سر المظله حكـايـات أسمـا
ابني اللي عنده 12 سنة رجع البيت مبلول من المطر بعد ما ادى مظلته الوحيدة لست حامل غريبة في الشارع… تاني يوم الصبح، صحيت لقيت قدام بيتنا 47 مظلة مفتوحة، وتحت كل واحدة صندوق مرقم. ولما فتحت أول صندوق… صرخت من اللي شفته جواه.
ابني آدم، اللي عنده 12 سنة، رجع البيت الثلاثاء اللي فات مبلول لحد العضم.لا معاه مظلة.ولا حتى الجاكيت.
كان واقف على باب البيت بيترعش، والمية بتنزل من شعره.قلتله بسرعة:”آدم… فين المظلة؟”المظلة الزرقا.
آخر هدية جابهاله أبوه قبل ما يتوفى بالسرطان من سنتين.
المظلة اللي عمره ما كان بيفارقها.بصلي بعينيه البنيتين وقال بهدوء:
“كان في ست حامل واقفة عند موقف الأتوبيس يا ماما.”
وسكت ثانية.وبعدين كمل:
“كانت بتعيط… وبطنها كانت كبيرة جدًا، وماكانش معاها أي حاجة تحميها من المطر.”
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:”فاديتها المظلة.”
وأضاف:”ماقدرتش أسيبها كده.”
كنت عايزة أزعق…المظلة دي كانت آخر حاجة أبوه سابهاله.
لكن…إزاي أزعل من طفل لأنه عمل الحاجة اللي أنا نفسي ربيته عليها؟حضنتُه.وعملتله كوباية كاكاو سخنة.
وحطيت هدومه المبلولة في النشافة.وقلتله:
“أبوك لو كان موجود… كان هيبقى فخور بيك.”
وبعدين نمنا…تاني يوم الصبح…
صحيت بدري، وخرجت أجيب الجرنال، وفنجان القهوة في إيدي.فتحت باب البيت…
وفنجان القهوة وقع من إيدي.واتكسر على السلم.
والقهوة السخنة نزلت على رجلي.بس ماحستش بأي حاجة.
لأن المنظر اللي قدامي…كان مستحيل يتصدق.
الجنينة كلها…من أول صندوق البريد لحد الشجرة اللي في آخر السور…
كانت مليانة مظلات مفتوحة.سبعة وأربعين مظلة.
مرصوصين في صفوف مستقيمة..كل مظلة لون.
أحمر…أزرق. أصفر.أبيض.أسود.وكل لون ممكن تتخيله.
وتحت كل مظلة…كان في صندوق أبيض صغير.
وعليه رقم مكتوب بإيده.
1…
2…
3…
لحد…
47.
الجيران كانوا بدأوا يتجمعوا قدام البيت.
كل واحد ماسك موبايله.وبيصور.إيديا كانت بتترعش وأنا ماشية ناحية الصندوق رقم واحد.
ركعت على الأرض المبلولة.وفتحت الغطا ببطء.
وأول ما شفت اللي جواه…
صرخت.في نفس اللحظة…آدم جري من ورايا.
بص جوه الصندوق.ولونه اتغير.
وهمس وهو بيرتجف:”يا نهار أبيض…”
ثم بصلي بخوف وقال:”يا ماما… لازم نبلغ الشرطة حالًا.”
“يا ماما… لازم نبلغ الشرطة حالًا.”
صوت آدم كان بيرتعش.
بصيت تاني جوه الصندوق.
كان جواه…
المظلة الزرقا.
نفس المظلة.
آخر هدية أبوه الله يرحمه جابهاله قبل وفاته.
لكن ماكنتش لوحدها.
كان تحتها ظرف أبيض سميك، وصورة فوتوغرافية مطبوعة حديثًا.
إيدي كانت بتترعش وأنا طلعت الصورة.
أول ما بصيت فيها…
شهقت.
الصورة كانت لآدم.
واقف تحت المطر وهو بيدي المظلة للست الحامل.
متصورة من الناحية التانية من الشارع.
يعني…
كان في حد بيراقبه.
آدم قرب مني وقال بخوف:
“مين صورني يا ماما؟”
ماعرفتش أرد.
فتحت الظرف بسرعة.
كان جواه ورقة مكتوب عليها بخط جميل:
“الصندوق الأول… يعيد لصاحب الأمانة أمانته.”
وتحتها:
“لو عايزين تعرفوا باقي الحكاية… افتحوا الصندوق رقم 2.”
الجيران كانوا بيصوروا كل حاجة بالموبايلات.
واحد منهم قال:
“متفتحيش حاجة قبل ما الشرطة تيجي.”
هزيت راسي بالموافقة.
وفعلًا اتصلت بالنجدة.
