بعد الفراق حكايات أسما×4

الفصل الحادي عشر

اختفت الابتسامة من وجه قائد الحراسة.

نظر إلى شاشة اللابتوب…

ثم إلى سيف.

ولم ينطق.

قال سيف بهدوء:

“آخر مرة هسألك.”

“الفلوس دي كانت تمن إيه؟”

ابتلع الرجل ريقه.

“يا باشا… الموضوع مش زي ما حضرتك فاكر.”

ضرب سيف بيده على المكتب.

“يبقى احكي.”

أخذ الرجل نفسًا عميقًا.

“الشنطة دي… كانت مكافأة.”

“مكافأة على إيه؟”

أغلق عينيه لثوانٍ.

ثم قال:

“على إني أنقذت حياتك.”

ساد الصمت.

نظر إليه سيف بعدم تصديق.

“بتكدب.”

“والله ما بكدب.”

فتح الرجل الملف الذي أمامه.

وأخرج صورة قديمة.

كانت لسيف…

داخل سيارته المحطمة بعد حادث وقع قبل خمس سنوات.

قال قائد الحراسة:

“الفرامل كانت مقطوعة.”

اتسعت عينا سيف.

“إيه؟”

“والكل افتكر إنها حادثة عادية.”

“مين قطعها؟”

هز الرجل رأسه.

“معرفش.”

“وفؤاد؟”

“هو اللي أمرني ما أقولش لحضرتك.”

قبض سيف على الصورة.

“ليه؟”

“قال إن معرفة الحقيقة هتخليك تدخل حرب هتخسر فيها كل حاجة.”

جلس سيف على الكرسي لأول مرة منذ ساعات.

كل ما كان يعرفه عن حياته…

بدأ ينهار.

—

في المزرعة…

كان كريم يقف أمام النافذة.

يحمل آدم بين ذراعيه.

قال الطفل ضحكة صغيرة.

ابتسم كريم رغم ألمه.

دخلت أم حسن.

“الوقت خلص.”

“عارف.”

“لازم يرجع لأمه.”

تنهد.

“هيرجع.”

“إمتى؟”

“بعد ما أوصل لسيف الحقيقة.”

—

في تلك اللحظة…

دخل رجل ملثم إلى المزرعة وهو يلهث.

“في مشكلة.”

التفت كريم.

“إيه؟”

“فؤاد عرف مكاننا.”

ساد الصمت.

“إزاي؟”

“في حد بلغ.”

قبض كريم على الطفل بقوة.

“جهزوا العربيات.”

لكن قبل أن يتحرك…

دوّى انفجار هائل خارج المزرعة.

اهتزت النوافذ.

وتصاعدت ألسنة اللهب.

صرخت أم حسن.

“بدأوا!”

خرج كريم مسرعًا وهو يحمل آدم.

وجد ثلاث سيارات سوداء تحاصر المكان.

ونزل منها رجال مسلحون.

لكن المفاجأة…

أن قائدهم لم يكن فؤاد.

ولا أي رجل من رجاله.

كان شابًا في منتصف الثلاثينيات.

نظر إلى كريم بابتسامة باردة وقال:

“أنا بشتغل لحساب الشخص اللي بيحرك فؤاد نفسه.”

رفع كريم سلا..حه.

وقال:

“مين هو؟”

ابتسم الرجل.

وقال:

“لو عرفت اسمه…

هتفهم ليه كل اللي حصل في آخر خمس سنين كان مجرد بداية.”

ثم أطلق أول رصاصة…

لتبدأ مواجهة لم يكن أي طرف مستعدًا لها.

الفصل الثاني عشر

انطلقت أول رصاصة…

لكن كريم كان أسرع.

اندفع خلف عمود خرساني وهو يضم آدم إلى صدره بكل قوته.

صرخت أم حسن:

“الولد يا كريم!”

ناولها الطفل بسرعة.

وقال بحزم:

“خديه للقبو… ومهما حصل ما تطلعوش.”

هزت رأسها وهي تبكي، وأخذت آدم واختفت خلف الباب الحديدي.

في الخارج…

تحولت المزرعة إلى ساحة معركة.

رجال كريم تبادلوا إطلاق النار مع المهاجمين.

لكن الغريب…

أن المهاجمين لم يكونوا يحاولون قتل كريم.

