اتوبيس عام حكـايـات أسمـا ×2
الفصل التالي
مرت عدة أشهر على قضية والد حسام.
وعادت الحياة إلى هدوئها النسبي.
المؤسسة تتوسع.
ومشروعات المياه تنتشر في محافظات جديدة.
وأميرة بدأت تستعيد شيئًا من الراحة التي افتقدتها سنوات طويلة.
أما سلمى…
ابنة أميرة.
فكانت قد أصبحت في الخامسة عشرة من عمرها.
ذكية.
هادئة.
وتشبه والدها الراحل محمود أكثر مما تتخيل أمها.
وفي أحد أيام الصيف، قررت أميرة أخيرًا ترتيب غرفة التخزين القديمة في شقتها الأولى.
الشقة التي احتفظت بها رغم انتقالها إلى منزل جديد بعد زواجها من حسام.
كانت هناك صناديق لم تُفتح منذ سنوات.
ملابس قديمة.
صور.
دفاتر.
وأشياء احتفظت بها فقط لأنها لم تملك الشجاعة للتخلص منها.
وأثناء البحث…
عثرت سلمى على صندوق خشبي صغير.
كان مغلقًا بمفتاح صدئ.
لفت انتباهها اسم مكتوب بخط يد قديم.
“محمود عبدالسلام”
والدها.
نادَت أمها.
لكن أميرة كانت منشغلة في غرفة أخرى.
ففتحت الصندوق بنفسها.
وفي الداخل وجدت مجموعة أوراق.
وصورًا قديمة.
وظرفًا أصفر صغيرًا كُتب عليه:
“إلى سلمى… عندما تكبر.”
توقفت أنفاسها.
لأن والدها توفي وهي لا تزال طفلة رضيعة.
ولم تسمع صوته يومًا.
ولم تتلقَّ منه أي رسالة.
ركضت إلى أمها.
وكانت يدها ترتجف.
عندما قرأت أميرة الجملة المكتوبة على الظرف…
جلست على الأرض فورًا.
وانفجرت بالبكاء.
لأنها لم ترَ هذا الظرف من قبل.
فتحت الرسالة ببطء.
وكانت الورقة قديمة ومصفرة من الزمن.
لكن الكلمات ما زالت واضحة.
“إلى ابنتي سلمى…
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فربما لم أكن موجودًا لأراكِ تكبرين.
وأرجو أن يكون هذا مجرد احتياط لا أكثر.
لكن لو حدث الأسوأ…
أريدك أن تعرفي شيئًا مهمًا.
أمكِ أقوى امرأة عرفتها في حياتي.
ولو كبرتِ يومًا وشعرتِ أن الدنيا صعبة…
انظري إليها فقط.
ستتعلمين منها كل شيء.
أما أنا…
فلا أريد منكِ أن تتذكري وجهي.
أريدك فقط أن تكوني إنسانة طيبة.
لأن الطيبة هي الشيء الوحيد الذي يبقى عندما يختفي كل شيء آخر.”
توقفت سلمى عن القراءة.
وانهمرت دموعها.
بينما كانت أميرة تبكي بصمت.
لكن الرسالة لم تنتهِ بعد.
كان هناك سطر أخير.
سطر جعل الجميع يتوقف.
“وفي الدرج السفلي من مكتبي يوجد ملف أسود.
إذا حدث لي شيء…
أعطوه للمحامي سامح رشدي فورًا.”
نظر الثلاثة إلى بعضهم.
أميرة.
وسلمى.
وحسام.
فقد كان مكتب محمود القديم لا يزال محفوظًا داخل الشقة.
ولم يفتحه أحد منذ وفاته.
اقتربوا منه.
وفتحوا الدرج السفلي.
وفي الداخل…
كان هناك ملف أسود بالفعل.
كما وصفه محمود تمامًا.
ساد الصمت.
ثم فتحه حسام.
وبعد دقائق من القراءة…
شحب وجهه.
قالت أميرة بقلق:
“في إيه؟”
رفع رأسه ببطء.
وقال:
“محمود كان بيحقق في قضية كبيرة قبل وفاته.”
“قضية إيه؟”
أجاب:
“فساد.”
بدأ الجميع يقرأ الأوراق.
واتضح أن محمود اكتشف قبل وفاته شبكة تلاعب ضخمة داخل إحدى الشركات الكبرى.
وكان قد جمع أدلة خطيرة.
لكنه توفي قبل أن يسلمها للجهات المختصة.
والأغرب…
أن بعض الأسماء الموجودة في الملف ما زالت معروفة حتى اليوم.
