سائقا خاصا حكـايـات أسمـا ×4
الفصل السادس
ساد الصمت لثوانٍ بعد اعتراف كريم.
ثم انفجر صوت سامح من الهاتف:
“إنت اتجننت؟!”
لكن كريم لم يتراجع.
بل قال بهدوء غريب:
“أنا تعبت يا سامح.”
“تعبت من الكذب.”
“وتعبت من سرقة أمي.”
“وتعبت من العيش في خوف طول الوقت.”
جاء صوت ارتطام شيء على الطرف الآخر.
ثم صرخ سامح:
“إنت انتهيت!”
وأغلق الخط.
—
نظرت السيدة ليلى إلى ابنها الأصغر.
وعيناها تمتلئان بالدموع.
قالت:
“كان نفسي أسمع منك الكلام ده من سنين.”
خفض كريم رأسه.
ولم يرد.
لأنه كان يعرف أنها محقة.
فهو لم يكن بريئًا تمامًا.
كان يعلم أن إخوته يعبثون بأموال العائلة.
وكان يرى بعض التجاوزات.
لكنه ظل صامتًا.
حتى اكتشف أنهم مستعدون للتخلص من أمهم نفسها.
عندها فقط قرر الوقوف ضدهم.
—
في صباح اليوم التالي.
استيقظنا على عشرات الاتصالات.
وأخبار عاجلة.
وقنوات تلفزيونية تتحدث عن تحقيقات مالية ضخمة تخص مجموعة المنشاوي.
كانت الشرطة الاقتصادية والنيابة قد تحركتا بالفعل.
وبدأت مراجعة الحسابات والشركات.
وبعض المديرين التنفيذيين اختفوا فجأة.
في حين تم استدعاء آخرين للتحقيق.
أما سامح وشقيقته ندى فكانا يحاولان إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لكن الأدلة كانت كثيرة جدًا.
وأقدم من أن يتم محوها.
—
بعد ثلاثة أيام.
أصدرت المحكمة قرارًا بإلغاء الوصاية المؤقتة على السيدة ليلى.
وثبت رسميًا أنها بكامل قواها العقلية.
وعندما خرجت من المحكمة.
تجمهر الصحفيون حولها.
لكنها تجاهلت الجميع.
واتجهت نحوي مباشرة.
ثم أمسكت يدي أمام الكاميرات.
وقالت:
“عايزة الناس كلها تعرف إن ده ابني.”
توقفت الدنيا حولي للحظة.
عدسات التصوير.
الصحفيون.
الأسئلة.
كل شيء اختفى.
ولم أرَ سوى تلك المرأة التي أمضت أربعين عامًا تبحث عن طفلها.
—
بعد أسبوعين.
عاد الهدوء تدريجيًا.
وعادت زوجتي وأطفالي إلى منزلنا.
وكان أصعب شيء بالنسبة لهم استيعاب ما حدث.
ابني الأكبر ظل يسألني أيامًا كاملة:
“يعني عندنا جدة غنية بجد؟”
فتضحك السيدة ليلى وتقول:
“غنية ولا لأ… المهم إني جدتك.”
ثم تعطيه قطعة حلوى سرًا.
رغم اعتراض والدته.
—
أما أنا.
فكنت أحاول التكيف مع حياة جديدة بالكامل.
لكنني اتخذت قرارًا واضحًا منذ البداية.
لن أترك عملي.
ولن أعيش كأحد الأثرياء المتعجرفين.
كنت أعرف جيدًا معنى أن تنام وأنت لا تعرف كيف ستدفع الإيجار.
وأعرف معنى أن تحسب ثمن الخبز قبل أن تشتريه.
ولم أرد أن أنسى ذلك أبدًا.
—
في أحد الأيام.
استدعتني السيدة ليلى إلى مكتبها.
كان نفس المكتب الذي كنت أنتظر فيه سابقًا كموظف.
لكن هذه المرة جلست أمامها كابن.
أخرجت ملفًا من الدرج.
ووضعته أمامي.
وقالت:
“افتح.”
فتحته.
فوجدت أوراق تأسيس مؤسسة خيرية ضخمة.
سألتها:
“إيه ده؟”
ابتسمت.
وقالت:
“دي المؤسسة اللي كنت بحلم أعملها من عشرين سنة.”
ثم نظرت إليّ.
وأضافت:
“وعايزاك تديرها.”
تفاجأت.
“أنا؟”
هزت رأسها.
وقالت:
“لأنك عشت الحياة اللي الناس دي عايشاها.”
“إنت عارف يعني إيه أب يبقى مش لاقي مصاريف المدرسة.”
“وعارف يعني إيه أم تخاف من فاتورة الكهرباء.”
“أنا عندي فلوس.”
“لكن إنت عندك الحاجة الأهم.”
“عندك إحساس.”
—
مرت الشهور.
وبدأت المؤسسة عملها.
ساعدنا مئات الأسر.
وسددنا ديونًا عن أرامل.
وعالجنا أطفالًا.
ومولنا منحًا تعليمية.
ولأول مرة في حياتي.
كنت أشعر أن كل الألم الذي مررت به لم يذهب هباءً.
—
أما سامح وندى.
فكانت قضاياهم ما تزال مستمرة.
وكشفت التحقيقات أنهم أخفوا ملايين الجنيهات عبر شركات وهمية.
وواجهوا سلسلة طويلة من المحاكمات.
في حين اختار كريم التعاون الكامل مع السلطات.
مما ساعد على استعادة جزء كبير من الأموال.
—
وفي مساء هادئ بعد نحو عام.
ذهبت مع السيدة ليلى إلى مقابر العائلة.
كما كنت أفعل أيام عملي سائقًا لديها.
حملت هي الزهور البيضاء.
وسرنا معًا بين الأشجار.
حتى وصلنا إلى قبر زوجها الراحل.
وقفت أمامه طويلًا.
ثم قالت بهدوء:
“كنت فاكرة إني خسرت كل حاجة.”
ونظرت إليّ.
وأضافت:
“بس ربنا رجعلي ابني بعد أربعين سنة.”
ابتسمت.
وأجبت:
“وأنا كمان كنت فاكر إني لوحدي.”
—
وقبل أن نغادر.
أخرجت من حقيبتها شيئًا صغيرًا.
ثم وضعته في يدي.
نظرت إليه.
فتجمدت.
كان دبوس الألماس.
نفس الدبوس الذي بدأت بسببه كل القصة.
ضحكت للمرة الأولى من قلبي.
أما هي فضحكت أيضًا.
وقالت:
“أعتقد إني مدينة لك باعتذار من زمان.”
فأجبت مبتسمًا:
“متأخر شوية.”
قالت:
“أربعين سنة تقريبًا.”
فضحكنا معًا.
ثم غادرنا المقبرة ببطء.
أم وابن.
وجدا بعضهما أخيرًا بعد عمر كامل من الفقد.
النهاية.