ليلة زفافي حكـايـات أسمـا ×1
تركني ليلة الزفاف من أجل امرأة أخرى… لكنه نسي أنني صاحبة الإمراطورية التي كان يعيش عليها
في الساعة العاشرة وست عشرة دقيقة مساءً، غادر زوجي جناح شهر العسل وآثار أحمر شفاهي ما زالت على فمه، بينما كان اسم امرأة أخرى يضيء شاشة هاتفه.
كنت أجلس على حافة السرير الضخم في قصر فاخر مطل على البحر في الساحل الشمالي، وما زلت أرتدي فستان الزفاف العاجي الذي أمضت خمس خياطات أكثر من ثلاثة أشهر في تطريزه يدويًا.
كانت الورود البيضاء تملأ المكان… ما زالت مغلقة داخل الدلو الفضي.
وأمواج البحر كانت تضرب الصخور في الخارج بعنف… وكأنها تعرف أن شيئًا مؤلمًا قد حدث بالفعل.
أمامي وقف كريم الشاذلي يعدل رابطة عنقه السوداء الحريرية التي اشتريتها له بنفسي من أحد أشهر المتاجر في القاهرة.
رن هاتفه مرة أخرى.
ياسمين.
الاسم أضاء وجهه بطريقة لم يفعلها اسمي يومًا.
لينت ملامحه.
واختفى ذلك البرود الذي اعتدت رؤيته كلما نظر إلي.
قرأ الرسالة ثم قال ببساطة:
“ياسمين تعبانة… لازم أروح لها.”
رفعت رأسي ببطء وسألته:
“تروح فين؟”
أجاب وكأن الأمر طبيعي:
“عند ياسمين.”
وكأنه لا يترك زوجته في ليلة زفافها.
وكأنها مجرد زيارة عادية.
كانت ياسمين صديقة عمره القديمة.
وصديقته المقربة.
والمرأة التي كانت دائمًا تحتاجه في الأعياد.
وفي المناسبات.
وفي رحلات العمل.
وفي أيام مرضها.
وفي كل مرة حاولت أنا أن أحصل على اهتمامه.
والآن…
في ليلة زفافنا.
نظرت إلى خاتم الزواج في إصبعي وشعرت فجأة أنه أصبح ثقيلًا بشكل لا يصدق.
كأنه دليل إدانة.
ذكّرته أننا متزوجان منذ ست ساعات فقط.
تنهد بضيق.
ليس ندمًا.
بل انزعاجًا.
وقال:
“سارة… متبدئيش.”
كان يناديني دائمًا بـ”سارة” عندما يريد شيئًا مني.
أما عندما يريد أن يبعدني عنه…
كان يستخدم اسمي كاملًا:
سارة عبد الرحمن.
قال إن ياسمين ليس لديها أحد.
وأن حالتها النفسية تسوء في الأيام العاطفية.
وأن هذا اليوم صعب عليها.
ليلة زفافنا كانت صعبة على عشيقته.
أما أنا…
فلم أكن مهمة.
في الأسفل، كان الضيوف ما زالوا يغادرون القصر بسياراتهم الفاخرة.
نخبة رجال الأعمال في القاهرة حضروا الحفل.
وشاهدونا ونحن نتبادل العهود تحت الثريات الكريستالية.
ورفعوا كؤوسهم احتفالًا بما ظنوه زواجًا مثاليًا.
لكنهم لم يعرفوا الحقيقة.
لم يعرفوا أن كريم الشاذلي بنى شهرته باستخدام اسمي.
واستخدم شركتي مثل ماكينة صراف آلي خاصة به.
ولم يعرفوا أن الرجل الذي بدا قويًا وناجحًا لم يكن يملك شيئًا لولا أموالي.
اسمي سارة عبد الرحمن.
عمري أربع وعشرون سنة.
شعري بني داكن.
وعيناي خضراوان.
وأرتدي عادةً البدل السوداء الأنيقة أكثر مما أرتدي الفساتين.
التقيت كريم عندما كان مديرًا صغيرًا في شركة عقارية متعثرة.
أنا من قدمته إلى المستثمرين.
وأنا من فتحت له الأبواب المغلقة.
وأنا من شاهدته يخلط بين النفوذ الذي منحته له وبين النجاح الذي يظن أنه صنعه بنفسه.