كانوا يتقدمون نحوه وهم يصرخون:

“إمسكوه حي!”

قطب كريم حاجبيه.

“حي؟”

أدرك أن المطلوب هذه المرة ليس الطفل…

بل هو.

—

في المستشفى…

رن هاتف سيف.

رقم خاص.

رد بسرعة.

جاءه صوت كريم وهو يلهث.

“اسمعني كويس… معنديش وقت.”

صرخ سيف:

“آدم فين؟”

“آدم بخير.”

“عايز أكلمه.”

“مينفعش.”

كاد سيف يفقد أعصابه.

“لو لمست شعرة من ابني…”

قاطعه كريم:

“لو كنت عايز أؤذيه… كنت عملت كده من أول يوم.”

ثم دوى انفجار في الخلفية.

التفت كريم وهو يقول بسرعة:

“اسمع… اللي بيحصل أكبر من فؤاد.”

“مين؟”

“دور في ملفات أبويا.”

“أبويا مات من خمسة وعشرين سنة.”

جاءه الرد:

“وده أول كذبة عشت بيها.”

ثم انقطع الاتصال.

—

نظر سيف إلى الهاتف للحظات.

ثم التفت إلى قائد الأمن الجديد.

“هاتلي كل ملفات والدي.”

“أي ملفات يا باشا؟”

“كل حاجة… شركات… أملاك… وصايا… حتى الورق القديم.”

بعد أقل من ساعة…

وصلت صناديق مليئة بالمستندات.

بدأ سيف يقلبها بنفسه.

مرت ساعتان…

ثم ثلاث.

حتى سقط من بين الأوراق ظرف أصفر قديم.

كان مغلقًا بالشمع الأحمر.

وعليه عبارة بخط اليد:

“لا يُفتح إلا إذا اختفى ابناي معًا.”

اتسعت عينا سيف.

كسر ختم الشمع بسرعة.

وجد رسالة قصيرة.

قرأ أول سطر…

فتغير لون وجهه.

دخلت ليلى في تلك اللحظة.

“في إيه؟”

ناولها الرسالة بصمت.

قرأت بصوت مرتجف:

«”إذا وصلت إليكما هذه الرسالة… فاعلما أنني لم أمت ميتة طبيعية، وأن الشخص الذي تثقان به أكثر من أي إنسان هو أول من خان العائلة.”»

رفعت ليلى رأسها ببطء.

“مين الشخص ده؟”

قلب سيف الصفحة الأخيرة.

وكان هناك اسم واحد فقط…

فؤاد الحديدي.

لكن أسفل الاسم مباشرة…

كانت جملة جعلت الدم يتجمد في عروقه:

“وفؤاد ليس العقل المدبر… بل مجرد منفذ.”

وفي اللحظة نفسها…

وصلت إلى هاتف سيف رسالة مصورة.

فتحها بسرعة.

كان آدم يضحك ويلعب بكرته الصغيرة.

وخلفه ظهر رجل يقف نصفه خارج إطار الصورة.

لم يظهر وجهه…

لكن يده ظهرت بوضوح.

وفي إصبعه خاتم فضي عليه نقش قديم.

شهقت ليلى.

وقالت وهي تشير إلى الشاشة:

“الخاتم ده…”

نظر إليها سيف بسرعة.

“إنتِ عرفاه؟”

هزت رأسها ببطء.

وقالت:

“أيوه…”

“أنا شفته قبل كده.”

“كان في إيد الدكتور… اللي ولدني آدم.”

ساد الصمت.

وأدرك سيف أن المؤامرة لم تبدأ يوم اختُطف ابنه…

بل بدأت قبل ولادته بأشهر.
الفصل الثالث عشر

تجمد سيف وهو ينظر إلى الصورة مرة أخرى.

كبرها.

ثم ركز على الخاتم الفضي.

كان خاتمًا قديمًا، عليه نقش لهلال يتوسطه مفتاح صغير.

سأل ليلى بسرعة:

“إنتِ متأكدة؟”

هزت رأسها.

“عمري ما هنساه.”

“ليه؟”

جلست على الكرسي، وأخذت نفسًا عميقًا.

“لأن الدكتور كان لابس الخاتم ده يوم ولادتي.”

“بس ده طبيعي.”

هزت رأسها بالنفي.

