وظيفه غير مرغوب بها حكـايـات أسمـا ×5
الفصل التاسع
لثوانٍ طويلة محدش اتكلم.
حتى ليلى نفسها كانت واقفة مش فاهمة.
لكنها شافت الصدمة في عيون سليم.
صدمة أكبر من أي حاجة شافتها فيه من يوم ما عرفته.
قالت بهدوء:
“مين نادين؟”
سليم فضل ساكت.
وجهه فقد لونه.
وإيده بدأت ترتعش.
ثم قال بصوت منخفض جدًا:
“مراتي.”
شهقت ليلى.
“مراتك؟”
هز رأسه ببطء.
“وأم يوسف.”
ساد الصمت داخل الغرفة.
لأن الجميع كان يعرف إن سليم أرمل.
دي كانت القصة الرسمية.
القصة اللي الصحافة نشرتها.
والقصة اللي رامز كررها آلاف المرات.
زوجة سليم ماتت قبل الحادث بعام.
لكن لو نادين عايشة…
يبقى حد كذب.
وسنين كاملة من الأكاذيب كانت متبنية على الكذبة دي.
قال نادر ببطء:
“أنا حضرت جنازتها بنفسي.”
رفع سليم عينيه إليه.
وقال:
“ماكنتش جنازتها.”
الصدمة كانت أقوى من أي شيء توقعوه.
جلس الجميع.
وبدأ سليم يحكي.
بصعوبة.
وبتوقفات كثيرة.
لكن الحقيقة بدأت تظهر.
قبل أربع سنوات من الحادث.
اكتشف سليم شبكة فساد ضخمة داخل شركات المجموعة.
عقود مزورة.
تحويلات مالية.
شركات وهمية.
وفي البداية كان يظن أن بعض المديرين هم المسؤولين.
لكن كل الخيوط كانت ترجع لشخص واحد.
رامز.
عندما واجهه.
أنكر.
ثم هدد.
ثم اختفى يومين كاملين.
وبعدها بدأت الكوارث.
حادث سيارة غامض لنادين.
محاولة خطف يوسف.
رسائل تهديد.
واتصالات مجهولة.
وفي النهاية اتخذ سليم قرارًا مستحيلًا.
إخفاء عائلته.
قال بصوت متعب:
“كنت فاكر إني بحميهم.”
ثم أضاف:
“لكن كنت متأخر.”
بعد أسابيع قليلة اختفت نادين.
وبعدها جاءت أخبار موتها.
لكن سليم لم يرَ الج*ثة بنفسه.
ولا سمحوا له حتى بفتح النعش.
ومن يومها ظل يشك.
لكن قبل أن يصل للحقيقة…
وقعت حادثة الطائرة.
وتحولت حياته إلى سجن.
في صباح اليوم التالي.
تحركت ليلى ونادر مع فريق أمني صغير إلى العنوان الذي وصلهم.
بيت قديم على أطراف الفيوم.
بعيد عن الناس.
بعيد عن المدن.
وبعيد عن أي شيء يلفت الانتباه.
وصلوا قبل الغروب.
كان المكان هادئًا بشكل مريب.
اقتربوا بحذر.
ثم طرق نادر الباب.
مرت ثوانٍ.
ثم انفتح الباب ببطء.
وظهرت امرأة في منتصف الأربعينات.
شعرها الأسود به خصلات بيضاء.
وجهها مرهق.
لكن ملامحها كانت واضحة.
حتى من الصور القديمة.
نادين.
كانت حية فعلًا.
وقفت تنظر إليهم.
ثم قالت بهدوء:
“اتأخرتوا.”
دخلوا.
وكان يوسف جالسًا في الصالة.
أول ما شاف ليلى وقف.
ثم سأل:
“فين أبويا؟”
نزل الصمت على المكان.
لأن ده أول سؤال قاله.
وأول مرة يعترف فيها أنه صدق الحقيقة.
ابتسمت ليلى.
وقالت:
“عايش.”
اغرورقت عينا يوسف بالدموع.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة.
بدأ يبكي.
ليس كراجل.
بل كطفل فقد أبوه.
ثم اكتشف أنه مازال موجودًا.
في تلك الليلة.
جلس الجميع لساعات.
يوسف.
نادين.
ليلى.
نادر.
يحكون ما حدث خلال السنوات الماضية.
واكتشفوا الحقيقة الأكبر.
نادين لم تهرب.
بل تم تهريبها.
بمساعدة شخص داخل الأجهزة الرقابية.
رجل قديم كان صديقًا لسليم.
عندما عرف أن رامز يخطط للتخلص منها ومن يوسف.
قام بتزوير أوراق موتها.
وأخرجها من البلاد فترة طويلة.
ثم أعادها سرًا بعد سنوات.
لكنها ظلت مختبئة.
لأن الخطر لم ينته.
بل كان يزداد.
وقبل منتصف الليل بقليل.
رن هاتف نادر.
رقم خاص.
رد.
وسمع صوتًا جعله يشحب.
أغلق الهاتف ببطء.
ثم رفع رأسه.
الجميع لاحظ التوتر.
قالت ليلى:
“في إيه؟”
رد بصوت منخفض:
“رامز.”
اتقبض قلب الجميع.
قال يوسف:
“عايز إيه؟”
نظر نادر إليهم.
ثم قال:
“عايز يقابلنا.”
“فين؟”
“في مقر الشركة الرئيسي.”
“ليه؟”
سكت لحظة.
ثم قال:
“بيقول إن عنده حاجة هتغير كل حاجة.”
ساد الصمت.
لكن نادر لم يكن قد أنهى كلامه.
لأن الجملة الأخيرة كانت الأخطر.
قال:
“وبيقول إن سليم مش الضحية الحقيقية في القصة.”
تبادل الجميع النظرات.
أما نادين…
فتغير لون وجهها فجأة.
وكأنها تعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون.
شيئًا كانت تخشاه منذ سنوات.
ثم همست بصوت بالكاد سمعوه:
“يا رب لأ…”
في اللحظة دي فهمت ليلى أن السر الحقيقي لم يظهر بعد.
وأن كل ما عرفوه حتى الآن…
قد يكون مجرد البداية.
الفصل العاشر
طول الطريق إلى القاهرة، محدش كان بيتكلم.
يوسف قاعد في المقعد الخلفي.
كل شوية يبص لصورة قديمة كان ماسكها في إيده.
صورة ليه وهو طفل صغير على كتف سليم.
أما نادين فكانت باصة من الشباك.
لكن ليلى لاحظت حاجة.
إيديها كانت بتترعش.
من الخوف.
مش من التوتر.
الخوف.
وكأنها عارفة إيه اللي مستنيهم.
أخيرًا قطعت ليلى الصمت.
وقالت:
“إنتِ عارفة رامز يقصد إيه؟”
أغمضت نادين عينيها.
ثم قالت:
“أتمنى أكون غلط.”
“في إيه؟”
سكتت ثواني طويلة.
ثم قالت:
“في سر واحد بس لو ظهر… كل حاجة هتتغير.”
في نفس الوقت.
داخل القصر.
كان سليم جالسًا على كرسي متحرك في مكتبه.
لأول مرة منذ سنوات.
يراجع أوراق شركته بنفسه.
لكن عقله لم يكن في الأوراق.
كان في يوسف.
بعد ساعات قليلة فقط.
هيراه.
لأول مرة منذ ثلاث سنوات.
ابنه.
الطفل اللي سرقوه منه.
وفجأة دخل أحد رجال الأمن.
وقال:
“المروحية جاهزة.”
رفع سليم رأسه.
وأومأ.
لأن الاجتماع مع رامز هيكون في مقر الشركة الرئيسي.
وسط المدينة.
وفي مكان مليان كاميرات وشهود.
رامز بنفسه هو اللي طلب ده.
وده كان غريب.
لأن طول عمره بيشتغل في الظلام.
فليه يظهر فجأة؟
الساعة كانت السادسة مساءً.
عندما دخل الجميع إلى قاعة الاجتماعات الكبرى.
قاعة ضخمة.
زجاجية.
في أعلى البرج الرئيسي للمجموعة.
المكان مليان محامين.
أعضاء مجلس إدارة.
مستشارين.
صحافة.
وحتى ممثلين من الجهات الرقابية.
كأن رامز متعمد يخلي كل الناس موجودة.
ثم انفتح الباب.
ودخل رامز.
هادئ.
أنيق.
كأنه خارج من اجتماع عادي.
مش مطارد من الشرطة.
ولا متهم بمحاولة قت*ل أخوه.
وقف في منتصف القاعة.
ونظر مباشرة إلى سليم.
ثم ابتسم.
ابتسامة باردة.
وقال:
“أهلا يا أخويا.”
ساد الصمت.
أما سليم فبصله دون أي تعبير.
ثم قال بصوت مازال ضعيفًا:
“خلص.”
ضحك رامز.
وقال:
“لسه.”
ثم التفت للجميع.
وأضاف:
“قبل ما أي حد يحكم عليا… لازم يسمع الحقيقة كاملة.”
رفع جهاز تحكم صغير.
وخلفه اشتغلت الشاشة العملاقة.
ظهرت صورة قديمة.
ثم فيديو.
ثم ملفات.
وأسماء.
وتواريخ.
الجميع كان يتابع في صمت.
لكن الصدمة جاءت بعد دقائق.
لأن الصور لم تكن تخص رامز.
بل تخص سليم.
شهقت ليلى.
أما نادر فوقف فجأة.
الصور كانت لاجتماعات سرية.
وحسابات خارجية.
وعقود مشبوهة.
وكلها تحمل توقيع سليم الحديدي.
قال رامز بهدوء:
“أنا مش ملاك.”
ثم أشار إلى الشاشة.
“لكن أخويا مش بريء.”
ساد الهمس داخل القاعة.
أما سليم فظل صامتًا.
وكأنه يعرف ما سيأتي.
ثم ظهر فيديو جديد.
فيديو قديم جدًا.
منذ أكثر من عشر سنوات.
ظهر فيه سليم شابًا.
ومعه رجل آخر.
كانوا يتحدثون داخل مكتب.
الصوت كان واضحًا.
قال الرجل:
“لو المشروع ده اتكشف هنروح كلنا في داهية.”
ورد سليم:
“مش هيتكشف.”
ثم انقطع الفيديو.
القاعة كلها انفجرت بالأسئلة.
أما ليلى فكانت تنظر إلى سليم.
وتنتظر.
لأنها تعرفه الآن.
وتعرف أنه ليس المجرم الذي يحاول رامز رسمه.
وأخيرًا تكلم سليم.
رفع رأسه.
وقال:
“كمّل الفيديو.”
تجمد رامز.
لأول مرة.
ثم قال:
“إيه؟”
أعاد سليم الجملة.
“كمّل.”
ساد الصمت.
أما رامز فبدا متوترًا.
لأول مرة منذ بداية الاجتماع.
قال سليم بصوت أقوى:
“شغّل الباقي.”
هنا فقط فهمت ليلى.
الفيديو مقطوع.
ومتلاعب به.
وبالفعل.
بعد ضغط شديد من الموجودين.
تم تشغيل النسخة الكاملة.
وظهرت الحقيقة.
الرجل الذي كان يتحدث مع سليم لم يكن شريك فساد.
بل مسؤولًا أبلغ سليم بوجود عملية غسل أموال داخل الشركة.
وكان سليم يقول إنه سيكشفها.
ويبلغ الجهات المختصة.
اتسعت عيون الحاضرين.
أما رامز فاختفت ابتسامته.
لأن خطته الأولى انهارت.
لكن الكارثة الحقيقية جاءت بعدها.
لأن سليم نظر مباشرة إلى أخيه.
وقال أمام الجميع:
“قولهم مين ق*تل أبويا.”
الصمت سقط على القاعة.
كأن الهواء اختفى.
حتى ليلى شعرت بقلبها يتوقف.
أبوهم؟
قت*ل؟
بص رامز إلى سليم.
ثم إلى الحاضرين.
وفجأة…
ضحك.
لكن الضحكة المرة دي لم تكن هادئة.
كانت ضحكة شخص انتهى.
شخص سقط القناع من على وجهه.
وقال:
“أخيرًا وصلت للجزء ده؟”
ثم نظر إلى الجميع.
وأضاف:
“أيوة.”
شهقت القاعة بالكامل.
لكن رامز لم يتوقف.
وقال:
“وأبوكوا ماكانش أول واحد.”
ثم نظر مباشرة إلى نادين.
التي كانت واقفة بجوار يوسف.
وقال:
“ولا آخر واحد.”
وفي اللحظة دي…
تغير لون وجه نادين تمامًا.
وسقطت حقيبتها من يدها على الأرض.
لأنها فهمت المقصود.
وفهمت أن رامز على وشك كشف السر الذي أخفته طوال ثلاث سنوات.
السر الذي لو خرج للنور…
سيحطم حياة يوسف للأبد.
يتبع…
الفصل الأخير
سقطت الحقيبة من يد نادين.
ودوى صوتها في القاعة الصامتة.
كل العيون اتجهت نحوها.
أما رامز فابتسم.
لأول مرة منذ سنوات كان يشعر أنه استعاد السيطرة.
قال وهو ينظر إلى يوسف:
“اسأل أمك.”
اتقبض قلب يوسف.
وبص لنادين.
“أسألها عن إيه؟”
لكن نادين كانت شاحبة.
مرعوبة.
كأنها عاشت اللحظة دي ألف مرة في كوابيسها.
قال رامز:
“اسألها مين أبوك الحقيقي.”
ساد صمت مرعب.
أما يوسف فحدق فيه غير مستوعب.
ثم التفت إلى أمه.
“إيه الكلام ده؟”
بدأت دموع نادين تنزل.
وقالت:
“متسمعش له.”
لكن رامز قاطعها.
وأخرج ملفًا قديمًا.
ثم رماه على الطاولة.
“افتحه.”
اقترب يوسف ببطء.
فتح الملف.
وبدأ يقرأ.
ورقة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وفجأة تجمد مكانه.
نتيجة تحليل قديمة.
ثم أوراق طبية.
ثم تقارير عقم.
اسم سليم الحديدي عليها.
شعر الجميع بالصدمة.
أما يوسف فرفع رأسه ببطء.
ونظر إلى سليم.
كانت عيناه مليئتين بالألم.
لكن سليم لم يهرب من النظر إليه.
قال رامز بصوت مرتفع:
“سليم عمره ما كان يقدر ينجب.”
ثم أشار إلى يوسف.
وأضاف:
“يعني أنت مش ابنه.”
القاعة انفجرت بالهمسات.
لكن سليم ظل هادئًا.
هادئًا بشكل غريب.
ثم قال:
“خلصت؟”
تجمد رامز.
لأن رد الفعل لم يكن كما توقع.
قال بغضب:
“إنت فاهم أنا بقول إيه؟”
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة.
ثم نظر إلى يوسف.
وقال:
“أنا عارف.”
القاعة كلها سكتت.
يوسف نفسه شهق.
أما نادين فانهارت دموعها.
وقال سليم بهدوء:
“عارف من يوم ما كان عنده ست شهور.”
كأن صاعقة ضربت المكان.
قال يوسف بصوت مبحوح:
“إيه؟”
أخذ سليم نفسًا عميقًا.
ثم قال:
“لما اتجوزت أمك كنا بنحاول نخلف سنين.”
سكت لحظة.
وأضاف:
“ولما عرفت إني مش هقدر أخلف… اتكسرت.”
نزل الصمت على القاعة.
أما سليم فأكمل:
“وفي يوم نادين اعترفتلي بكل حاجة.”
كانت تبكي بصمت.
أما هو فتابع:
“اعترفت إنها غلطت.”
أغمض عينيه لحظة.
ثم قال:
“وكان قدامي اختيارين.”
نظر إلى يوسف.
وقال:
“إما أعاقبها.”
“أو أحب الطفل اللي ملوش ذنب.”
دموع يوسف بدأت تنزل.
أما سليم فابتسم.
وأضاف:
“ومن أول مرة شيلتك فيها… بقيت ابني.”
ساد الصمت.
صمت مختلف هذه المرة.
صمت مليء بالمشاعر.
ثم قال:
“الدم بيعمل نسب.”
وأشار إلى قلبه.
“لكن ده اللي بيعمل أب.”
انفجر يوسف بالبكاء.
ولأول مرة منذ سنوات.
جرى نحو سليم.
وارتمى في حضنه.
حتى لو كان الحضن ضعيفًا.
حتى لو كان الجسد ما زال يتعافى.