قاطع أفكاري بصوت حاد:
“قولي أي حاجة.”
كان ينتظر رد الفعل المعتاد.
الدموع.
الصراخ.
التوسل.
ذلك النوع من المشاهد الذي يستطيع لاحقًا استخدامه لإثبات أنني امرأة غيورة ومسيطرة.
لكنه لم يجد شيئًا.
فقط الصمت.
نزعت خاتم الزواج من إصبعي ببطء.
فشد فكه فورًا.
وضعت الخاتم بجوار كأس الشمبانيا غير الملموس.
ثم قلت كلمة واحدة:
“امشِ.”
تجمد للحظة.
لم يكن مستعدًا لذلك.
سألني بغضب:
“إيه اللعبة دي؟”
أجبته بهدوء:
“مفيش لعبة.”
فضحك باستهزاء وقال:
“أنا اتجوزتك وأديتك اسمي… ومتنسيش الحقيقة.”
ثم نظر في عيني مباشرة وأضاف:
“الست اللي بحبها هي ياسمين.”
كان من المفترض أن تحطم هذه الجملة قلبي.
لكنها فعلت العكس تمامًا.
كأنها أزالت آخر ذرة ألم متبقية بداخلي.
وقفت.
جمعت طرف الفستان بيدي.
ونظرت إليه طويلًا.
ثم قلت:
“روح للست اللي بتحبها.”
حذرني بأنني سأندم على طريقتي في الكلام غدًا.
ابتسمت للمرة الأولى تلك الليلة.
ونظرت إليه كما لو كنت أراه للمرة الأخيرة.
كان يرتدي بدلة ثمنها مئات الآلاف دفعت ثمنها أنا.
ويقود سيارات اشتريتها أنا.
ويعيش داخل عالم صنعته أنا.
ومع ذلك ظن أن التاج فوق رأسه حقيقي.
فقط لأنني كنت صبورة بما يكفي لأتركه يرتديه.
قلت بهدوء:
“لا يا كريم.”
ثم اقتربت خطوة.
“بكرة هو اليوم اللي هتبدأ فيه تندم أنت.”
غادر الغرفة غاضبًا.
وأغلق الباب بقوة حتى اهتزت الورود البيضاء حولنا.
وبعد دقيقة واحدة فقط…
شاهدت أضواء السيارة التي اشتريتها له تغادر بوابة القصر وتتلاشى في الظلام.
لأول مرة منذ بداية الحفل…
تنفست براحة.
ثم بدأت أفك سحاب فستان الزفاف بنفسي.
وقفت أمام المرآة.
واختفت العروس قطعة بعد قطعة.
الطرحة أولًا.
ثم الأقراط.
ثم القفازات.
ثم الفستان بالكامل.
لكن ما لم يكن كريم يعرفه…
أنني لم أرتدِ فستان زفاف فقط.
تحت الفستان كانت هناك بدلة سوداء مصممة خصيصًا.
أنيقة.
حادة.
ومناسبة للحرب.
في الساعة العاشرة وإحدى وثلاثين دقيقة مساءً، دخلت المكتب الخاص الموجود في نهاية الجناح.
غرفة لم يدخلها كريم يومًا لأنه ظن أنها مجرد غرفة تحتفظ بذكريات والدتي الراحلة.
لكن خلف المكتبة الخشبية كانت توجد خزنة بيومترية.
وأجهزة حاسوب مشفرة.
ووصول مباشر إلى كل شركات مجموعة عبد الرحمن القابضة.
أجريت اتصالًا واحدًا.
حين رد الرجل على الطرف الآخر قلت كلمتين فقط:
“ابدأ العملية.”
لم يتفاجأ.
بل أجاب فورًا:
“أوامرك يا رئيسة مجلس الإدارة.”
ليس:
“مدام الشاذلي.”
ولا:
“زوجة كريم.”
بل:
“رئيسة مجلس الإدارة.”
اللقب الذي لم يعرف كريم يومًا أنه يخصني أنا.
أمرت بتجميد جميع البطاقات المرتبطة بحساباتي الخاصة.
وأمرت بإخلاء القصر بالكامل قبل شروق الشمس.
السيارات.
اللوحات.
الأثاث.
المقتنيات.
كل ما أملكه شخصيًا.
ثم أصدرت أمرًا آخر.
إلغاء جميع العقود الموقعة مع شركة عائلة الشاذلي قبل ظهر اليوم التالي.
وعندما سألني مديري التنفيذي عن كريم…
نظرت إلى خاتم الزواج الموضوع فوق المكتب.
ثم قلت:
“سيبوه يستمتع بليلة زفافه.”
في الخارج…
كانت الأمواج تضرب الصخور بعنف.
وفي الداخل…
كانت شموع شهر العسل ما تزال مشتعلة من أجل زواج تحول إلى مسرح جريمة.
أما كريم…
فكان على بعد بضعة كيلومترات فقط.
يدخل شقة ياسمين.
وهو مقتنع أنني أبكي وحدي وسط الورود البيضاء.
لكنه لم يكن يعلم…
أن القصر كله سيكون فارغًا عند شروق الشمس.
وأن الرجل الذي غادر زوجته ليلة الزفاف…
سيستيقظ في الصباح ليكتشف أنه خسر كل شيء.
الفصل الثاني
الساعة كانت السادسة وثلاث دقائق صباحًا.
وأول شخص اكتشف الكارثة لم يكن كريم.
كانت ياسمين.
استيقظت على صوت طرقات عنيفة على باب شقتها.
فتحت الباب وهي ما زالت ترتدي قميص النوم الحريري.
لتجد ثلاثة رجال ببدلات سوداء يقفون أمامها.
أحدهم مد لها ورقة رسمية.
وقال بهدوء:
“أستاذ كريم الشاذلي موجود؟”
ظهرت علامات الانزعاج على وجهها.
ثم التفتت إلى الداخل.
كان كريم خارجًا من غرفة النوم وهو يعدل ياقة قميصه.
بدا متعبًا.
لكنه كان راضيًا عن نفسه.
راضيًا بالطريقة التي يكون عليها الرجل عندما يعتقد أنه انتصر.
أخذ الورقة من يد الرجل.
وبدأ يقرأ.
ومع كل سطر…
اختفت الألوان من وجهه.
قال بعصبية:
“إيه الهبل ده؟”
أجابه الرجل بهدوء:
“تنفيذ قرار الإخلاء.”
رفع كريم رأسه.
“إخلاء إيه؟”
“العقار مملوك لشركة عبد الرحمن القابضة.”
ساد الصمت.
ياسمين رمشت عدة مرات.
أما كريم فظل يحدق في الورقة.
ثم انفجر غاضبًا:
“أكيد في غلط.”
لكن الرجل لم يناقشه.
فقط أعطاه نسخة أخرى.
وغادر.
في تلك اللحظة بدأ هاتف كريم يرن.
المكالمة الأولى من البنك.
البطاقة مرفوضة.
المكالمة الثانية من شركة السيارات.
تم سحب حق استخدام السيارة.
المكالمة الثالثة من مدير مكتبه.
عدة عقود ألغيت خلال ساعات الليل.
المكالمة الرابعة كانت الأسوأ.
مدير الشؤون القانونية في شركة الشاذلي.
كان صوته مرتجفًا.
“إحنا في مشكلة كبيرة.”
رد كريم بعصبية:
“أي مشكلة؟”
جاءه الرد الذي لم يكن مستعدًا له.
“مجموعة عبد الرحمن أنهت كل الشراكات.”
شعر كريم وكأن الأرض تميل تحت قدميه.
لأول مرة.
بدأ يشعر بالخوف.
الخوف الحقيقي.
—
في نفس الوقت.
كنت أجلس داخل مكتبي في القاهرة.
أمام النافذة الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف.
أرتدي بدلتي السوداء.
وأحتسي قهوتي بهدوء.
وراء مكتبي الضخم كان شعار مجموعة عبد الرحمن القابضة يلمع باللون الذهبي.
نفس الشعار الذي مر أمام كريم مئات المرات.
ولم يسأل نفسه يومًا لماذا يفتح له الجميع الأبواب فور ذكر اسمي.
كان يعتقد أنني مجرد ابنة مؤسس الشركة.
فتاة مدللة.
وريثة ثرية.
لم يخطر بباله أبدًا أنني كنت الشخص الذي يوقع القرارات الأخيرة.
أنا من يختار رؤساء الشركات.
وأنا من يقرر من يصعد.