…
بعد حوالي عشرين دقيقة.
وصلت أول عربية شرطة.
نزل منها ضابط في الأربعينات اسمه المقدم حسام.
بص حواليه باستغراب.
وقال:
“أنا شفت حاجات غريبة كتير في شغلي… لكن المنظر ده أول مرة أشوفه.”
شرحنا له اللي حصل من أول ما آدم رجع من المطر.
ولما قرأ الرسالة…
طلب من القوة يمنعوا أي حد يقرب من الصناديق.
وبدأوا يفتشوها واحد واحد.
المفاجأة…
إن أجهزة الكشف ماطلعتش أي حاجة خطرة.
لا متفجرات.
ولا مواد ممنوعة.
ولا أي حاجة تهدد الناس.
بعد ساعة كاملة…
سمحلي الضابط أفتح الصندوق التاني قدامه.
كان جواه بطانية أطفال جديدة.
ولعبة صغيرة على شكل دب.
وظرف تاني.
فتحته.
“الصندوق الثاني…
لأن ابنك لم يحمِ أمًا فقط…
بل حمى طفلًا لم يولد بعد.”
سكت الضابط شوية.
وقال:
“واضح إن الست الحامل هي اللي عملت كل ده.”
لكن السؤال…
إزاي قدرت ترتب 47 مظلة في ليلة واحدة؟
وإزاي عرفت عنواننا؟
…
فتحنا الصندوق التالت.
كان جواه كيس صغير فيه أدوية فيتامينات خاصة بالحمل.
ومعاه رسالة.
“الصندوق الثالث…
كان ممكن أقف ساعتين تحت المطر…
لكن الجنين ماكانش هيستحمل.”
بدأت أحس إن كل صندوق بيحكي جزء من اللي حصل.
فتحنا الرابع.
كان فيه ترمس صغير للمشروبات الساخنة.
ورسالة:
“الصندوق الرابع…
الدفا اللي حسيت بيه وقتها…
ماكانش بسبب المظلة.”
الخامس…
كان فيه دفتر رسم جديد.
“لأن الطفل اللي يقدر يحس بوجع غيره…
لازم يحافظ على قلبه.”
سادس.
سابع.
ثامن.
كل صندوق فيه هدية بسيطة.
ورسالة قصيرة.
وكل رسالة كانت تكشف تفصيلة جديدة.
لحد ما وصلنا للصندوق رقم عشرة.
ولما فتحناه…
اتغير وش المقدم حسام.
طلع بطاقة تعريف مستشفى خاصة.
باسم امرأة اسمها:
“ريم أشرف.”
وتحت البطاقة…
رسالة مختلفة عن كل اللي قبلها.
مكتوب فيها:
“لو وصلتوا للصندوق رقم عشرة…
يبقى جه الوقت تعرفوا أنا مين.
لكن الحقيقة الكاملة…
مش هتعرفوها إلا عند الصندوق رقم سبعة وأربعين.”
رفع الضابط البطاقة في إيده.
وبصلي وقال:
“واضح إن صاحبة الرسائل دي…
مش مجرد ست حامل مرت من هنا بالصدفة.”
وفي نفس اللحظة…
وصلت عربية سوداء فاخرة قدام البيت.
ونزل منها رجل مسن يرتدي بدلة سوداء.
أول ما شاف المظلات…
غمض عينيه للحظة.
وهمس بصوت مسموع:
“الحمد لله…
يبقى الست ريم وصلت لبيت الولد فعلًا.”
كل اللي كانوا واقفين قدام البيت لفّوا يبصوا على الراجل.
كان في أواخر الستينات.
شعره أبيض، لكن وقفته مستقيمة.
أول ما قرب من الصندوق رقم عشرة، مد إيده ولمسه برفق، كأنه بيسلم على حد عزيز عليه.
المقدم حسام وقف قدامه فورًا.
“حضرتك مين؟”
طلع بطاقة شخصية.
“اسمي الدكتور محمود السيوفي.”
“استشاري نساء وتوليد.”
وبعدين بص ناحيتي وقال:
“أنا الطبيب اللي بيتابع حمل ريم.”
اتسعت عيني.
“إنت تعرف الست اللي آدم ساعدها؟”
هز راسه.
“أعرفها من سبع شهور.”
المقدم حسام سأله:
“حضرتك تعرف مين اللي حط المظلات دي؟”
ابتسم ابتسامة هادئة.
“أيوه.”
كل الناس سكتت.
حتى الجيران وقفوا عن الكلام.
قال الدكتور محمود:
“ريم.”
المقدم استغرب.
“لوحدها؟”
ضحك بخفة.
“أكيد لا.”
“لكن الفكرة كانت فكرتها.”
…
قعدنا كلنا في جنينة البيت.