كان حضن أب.
والد حقيقي.
في تلك اللحظة أدرك الجميع أن رامز خسر.
لأن السر الذي أخفاه سنوات لم يدمرهم.
بل جمعهم.
أما رامز فبدأ يفقد أعصابه.
صرخ:
“كلكم أغبياء.”
ثم التفت نحو الباب.
لكن رجال الأمن كانوا قد أغلقوا كل المخارج.
اقتربت الشرطة.
وتقدمت نحوه.
لكن فجأة رفع يده.
وضغط زرًا صغيرًا كان مخفيًا في ساعته.
وفجأة ظهرت عشرات الملفات على الشاشة العملاقة.
حسابات.
تحويلات.
شركات.
أسماء.
أدلة كاملة.
ليس ضد سليم.
بل ضد رامز نفسه.
اتسعت عيون الجميع.
أما رامز فشحب وجهه.
لأنه أدرك متأخرًا أن نادر كان قد استبدل محتوى جهازه قبل الاجتماع.
كل جرائمه ظهرت أمام الجميع.
محاولات قت*ل.
اختلاس.
غسيل أموال.
رشاوى.
تزوير.
وحتى الأدلة الخاصة بحادث الطائرة.
ثم ظهر تسجيل صوتي واضح.
صوت رامز نفسه.
يقول:
“طالما سليم عايش أنا عمري ما هاخد حاجة.”
انتهى التسجيل.
وانتهى معه كل شيء.
اقترب الضباط.
هذه المرة لم يقاوم.
لم يهرب.
لم يصرخ.
كان يعرف أن اللعبة انتهت.
وأثناء إخراجه من القاعة التفت إلى سليم.
وقال:
“كنت دايمًا الأحسن.”
رد سليم بهدوء:
“لأ.”
ثم نظر إليه طويلًا.
وأضاف:
“كنت دايمًا أخويا… وإنت اللي اخترت تبقى غير كده.”
أخذوه خارج القاعة.
ولم يره أحد بعدها إلا خلف القضبان.
مرت ستة أشهر.
تحسن سليم بشكل مذهل.
أصبح يمشي بمساعدة بسيطة.
وعاد تدريجيًا لإدارة شركاته.
لكن أول قرار أخذه لم يكن تجاريًا.
كان إنسانيًا.
باع جزءًا من ممتلكاته.
وأنشأ مؤسسة لعلاج مرضى الإصابات العصبية مجانًا.
وحمل المركز اسم الشخص الذي أنقذه حين تخلى عنه الجميع.
“مركز ليلى الجندي للتأهيل العصبي.”
عندما رأت ليلى اللافتة بكت.
أما سليم فاكتفى بالابتسام.
وقال:
“أنا مدين لك بحياتي.”
لكنها هزت رأسها.
وقالت:
“وأنا مدينة لك بكرامتي.”
أما يوسف…
فلم يعد يهتم بمن كان والده البيولوجي.
لأن الحقيقة أصبحت واضحة.
الأب ليس من أنجب.
الأب هو من بقي.
ومن ضحى.
ومن أحب.
ومن انتظر.
ومن عاد.
وفي أحد أيام الربيع.
كانت الحديقة الخلفية للقصر مليئة بالضحك.
جنا تجري خلف الفراشات.
وآدم يحاول تعليم سليم لعبة إلكترونية جديدة.
يوسف يجلس بجوار أمه.
ونادر يضحك لأول مرة منذ سنوات.
أما ليلى فكانت تراقب المشهد كله من بعيد.
الشمس كانت تغرب ببطء.
والهواء دافئًا.
وفجأة جلس سليم بجوارها.
نظر إلى الأطفال.
ثم قال:
“عارفة إيه أغرب حاجة حصلت في حياتي؟”
ابتسمت.
“إيه؟”
قال وهو ينظر إليها:
“إن الست اللي جت القصر علشان وظيفة محدش رضي يقبلها…”
سكت لحظة.
ثم أكمل:
“…هي اللي رجعتلي حياتي كلها.”
ابتسمت ليلى.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة.
شعرت أن المستقبل لا يخيفها.
لأن بعض النهايات السعيدة…
تبدأ فعلًا من وظيفة محدش كان عايزها.
تمت.