ومن يسقط.
رن الهاتف الداخلي.
“مدام سارة.”
“نعم؟”
“أستاذ كريم موجود تحت.”
ابتسمت.
أسرع مما توقعت.
قلت:
“خليه يطلع.”
—
بعد دقيقتين فقط.
اندفع كريم إلى المكتب.
كان وجهه شاحبًا.
وعيناه حمراوين من السهر والغضب.
توقف أمام المكتب.
ثم قال:
“إيه اللي بيحصل؟”
لم أرفع رأسي من الملفات.
واصلت القراءة.
وقلت بهدوء:
“صباح الخير يا كريم.”
ضرب بيده على المكتب.
“بلاش لعب.”
رفعت عيني نحوه.
ونظرت إليه للمرة الأولى منذ ليلة الزفاف.
كان الرجل الذي أمامي مختلفًا.
اختفى غروره.
اختفت ثقته.
واختفى ذلك الشعور بأنه يسيطر على كل شيء.
قال بعصبية:
“إنتِ بتدمريني.”
ابتسمت.
“أنا؟”
“أيوه إنتِ.”
أغلقت الملف.
ثم وضعت يدي فوقه.
وقلت:
“أنا بس بطلت أحميك.”
الصمت الذي تلا الجملة كان قاتلًا.
تراجع خطوة للخلف.
كأنه تلقى صفعة.
لأنه فهم الحقيقة أخيرًا.
لم أكن أدمره.
بل كنت أرفع يدي فقط.
وهو كان يسقط وحده.
—
جلس أمامي.
لأول مرة منذ سنوات.
بلا غرور.
بلا استعلاء.
بلا أوامر.
قال بصوت منخفض:
“كل ده كان بإيدك؟”
أجبته:
“من البداية.”
“ليه مخبتيش؟”
ضحكت بخفة.
“عمرك سألت؟”
لم يرد.
لأنه يعرف الإجابة.
لم يكن مهتمًا بمعرفتي.
كان مهتمًا بما أستطيع تقديمه فقط.
الحب.
الدعم.
العلاقات.
المال.
أما أنا…
فلم يحاول يومًا أن يعرفني حقًا.
—
وفجأة رن هاتفي.
ظهر اسم الشخص على الشاشة.
فردت مباشرة.
“أيوه.”
جاءني صوت المدير التنفيذي.
“تم التنفيذ بالكامل.”
“تمام.”
“وفي خبر تاني.”
“قول.”
“شركة الشاذلي فقدت أكبر مستثمر عندها النهاردة الصبح.”
رفعت حاجبي.
“مين انسحب؟”
جاء الرد.
“كلهم.”
نظرت إلى كريم.
ورأيت الرعب الحقيقي يظهر في عينيه.
لأن المستثمرين لم ينسحبوا بسبب قرار مني.
بل لأنهم اكتشفوا الحقيقة.
الحقيقة التي أخفاها كريم سنوات.
أن الشركة لم تكن قوية.
بل كانت تستند على ظهري أنا.
وعندما ابتعدت…
انهار كل شيء.
—
خرج كريم من المكتب بعد ساعة.
لكن هذه المرة لم يصرخ.
لم يهدد.
لم يتوعد.
خرج كإنسان ضائع.
شخص أدرك فجأة أنه بنى حياته كلها فوق أرض ليست ملكه.
أما أنا…
فوقفت أمام النافذة.
أنظر إلى القاهرة الممتدة أمامي.
ثم أخرجت هاتفي.
وفتحت صورة قديمة.
صورة التقطناها قبل أربع سنوات.
يوم أحببته للمرة الأولى.
حدقت فيها طويلًا.
ثم حذفتها.
وضغطت زر الحذف النهائي.
وبينما كانت الصورة تختفي من الشاشة…
كنت أعرف أن شيئًا آخر اختفى معها.
آخر بقايا سارة القديمة.
أما سارة الجديدة…
فكانت تستعد لمعركة أكبر بكثير.
لأن ما لم يعرفه كريم بعد…
أن ياسمين نفسها لم تكن معه بسبب الحب.
وكان هناك سر أخطر بكثير ينتظره خلال الأيام القادمة.
سر إذا خرج للنور…
فلن يخسر ثروته فقط.
بل قد يخسر حريته أيضًا.
يتبع