والدكتور بدأ يحكي.
قال:
“أمس بعد العصر، ريم كانت جاية من المستشفى.”
“الدكتور كان طالب منها ترتاح تمامًا، لأنها كانت في آخر الحمل، وضغطها كان نازل.”
“وفجأة نزل المطر.”
“الناس كلها جريت تحتمي.”
“ولا حد وقف يبصلها.”
“غير ولد صغير.”
بص ناحية آدم وابتسم.
“ساب لها أغلى حاجة عنده.”
آدم وطّى راسه في كسوف.
قال الدكتور:
“لما وصلت ريم البيت، كانت منهارة من العياط.”
“فضلت تقول طول الليل…”
‘لسه الخير موجود.’
…
سألته:
“لكن… ليه سبعة وأربعين مظلة؟”
ابتسم.
“لأنها كتبت منشور على صفحة خاصة بالأعمال الخيرية.”
“حكت فيه اللي حصل.”
“وقالت إنها نفسها تشكر الطفل.”
“وفي أقل من ساعتين…”
“سبعة وأربعين شخصًا تطوعوا.”
“كل واحد اشترى مظلة.”
“وكتب رسالة صغيرة يشكر فيها آدم.”
بصيت حوالي.
فهمت أخيرًا.
الصناديق ماكانتش من شخص واحد.
كانت من سبعة وأربعين شخصًا مختلفًا.
كل واحد فيهم تأثر بالقصة.
…
المقدم حسام قال:
“طب والصناديق المرقمة؟”
رد الدكتور:
“ريم كانت عايزة آدم يفتحها واحدة واحدة.”
“علشان يعرف إن المعروف الصغير…”
“ممكن يلمس قلوب ناس كتير.”
…
بدأنا نفتح الصناديق.
رقم 11…
كان فيه كتاب قصص.
ورسالة:
“شكراً لأنك علمتنا إن الشجاعة ملهاش سن.”
رقم 12…
كوب حافظ للحرارة.
“لأم ربت ابنها على الرحمة.”
رقم 13…
كرة قدم جديدة.
“من أب عنده ولد في نفس سنك.”
رقم 14…
علبة ألوان.
“ارسم الخير… وهتلاقيه حواليك.”
كل صندوق…
كان فيه هدية بسيطة.
لكن الرسائل…
كانت أجمل من الهدايا.
…
وصلنا للصندوق رقم 27.
لقيت ظرف مختلف.
كان جواه مبلغ مالي.
رفضت آخده فورًا.
لكن الرسالة كانت واضحة.
“المبلغ ده مساهمة في تعليم آدم.”
بصيت للدكتور.
قلت:
“مش هينفع.”
ابتسم وقال:
“كنت عارف إنك هتقولي كده.”
“وعلشان كده…”
طلع ورقة من الملف اللي معاه.
“كل المبالغ اللي في الصناديق دي، لو رفضتوها، هتروح لجمعية خيرية باسم والد آدم.”
آدم بصلي وقال:
“يا ماما…”
ابتسمت.
“يبقى تروح للجمعية.”
الدكتور ابتسم بفخر.
“كنت متأكد إن ده هيكون قراركم.”
…
الجيران بدأوا يساعدونا نجمع المظلات.
والناس كانت بتسقف لآدم.
لكنه شد هدومي بهدوء.
وقال:
“يا ماما…”
“أنا معملتش حاجة كبيرة.”
حضنته.
وقلت:
“الخير الحقيقي يا حبيبي…”
“هو اللي صاحبه يحس إنه حاجة عادية.”
…
ولما فضل آخر صندوق…
الصندوق رقم 47…
الدكتور محمود وقف بنفسه.
وقال:
“ده طلبت ريم محدش يفتحه غير آدم.”
ناول الصندوق لآدم.
إيديه كانت بترتعش.
فتح الغطا ببطء.
وأول ما شاف اللي جواه…
دموعه نزلت من غير ما يتكلم.
بصيت أنا والدكتور والمقدم حسام…
ولقينا داخل الصندوق…
صورة قديمة جدًا.
صورة لوالد آدم…
وهو شاب صغير.
وبجانبه…
ريم.
نظرت إلى الدكتور محمود بصدمة.
وقبل ما أنطق…
قال بهدوء:
“أيوه…
في حاجة لسه ماقولتهالكمش.
ريم…
ما كانتش غريبة عنكم أبدًا.”
حسيت إن الأرض بتميل بيا.
خطفت الصورة من إيد آدم.
فضلت أبص فيها.
أيوه…
مفيش شك.
اللي واقف في الصورة هو جوزي، أحمد.
قبل ما المرض ياخده بسنين.
كان أصغر.
وشعره أطول شوية.
لكن هو.