“لأ… الطبيعي مش اللي حصل بعدها.”

اقترب منها سيف.

“احكي.”

قالت وهي تسترجع الذكريات:

“بعد ما خرج آدم للدنيا، كنت لسه تحت تأثير البنج.”

“وفجأة سمعت الدكتور بيقول للممرضة…”

وسكتت.

“قال إيه؟”

نزلت دمعة من عينها.

“قال بالحرف… الحمد لله إنه طلع هو.”

عقد سيف حاجبيه.

“هو مين؟”

“الممرضة سألته نفس السؤال.”

“قال لها: الملف الصحيح.”

ساد الصمت.

أحس سيف أن هناك شيئًا أخطر بكثير من مجرد خطف طفل.

…

في اللحظة نفسها…

كان كريم يقود سيارته بسرعة وسط طريق صحراوي.

آدم نائم في المقعد الخلفي داخل كرسي الأطفال.

وأم حسن تضغط على جرح في كتفها بعد تبادل إطلاق النار.

قالت بصوت متعب:

“إحنا رايحين فين؟”

رد كريم:

“لآخر واحد يقدر يثبت الحقيقة.”

“مين؟”

“الدكتور سامح.”

شهقت.

“لسه عايش؟”

هز رأسه.

“استخبى من خمس سنين.”

…

في فيلا فؤاد الحديدي…

دخل أحد رجاله مسرعًا.

“يا باشا…”

رفع فؤاد رأسه.

“خلصوا عليهم؟”

“لأ.”

“والولد؟”

“لسه مع كريم.”

ساد الصمت.

ثم ابتسم فؤاد.

ابتسامة غريبة.

وقال:

“سيبه.”

استغرب الرجل.

“نسيبه؟”

“أيوه.”

“ليه؟”

وقف فؤاد أمام النافذة.

وقال بهدوء:

“لأن كريم هيوصلنا بنفسه للدكتور.”

…

بعد ساعتين…

توقفت سيارة كريم أمام منزل صغير في قرية بعيدة.

نزل وهو يحمل آدم.

وخبط على الباب ثلاث خبطات متتالية.

فتح الباب رجل عجوز، لحيته بيضاء ونظارته سميكة.

أول ما شاف كريم…

قال بفزع:

“إنت!”

رد كريم:

“مفيش وقت.”

ثم رفع آدم أمامه.

“الولد ده اتولد على إيدك.”

اتغير لون الدكتور سامح.

“دخلوه بسرعة.”

…

في الداخل…

بدأ الدكتور يفحص آدم.

ثم فجأة…

نظر إلى العلامة الصغيرة الموجودة على ظهره.

وأغلق عينيه.

قال بصوت مكسور:

“كنت عارف إن اليوم ده هييجي.”

سأله كريم:

“قول الحقيقة.”

رد الدكتور:

“الحقيقة هتقتلكم كلكم.”

صرخ كريم:

“قولها!”

أخذ الدكتور نفسًا طويلًا.

ثم فتح درجًا قديمًا.

وأخرج ملفًا أصفر مكتوبًا عليه:

“مشروع الوريث.”

مده إلى كريم.

“كل اللي حصل بدأ من الملف ده.”

فتح كريم الصفحة الأولى…

فاتسعت عيناه.

كان أول سطر يقول:

“تم تبديل طفلين داخل غرفة الولادة بأمر من…”

لكن قبل أن يكمل القراءة…

اخترقت رصاصة نافذة المنزل.

ثم الثانية…

ثم الثالثة.

وتحطم الزجاج في كل مكان.

صرخت أم حسن وهي تحمي آدم بجسدها.

أما الدكتور سامح…

فسقط على الأرض بعد أن أصابته رصاصة في صدره.

وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة…

أمسك بيد كريم وهمس:

“اقرأ… الصفحة… الأخيرة…”

ثم أغمض عينيه إلى الأبد، بينما ظل ملف “مشروع الوريث” مفتوحًا على الأرض، ينتظر أن يكشف السر الذي قد يغيّر حياة الجميع.
الفصل الرابع عشر

دوّى إطلاق النار حول المنزل الصغير.

تناثر الزجاج فوق الأرض.

وانقطع التيار الكهربائي في اللحظة نفسها.

صرخت أم حسن وهي تضم آدم إلى صدرها بكل قوتها.