بل إن بعضها يشغل مناصب مهمة.
قالت أميرة بصوت مرتجف:
“يعني محمود كان ناوي يكشفهم؟”
هز حسام رأسه.
“أيوه.”
ثم أضاف:
“واضح إنه كان قريب جدًا.”
أغلق الملف للحظة.
وقال:
“بس السؤال المهم…”
“إيه هو؟”
“مين كان عارف إن محمود عنده الملفات دي؟”
ساد الصمت مجددًا.
لأن الإجابة قد تكون مخيفة.
إذا كان هناك من عرف بوجود هذه الأدلة قبل سنوات…
فربما لم يكن حادث محمود مجرد حادث عادي كما اعتقد الجميع.
وفي تلك الليلة…
لم يستطع أحد النوم.
أما سلمى…
فكانت جالسة تحت ضوء غرفتها الخافت.
تمسك رسالة والدها.
وتقرأها للمرة العاشرة.
كل مرة تصل فيها إلى جملة:
“كوني إنسانة طيبة.”
كانت تبكي.
ثم تبتسم.
لأنها شعرت لأول مرة في حياتها…
أن والدها تحدث إليها أخيرًا.
لكنها لم تكن تعلم أن الملف الأسود سيقود العائلة إلى أخطر سر واجهوه على الإطلاق.
سر سيجعلهم يعيدون النظر في كل ما ظنوا أنهم يعرفونه عن وفاة محمود.
وسيكشف أن القصة الحقيقية…
لم تبدأ أمام موقف الأتوبيس.
بل بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة جدًا.
يتبع…الفصل التالي
مع شروق الشمس في صباح اليوم التالي، كان الملف الأسود لا يزال مفتوحًا فوق طاولة غرفة المعيشة.
لم يلمس أحد الإفطار.
ولم يتحدث أحد كثيرًا.
كل واحد منهم كان غارقًا في أفكاره.
لكن حسام كان الأكثر قلقًا.
طوال الليل راجع المستندات صفحة صفحة.
وأدرك شيئًا خطيرًا.
محمود لم يكن يجمع أدلة عشوائية.
كان يقترب من اسم محدد.
اسم تكرر في أكثر من تقرير.
وأكثر من تحويل مالي.
وأكثر من عقد مشبوه.
اسم رجل أعمال معروف يدعى رفعت المنصوري.
أحد أكبر المستثمرين في قطاع البنية التحتية آنذاك.
ورجل يملك نفوذًا واسعًا حتى اليوم.
في الساعة التاسعة صباحًا.
قرر حسام زيارة المحامي سامح رشدي.
الرجل الذي ذكره محمود في رسالته.
كان سامح قد تجاوز السبعين من عمره.
ويعيش حياة هادئة بعد التقاعد.
لكن عندما رأى الملف الأسود أمامه…
اختفى اللون من وجهه.
وقال بصوت مرتجف:
“إنتوا لقيتوا الملف ده فين؟”
أجابته أميرة:
“كان مخبيه محمود.”
جلس المحامي ببطء.
وأخذ يقلب الأوراق.
ثم أغمض عينيه.
كأن ذكريات قديمة هاجمته دفعة واحدة.
سأله حسام:
“حضرتك كنت تعرف عنه؟”
تنهد الرجل طويلًا.
ثم قال:
“كنت مستنيه يظهر من عشرين سنة.”
ساد الصمت.
فأكمل:
“قبل وفاة محمود بأسبوع واحد بس… قابلني هنا.”
نظر الجميع إليه بانتباه.
وقال:
“كان خايف.”
“خايف من إيه؟”
“كان حاسس إن حد بيراقبه.”
ارتجفت يد أميرة.
لأنها تذكرت شيئًا فجأة.
شيئًا نسيته لسنوات طويلة.
قالت:
“في آخر أسبوع فعلًا كان بيتلفت حواليه طول الوقت.”
التفت الجميع إليها.
فأكملت:
“كنت فاكرة إنه متوتر بسبب الشغل.”
هز سامح رأسه.
وقال:
“لا… محمود كان عارف إنه لمس حاجة خطيرة.”
ثم فتح أحد الأدراج القديمة في مكتبه.
وأخرج ظرفًا مغلقًا.
وضعه أمام أميرة.
وقال:
“ده أمانة عندي من يوم آخر مقابلة بيني وبينه.”
شعرت أميرة أن قلبها سيتوقف.
فتحت الظرف ببطء.
وفي داخله صورة.
صورة التُقطت من بعيد.
لثلاثة رجال يقفون أمام أحد المخازن.
أحدهم كان رفعت المنصوري.
أما الثاني…
فكان شخصًا تعرفه أميرة جيدًا.
شخصًا لم تتوقع أبدًا أن تراه في هذه القضية.
شقيق محمود الأكبر.
خالد عبدالسلام.
شهقت أميرة بقوة.
وقال حسام:
“إيه؟”
ناولته الصورة.
وبمجرد أن رآها تجمد مكانه.
خالد.
عم سلمى.
الرجل الذي ظل يزورهم بعد وفاة محمود.
والذي ساعد أميرة في إجراءات العزاء.
والذي بكى يوم الجنازة.
كان موجودًا في الصورة.
وفي الجهة المقابلة تمامًا من الحقيقة.
قال سامح بهدوء مؤلم:
“محمود اكتشف قبل وفاته إن أخوه متورط.”
شعرت أميرة بالدوار.
وسقطت جالسة على الكرسي.
لم تستوعب ما تسمعه.
قالت بصوت مخنوق:
“مستحيل.”
لكن المحامي أخرج ورقة أخرى.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
وكلها تثبت أن خالد كان شريكًا سريًا في عدة شركات مرتبطة بالقضية.
قال حسام:
“يعني عم سلمى كان عارف كل حاجة؟”
أجاب سامح:
“وأكتر من كده.”
“إزاي؟”
أخرج المحامي آخر مستند.
وكان عبارة عن نسخة من رسالة إلكترونية مطبوعة.
أرسلها محمود قبل وفاته بثلاثة أيام.
وكان فيها سطر واحد فقط:
“لو حصلي حاجة… ابقوا دوروا قريب قبل ما تدوروا بعيد.”
ساد الصمت في المكتب.
صمت ثقيل ومؤلم.
لأن الرسالة أصبحت واضحة الآن.
محمود كان يحاول تحذيرهم.
وكان يعرف أن الخطر قريب منه أكثر مما يتخيل.
في تلك الليلة…
عادوا إلى المنزل.
لكن أحدًا لم ينم.
أما سلمى…
فجلست وحدها في غرفتها.
تنظر إلى صورة عمها خالد.
الرجل الذي كانت تناديه “عمو”.
الرجل الذي كان يحضر لها الهدايا كل عيد.
الرجل الذي أخبرها عشرات المرات كم كان يحب والدها.
والآن…
كانت تكتشف أن كل شيء ربما كان كذبة.
لكن الحقيقة الكاملة لم تكن قد ظهرت بعد.
لأن خالد عبدالسلام كان يخفي سرًا أخطر بكثير.
سرًا لم يُدفن مع محمود.
بل ظل حيًا طوال عشرين عامًا.
وينتظر اللحظة المناسبة للخروج إلى النور.
يتبع…
الفصل التالي
في صباح اليوم التالي، اتخذ حسام قرارًا لم يكن سهلًا.
قال لأميرة:
“لازم نقابل خالد.”
رفعت أميرة رأسها بسرعة.
كانت عيناها حمراوين من قلة النوم.
وقالت:
“بعد اللي عرفناه؟”
أجاب بهدوء:
“خصوصًا بعد اللي عرفناه.”
أما سلمى فكانت جالسة في صمت.
تحاول استيعاب أن الرجل الذي اعتبرته جزءًا من عائلتها طوال عمرها قد يكون أخفى حقيقة ضخمة عنهم.
بعد ساعات قليلة كانوا يقفون أمام منزل خالد عبدالسلام.
كان المنزل قديمًا.
يقع في حي هادئ بمصر الجديدة.
طرق حسام الباب.
وبعد لحظات ظهر خالد.
لكن ما إن رأى الوجوه الواقفة أمامه حتى اختفت الابتسامة من وجهه.
ثم وقعت عيناه على الملف الأسود الموجود في يد حسام.
وفي تلك اللحظة تحديدًا…
عرفوا أنه فهم كل شيء.
قال خالد بصوت منخفض:
“ادخلوا.”
دخلوا جميعًا.
وجلسوا في غرفة استقبال صغيرة.
ساد الصمت لدقائق.
ثم وضع حسام الملف فوق الطاولة.
وقال مباشرة:
“إحنا عرفنا.”
لم يسأل خالد عما عرفوه.
ولم يتظاهر بالجهل.
بل أغلق عينيه للحظة طويلة.
ثم قال:
“كنت عارف إن اليوم ده هييجي.”
شعرت أميرة بقشعريرة تسري في جسدها.
وقالت:
“قول الحقيقة يا خالد.”
فتح عينيه ببطء.
ونظر إلى صورة أخيه المعلقة على الجدار.
ثم قال:
“أنا خنت محمود.”
سقطت الكلمات كالصاعقة.
أما أميرة فشعرت أن الهواء اختفى من الغرفة.
أكمل خالد بصوت مكسور:
“بس مش بالطريقة اللي فاكرينها.”
نظر إليه حسام.
فأكمل:
“أنا كنت شريك صغير في بعض الشركات اللي كان بيحقق فيها.”
“يعني كنت متورط.”
“أيوه.”
“ومحمود اكتشف ده؟”
هز رأسه.
“اكتشف كل حاجة.”
ساد الصمت.
ثم قال خالد:
“وفي الليلة اللي واجهني فيها… حصل بينا أكبر خناقة في حياتنا.”
أخذ نفسًا عميقًا.
وأكمل:
“قال لي إنه هيبلغ عن الكل… حتى لو كنت أنا واحد منهم.”
انهمرت دموعه للمرة الأولى.
“وقتها اتخانقنا ومشي.”
قالت أميرة بصوت مرتجف:
“وبعدين؟”
نظر خالد إليها.
ثم قال:
“وده آخر يوم شفته فيه حي.”
سقطت دموع أميرة فورًا.
لكن خالد لم ينتهِ بعد.
قال:
“بعد موته بأسبوع… جالي شخص.”
رفع حسام حاجبيه.
“مين؟”
أجاب خالد:
“رفعت المنصوري.”
ساد الصمت.
وأضاف:
“وقال لي حاجة عمرها ما خرجت من دماغي.”
“إيه هي؟”
ابتلع خالد ريقه.
وقال:
“قال لي… أخوك كان هيضيع ناس كتير.”
شعر حسام أن قلبه يدق بعنف.
وأكمل خالد:
“وقال كمان إن اللي حصل خلاص انتهى… والأفضل إني أنسى.”
“وإنت نسيت؟”
صرخ بها حسام.
لكن خالد هز رأسه بعنف.
وقال:
“لا.”
ثم قام من مكانه.
واتجه إلى غرفة داخلية.
وبعد دقائق عاد وهو يحمل صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
وضعه فوق الطاولة.
وقال:
“عشرين سنة وأنا مستنيه اللحظة دي.”
فتح الصندوق.
وفي الداخل…
وجدوا عشرات الأقراص الإلكترونية القديمة.
وأوراقًا مختومة.
ودفتر ملاحظات بخط محمود نفسه.
نظر حسام بدهشة.
وقال:
“إيه ده؟”
أجاب خالد:
“نسخة تانية.”
تجمد الجميع.
“نسخة تانية من كل الأدلة اللي كان جامعها محمود.”
قالت أميرة وهي تكاد لا تصدق:
“إنت مخبيها من عشرين سنة؟”
أومأ برأسه.
وقال:
“لأنهم هددوني.”
“مين؟”
“كل الناس اللي كان محمود بيحقق معاهم.”
ثم أضاف بصوت مخنوق:
“وهددوا يقتلوكِ إنتِ وسلمى لو اتكلمت.”
سقطت أميرة على المقعد.
وشعرت أن الأرض تميد تحتها.
لأنها للمرة الأولى بدأت تدرك حجم الخطر الذي كان يحيط بهم دون أن يعلموا.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لا تزال داخل الصندوق.
فبين الأوراق…
وجد حسام ظرفًا صغيرًا مغلقًا.
مكتوبًا عليه بخط محمود:
“يُفتح فقط إذا ظهرت الحقيقة.”
نظر الجميع إلى بعضهم.
ثم فتح حسام الظرف ببطء.
وفي داخله ورقة واحدة فقط.
قرأ السطر الأول.
فتغير لون وجهه فورًا.
قالت سلمى بقلق:
“في إيه؟”
رفع حسام عينيه نحوها.
وكانت الصدمة واضحة على وجهه.
ثم قال:
“أبوكِ كان شاكك إن الحادث… ماكانش حادث.”
ساد الصمت.
صمت مرعب.
لكن ما جعل الدم يتجمد في عروق الجميع…
كان السطر الأخير الذي كتبه محمود قبل وفاته بيومين فقط:
“إذا وصلتم إلى هذه الرسالة… فابحثوا عن الرجل صاحب السيارة السوداء. هو الوحيد الذي رأى كل شيء.”
ولأول مرة منذ عشرين عامًا…
ظهر شاهد مجهول.
شاهد قد يكون قادرًا على كشف الحقيقة الكاملة وراء وفاة محمود عبدالسلام.
لكن السؤال كان:
هل ما زال حيًا؟
أم أن هناك من سبقه إليه؟
يتبع…