بصيت للدكتور محمود.
وقلت بسرعة:
“إزاي؟”
تنهد وقال:
“اقعدوا… لأن الحكاية طويلة.”
…
قعدنا كلنا في الجنينة.
والجيران بدأوا يمشوا بهدوء بعد ما عرفوا إن مفيش أي خطر.
الدكتور حط الصورة على الترابيزة.
وقال:
“الصورة دي متصورة من حوالي خمسة عشر سنة.”
“ساعتها أحمد كان طالب في الجامعة.”
“وكان بيتطوع مع مجموعة خيرية بتوصل أكل وبطاطين للأسر المحتاجة.”
بصيت للصورة تاني.
عمري ما شفتها قبل كده.
كمل الدكتور:
“ريم كانت متطوعة معاهم.”
“وكانوا فريق واحد.”
آدم سأل ببراءة:
“يعني بابا كان يعرفها؟”
ابتسم الدكتور.
“أيوه.”
“لكن مش بالشكل اللي ممكن تتخيلوه.”
…
فتح الدكتور ظرفًا صغيرًا كان داخل الصندوق.
وقال:
“ريم طلبت إنكم تقروا الرسالة دي بعد ما تعرفوا الحقيقة.”
فتحت الورقة.
وكان مكتوب فيها:
«”إلى آدم…
يمكن تفتكر إننا أول مرة نتقابل تحت المطر.
لكن الحقيقة إن والدك أنقذ حياتي مرتين.
أول مرة وأنا طالبة، لما اتبرع لي بدمه بعد حادثة كبيرة.
وتاني مرة، لما أقنعني أكمل تعليمي وما أستسلمش بعد وفاة والدي.
ومن يومها، وأنا مدينة له بعمر كامل.
ولما شوفتك واقف قدامي تحت المطر، حسيت كأني شوفته تاني.
نفس العينين.
ونفس الطيبة.
ونفس التلقائية في فعل الخير.”»
وقفت عن القراءة.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
لأن أحمد…
عمره ما حكى لي أي حاجة من دي.
كان يعمل الخير في هدوء.
…
الدكتور قال:
“بعد ما أحمد اتجوزك، انشغل بحياته وشغله.”
“وكل واحد راح في طريق.”
“لكن ريم عمرها ما نسيت فضله.”
“ولما عرفت بعدين إنه توفى…”
“دعت له بالرحمة كل يوم.”
سكت لحظة.
وأضاف:
“ولما ابنه عمل نفس الموقف…”
“اعتبرت إن الزمن بيرد لها الجميل.”
…
آدم كان ساكت.
بعدين قال بصوت واطي:
“يعني… بابا كان بيساعد الناس من غير ما يقول؟”
ابتسمت وسط دموعي.
“أيوه يا حبيبي.”
“وده اللي كنت بحاول أعلمهولك.”
قال وهو بيبص للمظلة الزرقا:
“أنا افتكرت إني خسرت آخر هدية منه.”
حضنته.
وقلت:
“لأ.”
“إنت ماخسرتهاش.”
“إنت استخدمتها بنفس الطريقة اللي كان هو هيستخدمها.”
…
في اللحظة دي…
وقفت عربية إسعاف قدام البيت.
نزلت منها ممرضة بسرعة.
وبعدها نزلت ست شابة، شايلة رضيع صغير ملفوف في بطانية بيضا.
عرفتها فورًا.
هي ريم.
كانت أضعف من اليوم اللي آدم شافها فيه.
لكن ابتسامتها كانت مليانة امتنان.
قربت من آدم.
وركعت قدامه.
وقالت:
“ممكن أعرف اسم البطل اللي أنقذ ابني؟”
آدم اتكسف.
وقال:
“أنا معملتش حاجة.”
ابتسمت ريم وهي تبص للرضيع.
وقالت:
“بالعكس.”
“لو فضلت واقفة تحت المطر وقت أطول، كان ممكن أوصل المستشفى متأخرة.”
“والدكتور قال إن كل دقيقة كانت مهمة.”
ثم رفعت الطفل بين إيديها.
وقالت:
“اتعرف يا آدم…”
“أنا سميت ابني…”
سكتت لحظة.
ونظرت لي.
ثم قالت:
“…أحمد.”
انهمرت دموعي.
لأن اسم جوزي…
رجع للحياة مرة تانية.
لكن المرة دي…
في طفل صغير…
هيكبر وهو سامع طول عمره حكاية ولد عنده 12 سنة، وقف في المطر، وقرر يدي أغلى حاجة يملكها لإنسانة ما يعرفهاش.
وفي اليوم ده…
فهم آدم الدرس اللي أبوه كان عايش بيه.
إن المعروف الحقيقي…
مش بيضيع أبدًا.
تمت.