أما كريم…

فألقى بنفسه أرضًا، وسحب ملف “مشروع الوريث” قبل أن تصل إليه النيران المشتعلة في الستائر.

قال وهو يضغط على أسنانه:

“لازم نخرج من هنا.”

لكن قبل أن يتحرك…

سمع أنين الدكتور سامح.

اقترب منه بسرعة.

كان الدم ينزف بغزارة من صدره.

فتح الدكتور عينيه بصعوبة.

وقال بصوت متقطع:

“ما… ما تصدقش… أول صفحة.”

قطب كريم حاجبيه.

“إيه؟”

“الصفحة الأخيرة… هي الحقيقة.”

ثم أشار إلى الملف.

“الباقي… معمول علشان يضلل أي حد يسرقه.”

كانت أنفاسه تتقطع.

ابتسم ابتسامة صغيرة.

وقال آخر كلماته:

“احموا… الولد.”

وسكنت يده.

أغمض كريم عينيه للحظة.

ثم وقف.

“يلا.”

—

في الخارج…

كانت أربع سيارات تحاصر البيت.

لكن رجال الهجوم فوجئوا بانفجار من الجهة الخلفية.

استغل كريم اللحظة.

حمل آدم.

وأخذ أم حسن من يدها.

وخرجوا من نفق صغير أسفل المنزل.

قالت أم حسن وهي تلهث:

“إنت كنت عارف بالنفق؟”

رد وهو يجري:

“أنا اللي بنيته من خمس سنين.”

—

في المستشفى…

كان سيف يقلب أوراق والده القديمة.

دخل عليه خبير الخطوط.

وقال:

“يا باشا… الرسالة اللي لقيناها في الظرف.”

رفع سيف رأسه.

“مالها؟”

“التوقيع توقيع والدك فعلًا…”

“لكن؟”

“الورق اتكتب في تاريخ أحدث من تاريخ وفاته.”

اتسعت عينا سيف.

“يعني إيه؟”

“يعني الرسالة دي… اتكتبت بعد ما الناس كلها افتكرت إنه مات.”

ساد الصمت.

إذا كان التقرير صحيحًا…

فمعناه أن والده كان حيًا بعد إعلان وفاته.

أو…

أن شخصًا كان يزور كل شيء باحتراف.

—

في السيارة…

فتح كريم الصفحة الأخيرة من ملف “مشروع الوريث”.

لم يكن فيها سوى ورقة واحدة.

وصورتان.

الصورة الأولى…

لسيف وهو طفل عمره خمس سنوات.

الصورة الثانية…

لكريم في العمر نفسه.

لكن المفاجأة…

أن الطفلين كانا يرتديان سوارين مختلفين.

أحدهما مكتوب عليه:

الطفل رقم 1

والثاني:

الطفل رقم 2

وتحت الصورتين جملة بخط اليد:

«”تم إخفاء هوية الوريث الحقيقي حفاظًا على حياته.”»

وفي أسفل الصفحة…

كان هناك اسم الشخص الذي نفذ العملية.

الدكتور سامح.

واسم الشخص الذي أصدر الأمر.

الراحل محمود الحديدي.

شهقت أم حسن.

“يعني أبوهم هو اللي طلب كده؟”

هز كريم رأسه ببطء.

“أيوه…”

ثم أغلق الملف.

“لكن لسه منعرفش…”

قاطعته أم حسن.

“إيه؟”

نظر إلى آدم النائم.

وقال:

“مين فينا كان الوريث الحقيقي.”

—

وفي اللحظة نفسها…

وصل إلى هاتف سيف مقطع فيديو جديد.

فتحه بسرعة.

ظهر كريم لأول مرة بوجهه كاملًا أمام الكاميرا.

وقال بهدوء:

“يا سيف… لو بتشوف الفيديو ده، يبقى معناه إننا بقينا متأخرين.”

ثم رفع الملف أمام الكاميرا.

وأضاف:

“الحقيقة مش إن آدم ابن مين…”

سكت لحظة.

ونظر مباشرة إلى العدسة.

وقال:

“الحقيقة إن آدم هو آخر شخص يقدر يثبت مين صاحب إمبراطورية الحديدي.”

وانقطع الفيديو فجأة…

بعدما سُمعت في الخلفية أصوات سيارات تقترب بسرعة.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *