”

 

لكن محمود هز رأسه.

 

وقال:

 

“للأسف دي الحقيقة.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

رن هاتف سيف.

 

نظر إلى الشاشة.

 

ثم شعر بأن قلبه توقف.

 

لأن المتصل كان:

 

ليلى.

 

وحين أجاب…

 

لم يسمع صوتها.

 

بل سمع صراخًا.

 

ثم انقطع الخط.

 

يتبع…

الفصل الثاني عشر: الصرخة

 

“ليلى!”

 

قفز سيف واقفًا.

 

لكن الخط كان قد انقطع.

 

تمامًا.

 

أعاد الاتصال فورًا.

 

مرة.

 

ثم مرتين.

 

ثم عشر مرات.

 

لا إجابة.

 

شعر بشيء بارد يمر في عروقه.

 

ذلك الشعور الذي يسبق الكوارث.

 

نظر إلى رجال الأمن.

 

وقال بصوت حاد:

 

“على الجناح حالًا!”

 

—

 

في أقل من دقيقة…

 

كان الجميع يركض عبر ممرات القصر.

 

أقدام.

 

أجهزة لاسلكية.

 

أبواب تُفتح بعنف.

 

وصوت سيف يسبق الجميع.

 

“ليلى!”

 

لكن لا أحد رد.

 

—

 

وصلوا إلى الجناح.

 

الباب مفتوح.

 

وهنا عرف سيف أن شيئًا سيئًا حدث.

 

دفع الباب بقوة.

 

ودخل.

 

ثم تجمد.

 

الغرفة كانت في حالة فوضى.

 

كرسي مقلوب.

 

مزهرية مكسورة.

 

ستارة ممزقة.

 

وكأن صراعًا حدث قبل دقائق.

 

أما ليلى…

 

فلم تكن هناك.

 

شعر قلبه يسقط.

 

ثم سمع صوتًا صغيرًا.

 

بكاء.

 

ركض نحو الغرفة الداخلية.

 

فوجد الطفلة.

 

ابنة مريم.

 

مختبئة أسفل الطاولة.

 

وترتجف من الخوف.

 

انحنى فورًا.

 

وقال بهدوء:

 

“ماتخافيش.”

 

لكن الطفلة كانت تبكي.

 

وتشير إلى الباب.

 

ثم قالت:

 

“خدوها.”

 

شعر الدم يتجمد في عروقه.

 

“مين؟”

 

ارتجفت شفتاها.

 

ثم همست:

 

“الست.”

 

ساد الصمت.

 

أما سيف…

 

فشعر أن القطع بدأت تكتمل.

 

المرأة.

 

الاسم الذي اعترف به محمود.

 

والاختطاف.

 

كل شيء مرتبط.

 

—

 

في الجهة الأخرى من القصر…

 

كانت مريم منهارة.

 

تبكي بشكل هستيري.

 

وتحاول الخروج للبحث عن أختها بنفسها.

 

لكن رجال الأمن منعوها.

 

قالت وهي تصرخ:

 

“بسببي!”

 

“كل ده بسببي!”

 

أما سيف…

 

فلم يعد يسمع شيئًا.

 

لأنه وجد شيئًا على الأرض.

 

ورقة صغيرة.

 

مطوية.

 

فتحها بسرعة.

 

ثم شعر بالغضب يشتعل داخله.

 

كانت رسالة.

 

بخط نسائي أنيق.

 

ومكتوب فيها:

 

“لو عايز تشوف ليلى تاني…”

 

توقف.

 

ثم أكمل القراءة.

 

“تعالى لوحدك.”

 

وأُرفق عنوان.

 

—

 

دخل مدير الأمن.

 

وقال:

 

“إحنا جاهزين نتحرك.”

 

لكن سيف هز رأسه.

 

“لأ.”

 

ارتبك الرجل.

 

“يا فندم؟”

 

نظر إليه.

 

ثم قال:

 

“هي عايزاني لوحدي.”

 

“وده معناه إنها عايزة حاجة مني.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أضاف:

 

“وده معناه إنها مش هتق*تلها دلوقتي.”

 

كانت مخاطرة.

 

ومجنونة.

 

لكن سيف شعر أنها صحيحة.

 

ثم نظر إلى محمود الجالس تحت الحراسة.

 

وقال:

 

“قول اسمها.”

 

ابتلع محمود ريقه.

 

ثم همس:

 

“داليا مراد.”

 

شعر سيف أن العالم توقف للحظة.

 

لأن داليا مراد لم تكن مجرد اسم.

 

كانت مديرة مؤسسة خيرية ضخمة.

 

وشخصية اجتماعية معروفة.

 

وامرأة كانت تدخل القصر منذ سنوات.

 

بل وكانت تعتبر نفسها صديقة للعائلة.

 

بل أكثر من ذلك…

 

كانت من الأشخاص القلائل الذين وثقت بهم ليلى.

 

—

 

بعد ساعة…

 

وصل سيف إلى العنوان.

 

وحده.

 

كما طلبت الرسالة.

 

كان المكان فيلا قديمة على أطراف القاهرة.

 

محاطة بالأشجار.

 

ومعزولة تمامًا.

 

نزل من السيارة.

 

وأغلق الباب خلفه.

 

ثم تقدم نحو المدخل.

 

كل خطوة كانت تزيد غضبه.

 

وخوفه.

 

في الوقت نفسه.

 

وصل إلى الباب.

 

فُتح قبل أن يطرقه.

 

وكأنهم كانوا ينتظرونه.

 

دخل.

 

ثم توقف.

 

في منتصف الصالة.

 

لأن داليا كانت هناك.

 

تجلس بهدوء.

 

وترتدي ثوبًا أبيض أنيقًا.

 

وتحتسي الشاي.

 

وكأنها تستقبل ضيفًا في زيارة عادية.

 

رفعت رأسها.

 

وابتسمت.

 

وقالت:

 

“أهلًا يا سيف.”

 

شعر بالاشمئزاز.

 

وقال:

 

“فين ليلى؟”

 

ابتسمت أكثر.

 

“لسه زي ما أنت.”

 

“مباشر.”

 

تقدم خطوة.

 

“فين ليلى؟”

 

وضعت فنجان الشاي جانبًا.

 

ثم قالت:

 

“بخير.”

 

“ولو سمعت كلامي…”

 

“هتفضل بخير.”

 

ساد الصمت.

 

ثم نظرت إليه طويلًا.

 

وأضافت:

 

“عارف إيه أكبر مشكلة فيك؟”

 

لم يرد.

 

فأكملت:

 

“إنك أخيرًا حبيت.”

 

شعر قلبه يتوقف.

 

لكنها لم تترك له فرصة للرد.

 

لأنها أكملت الجملة التي غيّرت كل شيء:

 

“وللأسف… ليلى مش أول واحدة تحبها.”

 

تجمد سيف.

 

أما داليا…

 

فابتسمت ابتسامة باردة جدًا.

 

ثم قالت:

 

“يمكن حان الوقت تعرف الحقيقة اللي أبوك أخفاها عنك طول السنين دي.”

 

يتبع…

الفصل الثالث عشر: الحقيقة التي أخفاها الأب

 

تجمد سيف في مكانه.

 

ولأول مرة منذ بداية هذه الفوضى…

 

شعر بالخوف.

 

ليس الخوف على نفسه.

 

بل الخوف من الحقيقة.

 

لأن داليا كانت تنظر إليه بثقة امرأة تعرف شيئًا قادرًا على تدمير عالم كامل.

 

قال ببرود:

 

“أنا مش جاي أسمع قصص.”

 

ابتسمت.

 

“وأنا مش بحكي قصص.”

 

ثم نهضت من مكانها ببطء.

 

وتقدمت نحوه.

 

وقالت:

 

“أبوك كان عنده سر.”

 

شعر سيف بالتوتر يزداد.

 

لكنه لم يتكلم.

 

فأكملت:

 

“سر يخص ليلى.”

 

في تلك اللحظة…

 

اختفى أي اهتمام بالشركة.

 

أو الخطف.

 

أو المؤامرة.

 

بقي شيء واحد فقط.

 

ليلى.

 

قال بصوت منخفض:

 

“كمّلي.”

 

—

 

أخرجت داليا ملفًا قديمًا من درج الطاولة.

 

ووضعته أمامه.

 

كان الملف أصفر من الزمن.

 

ومليئًا بالأوراق القديمة.

 

قالت:

 

“افتح.”

 

مد يده.

 

وفتح الملف.

 

ثم بدأ يقرأ.

 

وفي السطر الأول…

 

شعر أن قلبه توقف.

 

لأن الاسم المكتوب كان:

 

عبد الرحمن محمود.

 

والد ليلى.

 

رفع رأسه فورًا.

 

“إيه ده؟”

 

قالت داليا:

 

“كمّل.”

 

عاد يقرأ.

 

ثم تجمد أكثر.

 

لأن الأوراق كانت تخص شركة قديمة.

 

شركة كان يملكها والد ليلى.

 

قبل أكثر من عشرين عامًا.

 

شركة صغيرة.

 

لكنها كانت تملك قطعة أرض واحدة.

 

قطعة أرض فقط.

 

وفي ذلك الوقت…

 

كانت لا تساوي شيئًا تقريبًا.

 

لكن اليوم…

 

كانت الأرض نفسها تقع في قلب القاهرة الجديدة.

 

وتساوي مليارات.

 

شعر سيف بالصدمة.

 

ثم أكمل القراءة.

 

واكتشف شيئًا آخر.

 

شيئًا أخطر.

 

الأرض لم تُبع أبدًا.

 

ولم تُنقل ملكيتها قانونيًا.

 

بل جُمّدت بسبب اختفاء الورثة.

 

ورثة عبد الرحمن محمود.

 

أو بعبارة أخرى…

 

ليلى.

 

—

 

رفع رأسه ببطء.

 

ثم نظر إلى داليا.

 

وقال:

 

“إنتِ عايزة إيه؟”

 

ابتسمت.

 

وقالت:

 

“أخيرًا سألت السؤال الصح.”

 

ثم جلست مرة أخرى.

 

وأضافت:

 

“عايزة توقيع.”

 

“توقيع مين؟”

 

“ليلى.”

 

ساد الصمت.

 

ثم فهم.

 

كل شيء.

 

الخطف.

 

الضغط.

 

المطاردة.

 

عودة مريم.

 

كلها لم تكن بسبب الحب.

 

ولا الانتقام.

 

ولا العائلة.

 

بل بسبب الأرض.

 

بسبب المليارات.

 

شعر بالغضب يشتعل داخله.

 

وقال:

 

“إنتِ مجنونة.”

 

ضحكت.

 

“يمكن.”

 

ثم أضافت:

 

“بس مجنونة غنية.”

 

—

 

لكن المفاجأة لم تنتهِ.

 

لأن داليا قالت بعدها:

 

“في حاجة تانية.”

 

نظر إليها.

 

فأكملت:

 

“ليلى نفسها ما تعرفش الحقيقة كاملة.”

 

عقد حاجبيه.

 

“إيه الحقيقة؟”

 

نظرت إليه طويلًا.

 

ثم قالت:

 

“أبوها ما ماتش فقير.”

 

شعر بالذهول.

 

“إيه؟”

 

“أبوها مات وهو مليونير.”

 

تجمد.

 

أما داليا…

 

فاستمتعت بالصدمة التي ظهرت على وجهه.

 

وقالت:

 

“كل اللي حصل بعد وفاته كان ترتيب.”

 

“ترتيب عشان الورثة يختفوا.”

 

“وعشان الأرض تفضل منسية.”

 

شعر سيف بأن الدم يغلي في عروقه.

 

لأن هذا يعني أن حياة ليلى كلها…

 

بُنيت على كذبة.

 

—

 

ثم فجأة…

 

سمع صوتًا.

 

صوت ارتطام قوي.

 

في الطابق العلوي.

 

توقفت داليا عن الكلام.

 

واختفت ابتسامتها.

 

لثانية واحدة فقط.

 

لكن سيف لاحظ.

 

ثم جاء صوت آخر.

 

شيء سقط على الأرض.

 

ثم صرخة.

 

صرخة امرأة.

 

شعر قلبه يقفز.

 

لأنه عرف الصوت فورًا.

 

ليلى.

 

وقف في اللحظة نفسها.

 

لكن داليا صرخت:

 

“ماتتحركش!”

 

أخرجت مس*دسًا.

 

ووجهته نحوه.

 

لكن الوقت كان قد فات.

 

لأن سيف لم يعد يفكر.

 

ولم يعد يحسب.

 

ولم يعد يهتم.

 

كل ما سمعه كان صرخة ليلى.

 

اندفع نحو الدرج.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

دوّى صوت طلقة نارية داخل الفيلا.

 

ثم الثانية.

 

ثم الثالثة.

 

وتحول المكان كله إلى فوضى.

 

أما في الأعلى…

 

فكانت ليلى تقاتل بكل ما لديها.

 

لأنها اكتشفت أخيرًا أن باب الغرفة التي حُبست فيها لم يكن مغلقًا بالكامل.

 

وكانت تحاول الهرب.

 

دون أن تعرف أن ثوانٍ قليلة فقط…

 

تفصلها عن مواجهة ستكشف الحقيقة الأخيرة كلها.

 

يتبع…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *