كليتي حكايات روماني ×3

الفصل الرابع

 

مرت سنتان.

 

سنتان كاملتان منذ خرجت من غرفة العمليات بنصف جسد ونصف قلب.

 

لكن الحياة كانت غريبة.

 

كلما ظننت أنني خسرت كل شيء…

 

كنت أكتشف أنني ربحت نفسي.

 

—

 

أصبحت أعمل في أحد أكبر المراكز الطبية المتخصصة.

 

واستأجرت شقة صغيرة هادئة.

 

وزرعت في شرفتها نباتات كنت أعتني بها كل صباح.

 

لأول مرة منذ سنوات…

 

أصبحت حياتي تخصني أنا.

 

فقط أنا.

 

—

 

وفي صباح أحد الأيام…

 

كنت أجلس في مكتبي أراجع بعض الملفات.

 

عندما دخلت السكرتيرة بسرعة.

 

وقالت:

 

“في حد برة مصمم يقابلك.”

 

رفعت رأسي.

 

“مين؟”

 

ترددت قليلًا.

 

ثم قالت:

 

“الأستاذ سامح.”

 

—

 

شعرت بانقباض خفيف في صدري.

 

ليس حبًا.

 

ولا شوقًا.

 

بل بقايا ذكرى بعيدة.

 

—

 

طلبت منها تدخله.

 

وبعد ثوانٍ…

 

دخل سامح.

 

لكن ليس سامح الذي عرفته.

 

كان يبدو أكبر من عمره.

 

وشعره امتلأ بالشيب.

 

وعيناه تحملان إرهاق سنوات كاملة.

 

—

 

جلس بصمت.

 

ثم وضع ظرفًا فوق المكتب.

 

وقال:

 

“دي آخر حاجة.”

 

سألته:

 

“إيه ده؟”

 

قال:

 

“اقري.”

 

—

 

فتحت الظرف.

 

فوجدت عقد بيع.

 

عقد بيع الفيلا القديمة.

 

البيت الذي عشنا فيه معًا.

 

—

 

رفعت رأسي باستغراب.

 

فقال:

 

“بعت كل حاجة فاضلة.”

 

“وحوّلت نص المبلغ باسمك.”

 

—

 

تنهدت.

 

وقلت:

 

“لسه بتحاول تعوض؟”

 

ابتسم بحزن.

 

وقال:

 

“لأ.”

 

ثم سكت قليلًا.

 

وأضاف:

 

“بس بحاول أرتاح.”

 

—

 

ولأول مرة…

 

شعرت أن سامح لم يعد ينتظر مني الغفران.

 

كان فقط يحاول التصالح مع نفسه.

 

—

 

ثم وقف.

 

واستعد للمغادرة.

 

لكن قبل أن يخرج…

 

التفت نحوي.

 

وقال:

 

“في حاجة عمري ما قلتها.”

 

—

 

نظرت إليه.

 

فأكمل:

 

“لما الدكتور خرج يوم العملية…”

 

“وقال إن ممكن يكون عندك مشكلة في الكلية التانية…”

 

“أنا لأول مرة حسيت بالرعب.”

 

—

 

ساد الصمت.

 

ثم قال:

 

“مش عشانك كنت هتموتي.”

 

“لكن عشان اكتشفت إني ضيعت الإنسان الوحيد اللي كان بيحبني بصدق.”

 

—

 

وانصرف.

 

دون أن ينتظر ردًا.

 

وتركني أحدق في الباب المغلق.

 

وأفكر في كل شيء.

 

—

 

وفي تلك الليلة…

 

بكيت.

 

ليس عليه.

 

بل على المرأة التي كنتها يومًا.

 

المرأة التي كانت تعتقد أن الحب يعني التضحية بلا حدود.

 

—

 

لكن الفصل الأخير من القصة…

 

لم يكن قد كُتب بعد.

 

—

 

بعد ستة أشهر…

 

كانت حماتي السابقة تتردد على المستشفى باستمرار للفحوصات الدورية.

 

وأصبحت علاقتنا أقرب من أي وقت مضى.

 

المفارقة المؤلمة…

 

أننا أصبحنا عائلة بعد الطلاق أكثر مما كنا أثناء الزواج.

 

—

 

وفي أحد الأيام…

 

دخلت عليّ وهي تحمل ظرفًا صغيرًا.

 

وقالت:

 

“ده لازم تشوفيه.”

 

فتحت الظرف.

 

فوجدت رسالة بخط يد سامح.

 

—

 

كانت قصيرة جدًا.

 

لكنها جعلتني أتجمد.

 

كتب فيها:

 

“لو وصلتك الرسالة دي…”

 

“يبقى أنا مشيت.”

 

يتبع…الفصل السادس

 

بعد المؤتمر بثلاثة أشهر…

 

كنت قد عدت إلى القاهرة.

 

وعادت الحياة إلى هدوئها المعتاد.

 

أو هكذا ظننت.

 

—

 

في صباح يوم خريفي هادئ…

 

وصلني اتصال من رقم غريب.

 

رددت بهدوء:

 

“ألو؟”

 

جاءني صوت سيدة مسنة.

 

مرتبك.

 

ومتردد.

 

ثم قالت:

 

“حضرتك الأستاذة مريم؟”

 

“أيوه.”

 

—

 

سكتت لثوانٍ.

 

ثم قالت جملة جعلت قلبي ينقبض:

 

“الأستاذ سامح في المستشفى.”

 

—

 

تجمدت في مكاني.

 

رغم مرور السنوات.

 

رغم الطلاق.

 

رغم كل شيء.

 

بقي جزء صغير من روحي يتمنى ألا يصيبه مكروه.

 

—

 

سألت بسرعة:

 

“ماله؟”

 

قالت السيدة:

 

“حادث عربية.”

 

—

 

بعد ساعة…

 

كنت أقف أمام غرفة العناية المركزة.

 

أشعر بنفس البرودة التي شعرت بها يوم عمليتي.

 

كأن الزمن يعيد نفسه بطريقة غريبة.

 

—

 

خرج الطبيب.

 

فسألته فورًا:

 

“هو عامل إيه؟”

 

أجاب:

 

“الحمد لله خرج من الخطر.”

 

تنفست الصعداء دون أن أشعر.

 

—

 

دخلت الغرفة.

 

كان سامح نائمًا.

 

وجهه شاحب.

 

ورأسه ملفوف بالضمادات.

 

لكن قلبه كان ينبض.

 

وذلك كان كافيًا.

 

—

 

فتح عينيه ببطء.

 

وحين رآني…

 

ابتسم.

 

ابتسامة ضعيفة جدًا.

 

وقال:

 

“كنت عارف إنك هتيجي.”

 

—

 

ضحكت رغم دموعي.

 

وقلت:

 

“لسه عندك ثقة كبيرة بنفسك.”

 

—

 

ابتسم.

 

ثم قال:

 

“لأ.”

 

“بس كنت عارف إن قلبك أنضف مني.”

 

—

 

ساد الصمت.

 

—

 

ثم مد يده بصعوبة ناحية الدرج الجانبي.

 

وأخرج ظرفًا صغيرًا.

 

وقال:

 

“خديه.”

 

—

 

فتحت الظرف.

 

فوجدت بداخله صورة قديمة.

 

صورة من أول سنة جواز.

 

كنت أضحك فيها.

 

وأقف بجواره.

 

وأحلامنا أكبر من الدنيا كلها.

 

—

 

خلف الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة.

 

بخط يده.

 

—

 

“دي آخر مرة شوفتك فيها سعيدة بسببي.”

 

—

 

شعرت بشيء يعتصر قلبي.

 

—

 

قال سامح:

 

“قعدت سنين أبص للصورة دي.”

 

“وأفكر إمتى بالظبط بقيت الشخص اللي كسر كل ده.”

 

—

 

لم أجد ردًا.

 

—

 

فأكمل:

 

“عارفة أكتر حاجة وجعتني؟”

 

“إني كل ما بقيت إنسان أحسن…”

 

“كنت باكتشف قد إيه كنت وحش.”

 

—

 

انهمرت دموعي بصمت.

 

—

 

بعد أسابيع…

 

خرج سامح من المستشفى.

 

وعاد إلى حياته.

 

أما أنا…

 

فعدت إلى عملي.

 

لكن هذه المرة كان هناك سلام مختلف.

 

—

 

سلام سببه أن الماضي أخيرًا توقف عن مطاردتي.

 

—

 

وفي إحدى الأمسيات…

 

كنت أقف في شرفة منزلي.

 

أراقب غروب الشمس.

 

حين وصلتني رسالة قصيرة.

 

من سامح.

 

—

 

فتحتها.

 

فوجدت سطرًا واحدًا فقط:

 

“شكرًا لأنك أنقذتي أمي.”

 

—

 

ثم بعده مباشرة:

 

“وشكرًا لأنك أنقذتي إنسانيتي… حتى بعد ما خسرتك.”

 

—

 

أغلقت الهاتف.

 

وابتسمت.

 

—

 

بعض الناس لا يعودون إلى حياتنا.

 

لكنهم يتركون وراءهم درسًا لا ينسى.

 

وبعض الجراح لا تختفي.

 

لكنها تتحول إلى ندوب تذكرنا أننا نجونا.

 

وأنا…

 

لم أعد المرأة التي استيقظت يومًا على سرير المستشفى لتجد أوراق الطلاق بجوارها.

 

—

 

أنا المرأة التي نهضت بعدها.

 

وعاشت.

 

وأصبحت أقوى.

 

وأجمل.

 

وأهدأ.

 

من أي وقت مضى.

 

النهاية الحقيقية.الفصل السابع

 

كنت أظن أن كل شيء انتهى.

 

أن القصة أُغلقت أخيرًا.

 

وأن كل واحد منا أخذ طريقه.

 

لكن الحياة أحيانًا…

 

تكتب فصولًا إضافية لم نطلبها.

 

—

 

مر عام كامل.

 

ثم عام آخر.

 

وأصبحت مديرة لأحد أكبر مراكز زراعة الأعضاء في مصر.

 

كان اسمي يظهر في المؤتمرات الطبية.

 

وفي البرامج التوعوية.

 

وأصبح كثير من المرضى يعرفون قصتي.

 

ليس لأنني ضحية.

 

بل لأنني نجوت.

 

—

 

وفي أحد الأيام…

 

كنت أراجع ملفات المرضى.

 

عندما دخلت السكرتيرة بسرعة.

 

وقالت:

 

“في سيدة كبيرة مستنياكي بره.”

 

—

 

رفعت رأسي.

 

“اسمها إيه؟”

 

—

 

قالت:

 

“الحاجة أمينة.”

 

—

 

تجمدت يدي.

 

لأن هذا اسم حماتي السابقة.

 

—

 

دخلت بعد دقائق.

 

لكنها لم تكن كما أتذكرها.

 

بدا عليها العمر.

 

أكثر بكثير.

 

وشعرها الأبيض ازداد.

 

وعيناها امتلأتا بحزن غريب.

 

—

 

جلست أمامي.

 

ثم أخرجت ظرفًا قديمًا.

 

وقالت:

 

“ده كان لازم يوصل لك من زمان.”

 

—

 

أخذت الظرف.

 

وكان مغلقًا بالشمع.

 

وعليه اسمي.

 

—

 

فتحت الظرف ببطء.

 

وأخرجت منه خطابًا.

 

بخط يد سامح.

 

لكن تاريخ الخطاب كان منذ أربع سنوات.

 

أي قبل الحادث.

 

وقبل المؤتمر.

 

وقبل آخر مرة رأيته فيها.

 

—

 

بدأت أقرأ.

 

—

 

“مريم…

 

لو وصل لك الجواب ده يبقى أنا فشلت أقول الكلام ده بنفسي.”

 

—

 

شعرت بقلبي ينقبض.

 

—

 

“أنا عارف إنك عمرك ما هترجعي.”

 

“وعارف إني ما استحقش.”

 

“لكن في حاجة لازم تعرفيها.”

 

—

 

تابعت القراءة.

 

—

 

“بعد العملية بثلاثة أيام…”

 

“كنت ناوي أطلقك فعلًا.”

 

“لكن بعد ما خرجت من المستشفى…”

 

“عرفت الحقيقة.”

 

—

 

توقفت أنفاسي.

 

—

 

أي حقيقة؟

 

—

 

أكملت القراءة بسرعة.

 

—

 

“عرفت إن الدكتور اللي تابع حالتك كان شاكك إن عندك مشكلة صحية خطيرة.”

 

“وإنك رغم ده كله…”

 

“ما تراجعتيش.”

 

“وما فكرتيش في نفسك.”

 

“وفضلتِ مصممة تنقذي أمي.”

 

—

 

بدأت الدموع تنزل من عيني.

 

—

 

ثم وصلت إلى السطر الأخير.

 

—

 

“في اللحظة دي بس…”

 

“فهمت معنى الحب.”

 

“لكن كان بعد فوات الأوان.”

 

—

 

أغلقت الرسالة.

 

وأغمضت عيني.

 

—

 

جلست أمينة تبكي.

 

ثم قالت:

 

“ابني ضيّعك بإيده.”

 

“وفضل طول عمره ندمان.”

 

—

 

نظرت إليها.

 

ثم ابتسمت بهدوء.

 

—

 

وقلت:

 

“كلنا بنغلط.”

 

—

 

هزت رأسها.

 

وقالت:

 

“بس مش كل الناس بتلاقي فرصة تصلح.”

 

—

 

ساد الصمت.

 

—

 

ثم وقفت.

 

واستعدت للمغادرة إلى اجتماع مهم.

 

لكن قبل أن أخرج من المكتب…

 

نظرت من النافذة.

 

إلى المدينة.

 

إلى الحياة التي بنيتها.

 

إلى الطريق الطويل الذي قطعته.

 

—

 

وأدركت شيئًا أخيرًا.

 

—

 

لو عاد الزمن…

 

كنت سأنقذ حياتها مرة أخرى.

 

لكنني هذه المرة…

 

ما كنت لأضحي بنفسي من أجل شخص لا يعرف قيمتي.

 

—

 

لأن الحب الحقيقي…

 

لا يطلب منك أن تختفي.

 

ولا أن تنكسر.

 

ولا أن تنزف وحدك.

 

—

 

الحب الحقيقي…

 

يمسك يدك وأنت في غرفة العمليات.

 

ولا يضع أوراق الطلاق بجوار سريرك.

 

تمت النهاية فعلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *