زوجتي السابقه حكايات اسما ×6
الفصل الرابع عشر: الاسم الذي أعاد الماضي كله
“من هو؟”
خرج السؤال من فمي قبل أن أشعر به.
لكن المحقق لم يجب فورًا.
كان يحدق في الملف.
وكأن ما يقرأه أكبر من مجرد قض..ية مالية.
أكبر من احتيال.
أكبر من مطاردة.
وأكبر حتى من مارك نفسه.
قال أخيرًا:
“اسم الشخص هو…”
وتوقف.
ثم نظر إلى والدي.
“…جيمس هاربر.”
ساد الصمت.
نظرت إلى والدي.
كان شاحبًا.
مرعوبًا.
وكأن شبحًا خرج من قبره.
قلت:
“من هو جيمس هاربر؟”
لم يجب أحد.
ثم فجأة جلس والدي على الكرسي خلفه.
وكأنه فقد قوته دفعة واحدة.
همس:
“لا يمكن.”
شعرت بأنفاسي تتسارع.
“من هو؟”
رفع رأسه نحوي ببطء.
وعيناه ممتلئتان بالصدمة.
ثم قال:
“كان أعز أصدقائي.”
—
قبل أكثر من ثلاثين عامًا.
قبل الشركة.
وقبل الثروة.
وقبل كل شيء.
كان هناك ثلاثة شبان فقط.
والدي.
وجيمس.
وشريك ثالث.
يحلمون ببناء مستقبل كبير.
عملوا معًا.
تعبوا معًا.
ونجحوا معًا.
ثم حدث شيء.
شيء لم أعرفه من قبل.
قال والدي:
“تعرض جيمس لحادث.”
“وقيل إنه مات.”
عقدت حاجبي.
“وقيل؟”
أومأ ببطء.
“لم أر الج..ثة.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“لكن الجميع أخبروني أنه مات.”
“والملف أُغلق.”
“والحياة استمرت.”
نظر إلى الملف أمامه.
ثم قال:
“على الأقل هذا ما ظننته.”
شعرت بقشعريرة باردة.
لأنني بدأت أفهم.
إذا كان الملف كله يدور حول جيمس…
فهذا يعني شيئًا واحدًا.
ربما لم يمت.
—
فتح المحقق الملف بالكامل.
وبدأ يقرأ.
كل صفحة كانت تكشف جزءًا جديدًا من الحقيقة.
قبل ثلاثين عامًا.
اكتشف جيمس مشروعًا ماليًا ضخمًا.
فكرة استثمارية سبقت عصرها.
لكنه لم يسجلها باسمه.
بل وضعها باسم الشركاء الثلاثة.
ثم اختفى.
وبعد اختفائه بسنوات…
تحولت الفكرة إلى إمبراطورية مالية.
الإمبراطورية نفسها التي ولدت منها الشركة.
ثم الصندوق الاستثماري.
ثم المليارات.
قال المحقق:
“قانونيًا…”
ثم نظر إلى والدي.
“…إذا كان جيمس حيًا.”
“فهو المالك الأصلي لكل شيء.”
ساد الصمت.
وشعرت أن الأرض تميد بي.
كل شيء.
الشركة.
الأصول.
الصندوق.
الثروة.
كلها.
قال دانيال:
“لهذا بدأت المطاردة.”
أومأ المحقق.
“نعم.”
“بعض الناس كانوا يبحثون عن المال.”
“لكن شخصًا آخر كان يبحث عن جيمس.”
ثم أضاف:
“منذ ثلاثين سنة.”
—
وفي تلك اللحظة…
دخل أحد الضباط مسرعًا.
كان يحمل جهازًا لوحيًا.
ويبدو عليه التوتر.
قال:
“وصلتنا نتيجة مطابقة الحمض النووي.”
التفت الجميع نحوه.
سأله المحقق:
“أي عينة؟”
أجاب:
“العينة الموجودة داخل الملف.”
شعرت بأنفاسي تتوقف.
“أي عينة؟”
قال الضابط:
“شعرة محفوظة منذ سنوات.”
“ومقارنتها بقاعدة البيانات الحديثة.”
ساد الصمت.
ثم قال:
“لدينا تطابق.”
شعرت بقلبي يقفز.
“مع من؟”
نظر الضابط إلى الشاشة.
ثم رفع رأسه.
وقال الاسم.
وللحظة…
لم أستوعب ما سمعته.
لأن الاسم كان:
ليون.
نظرت إلى الطفل الصغير النائم بين ذراعي كلير.
ثم إلى الضابط.
ثم إليه مرة أخرى.
قال الضابط:
“ليون يحمل تطابقًا وراثيًا مباشرًا مع جيمس هاربر.”
تجمدت الغرفة.
حتى المحقق بدا مذهولًا.
قلت ببطء:
“كيف؟”
أجاب:
“لا نعرف بعد.”
لكن الجميع فهم شيئًا واحدًا.
ليون لم يكن مجرد طفل في هذه القصة.
بل أصبح مفتاحها.
والمفاجأة الأكبر…
أن مارك بدأ يضحك.
ضحكة منخفضة.
مرعبة.
ثم رفع رأسه.
ونظر مباشرة إليّ.
وقال:
“أخيرًا فهمتم.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
“ماذا فهمنا؟”
ابتسم.
ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب:
“أن جيمس لم يكن يختبئ منكم.”
توقف.
ثم أكمل:
“بل كان يعيش بينكم طوال الوقت.”
ساد الصمت.
صمت مرعب.
أما أنا…
فشعرت لأول مرة أن الحقيقة التي نطاردها منذ البداية…
أقرب بكثير مما تخيلنا.
وأخطر بكثير أيضًا.
يتبع…
الفصل الخامس عشر: الرجل الذي عاش بيننا
“ماذا تقصد؟”
خرج صوتي خافتًا.
لكن مارك سمعه.
ورفع رأسه ببطء.
كانت الابتسامة قد اختفت من وجهه.
وحل مكانها شيء أشبه بالاستسلام.
أو ربما التعب.
قال:
“ثلاثون سنة.”
ثم ضحك ضحكة قصيرة.
“ثلاثون سنة وأنتم تبحثون في الأماكن الخطأ.”
اقترب المحقق منه.
“تكلم بوضوح.”
نظر مارك إلى والدي.
ثم قال:
“أنت أكثر شخص خُدع في هذه القصة.”
شعرت بأن التوتر يملأ الغرفة.
أما والدي فظل صامتًا.
قال مارك:
“كنت تبكي صديقك.”
“وتفتقده.”
“وتبحث عن قاتليه.”
ثم هز رأسه.
“بينما كنت تراه طوال الوقت.”
ساد الصمت.
قلت:
“من هو؟”
نظر إليّ.
ثم إلى الطفل ليون.
ثم قال:
“اسألوا أنفسكم سؤالًا واحدًا.”
“إذا كان جيمس حيًا…”
“فأين كان طوال هذه السنوات؟”
لم يجب أحد.
فأكمل:
“هل تعتقدون أنه عاش هاربًا؟”
“هل تعتقدون أنه اختبأ في بلد بعيد؟”
ضحك.
“لا.”
ثم قال:
“كان يراقب.”
“وينتظر.”
“ويبني.”
شعرت بقشعريرة باردة.
ثم قال المحقق:
“من هو؟”
تنهد مارك.
وأغلق عينيه للحظة.
ثم فتحهما.
وقال:
“جيمس هاربر…”
وتوقف.
ثم أشار بإصبعه نحو شخص واحد داخل الغرفة.
شخص لم يخطر ببال أي منا.
شخص وقف معنا منذ البداية.
شخص خاطر بحياته.
وحمانا.
وساعدنا.
وشاركنا كل خطوة.
قال مارك:
“هو دانيال.”
ساد الصمت.
الصمت الكامل.
ثم انفجر الجميع بالكلام في اللحظة نفسها.
“مستحيل!”
“هذا جنون!”
“كاذب!”
أما أنا…
فلم أتكلم.
كنت أحدق في دانيال.
فقط.
ودانيال…
لم ينطق كلمة واحدة.
وهنا شعرت بشيء ينقبض داخل صدري.
لأن الرجل البريء يغضب.
يدافع.
ينكر.
لكن دانيال لم يفعل شيئًا.
ظل واقفًا.
صامتًا.
شاحبًا.
ثم أغلق عينيه.
وقال:
“توقف يا مارك.”
شعرت بأن العالم يهتز.
لأنها لم تكن جملة إنكار.
بل كانت أقرب إلى اعتراف.
قال المحقق بحدة:
“هل هذا صحيح؟”
فتح دانيال عينيه ببطء.
ثم نظر إلى والدي.
كان ينظر إليه كما ينظر الابن إلى والده.
أو الصديق إلى أخيه.
وقال:
“اسمي ليس دانيال.”
توقفت أنفاسي.
أكمل:
“ولم يكن يومًا.”
أمي شهقت.
أما والدي فتراجع خطوة للخلف.
كأن السنوات الثلاثين كلها ضربته دفعة واحدة.
ثم قال الرجل الذي عرفناه باسم دانيال:
“اسمي جيمس.”
ساد الصمت.
ثم انهار كل شيء.
—
جلس الجميع.
أو حاولوا الجلوس.
أما أنا فلم أستطع.
كنت أشعر أنني داخل حلم طويل.
قال جيمس بهدوء:
“الحادث كان حقيقيًا.”
“لكنني لم أمت.”
ثم أكمل:
“عندما اكتشفت ما كان يحدث داخل الشركة…”
“عرفت أنني إذا بقيت جيمس هاربر فسأُق..تل.”
“لذلك اختفيت.”
“وصنعت هوية جديدة.”
“وأصبحت دانيال.”
نظر إلى والدي.
وعيناه تمتلئان بالدموع.
ثم قال:
“كنت أريد أن أخبرك.”
“ألف مرة.”
“لكن كل مرة كنت أخاف أن أدمرك.”
شعرت بالذهول.
ثلاثون سنة.
ثلاثون سنة كاملة.
وكان قريبًا من الجميع.
يراقب.
ويحمي.
وينتظر.
ثم سألت السؤال الذي كان يحرق رأسي.
“ولماذا ليون؟”
نظر جيمس نحو الطفل الصغير.
ثم ابتسم لأول مرة.
ابتسامة مختلفة.
دافئة.
حقيقية.
وقال:
“لأنه حفيدي.”
ساد الصمت.
ثم شعرت وكأن أحدهم سكب الماء المثلج فوق رأسي.
“ماذا؟”
قال:
“كلير ليست مجرد زوجتك السابقة.”
التفت نحو كلير.
كانت تبكي.
بصمت.
وأدركت فجأة أنها تعرف.
أو على الأقل تعرف جزءًا من الحقيقة.
قال جيمس:
“كلير ابنتي.”
توقفت أنفاسي.
نظرت إليها.
غير قادر على الكلام.
ثم إليها مرة أخرى.
كلير خفضت رأسها.
وقالت بهدوء:
“اكتشفت ذلك قبل سنة فقط.”
شعرت أن رأسي سيدور.
قالت:
“عندما فتحت الخزنة الثانية.”
“وجدت نتائج التحاليل.”
“والرسائل.”
“وكل شيء.”
ثم رفعت عينيها نحوي.
وكان فيهما حزن سنة كاملة.
وقالت:
“لهذا لم أستطع إخبارك.”
جلست بصمت.
أحاول استيعاب المستحيل.
كلير ابنة جيمس.
ليون حفيده.
ولهذا كانت المطاردة.
ولهذا كانت الأسرار.
ولهذا كان الجميع يخفون الحقيقة.
لكن بينما كنا نحاول استيعاب الصدمة…
رن هاتف المحقق.
أجاب.
استمع لثوانٍ.
ثم شحب وجهه.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قلت:
“ماذا حدث؟”
نظر إلينا.
ثم قال الكلمات التي أعادت الخطر كله دفعة واحدة:
“مارك هرب.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“واختفى معه الملف الأصلي.”
ورغم كل الأسرار التي اكتشفناها…
أدركت في تلك اللحظة أن المعركة الحقيقية لم تنتهِ بعد.
بل بدأت للتو.
يتبع…
الفصل السادس عشر: الهروب الأخير
لثوانٍ طويلة لم يتحرك أحد.
كأن الجميع توقف عن التنفس.
ثم انفجر المحقق غاضبًا:
“كيف هرب؟!”
ركض الضباط خارج الغرفة.
وامتلأت الممرات بالصراخ وأصوات أجهزة الاتصال.
أما أنا فلم أكن أفكر في مارك فقط.
كنت أفكر في شيء آخر.
إذا هرب مارك…
فهو يعرف الآن أننا اكتشفنا كل شيء.
ويعرف أن جيمس ظهر.
ويعرف أن ليون أصبح المفتاح الحقيقي للقصة كلها.
وهذا يجعله أخطر من أي وقت مضى.
—
بعد ساعة كاملة من الفوضى…
وصل التقرير الأول.
لم يكن الهروب عشوائيًا.
بل مخططًا بدقة.
أحد الحراس تلقى رشوة.
كاميرا واحدة تعطلت.
باب خدمة بقي مفتوحًا.
وسيارة كانت تنتظر بالخارج.
كل شيء كان جاهزًا.
قال المحقق:
“مارك خطط لهذا منذ البداية.”
لكن جيمس هز رأسه.
“لا.”
التفتنا إليه.
قال بهدوء:
“مارك لا يهرب دون هدف.”
شعرت بالتوتر يعود.
“ماذا تقصد؟”
نظر إليّ.
ثم إلى الطفلين.
ثم قال:
“إذا هرب الآن…”
“فهذا يعني أنه ذاهب إلى شيء أهم من حياته.”
ساد الصمت.
ثم فهم الجميع.
الملف.
الخزنة.
أو…
الأموال.
لكن جيمس هز رأسه مرة أخرى.
وقال الجملة التي أرعبتني:
“ليس المال.”
“بل الحقيقة الأخيرة.”
—
في تلك الليلة…
اجتمعنا جميعًا داخل غرفة العمليات.
الخرائط على الشاشات.
والصور.
والملفات.
ومئات الصفحات التي صودرت من منزل مارك.
وبينما كان المحققون يعملون…
وجدت نفسي جالسًا في الحديقة الخلفية.
مع كلير.
والطفلين.
لأول مرة منذ بداية هذه الفوضى.
كنا وحدنا.
حقًا وحدنا.
كان ليون نائمًا على كتفي.
أما لوكاس فكان بين ذراعي كلير.
والسماء فوقنا مليئة بالنجوم.
قالت بهدوء:
“هل ما زلت غاضبًا مني؟”
نظرت إليها.
ثم ابتسمت بحزن.
لأن السؤال كان أكبر من أن يُجاب بنعم أو لا.
قلت:
“غاضب من نفسي أكثر.”
خفضت عينيها.
فأكملت:
“كنت أظن أنك خنتِني.”
“وأنت كنتِ تحملين كل هذا وحدك.”
ساد الصمت.
ثم قالت:
“وأنا كنت أظن أنك لن تصدقني أبدًا.”
التقت أعيننا.
وللمرة الأولى منذ سنوات…
لم يكن بيننا غضب.
ولا لوم.
ولا أسرار.
فقط تعب.
وحب قديم لم يمت رغم كل شيء.
ثم قالت:
“هل تعرف ما أكثر شيء أخافني؟”
“ماذا؟”
ابتسمت بحزن.
“أن أصل إلى النهاية…”
ونظرت إلى الطفلين.
“…وأنت لا تعرف أنهما ابناك.”
شعرت بشيء يضغط على صدري.
ثم أمسكت يدها.
ببطء.
دون كلمات.
ولم تسحبها هذه المرة.
—
عند الفجر…
وصل الخبر الذي غيّر اتجاه القض..ية بالكامل.
دخل المحقق مسرعًا.
وقال:
“وجدنا المكان.”
وقف الجميع.
“أي مكان؟”
أجاب:
“البيت الأول.”
شحب وجه جيمس فورًا.
أما مارك…
فكأن اسمه ظهر فجأة في الغرفة رغم غيابه.
سألت:
“ما البيت الأول؟”
تنهد جيمس.
ثم قال:
“المكان الذي بدأ فيه كل شيء.”
—
قبل ثلاثين عامًا…
اشترى جيمس منزلاً صغيرًا خارج المدينة.
هناك كُتبت أول الخطط.
وأُسست أول الشركات.
ووُقعت أول العقود.
كان ذلك المكان بداية الإمبراطورية كلها.
ثم أُغلق.
واختفى من السجلات.
ولم يعرف أحد مكانه.
إلا ثلاثة أشخاص.
جيمس.
مارك.
وشخص ثالث.
الشخص الذي لم نعرف هويته بعد.
الشخص الذي كان يُعرف باسم:
“المدير”.
شعرت بقشعريرة باردة.
ثم قال المحقق:
“مارك موجود هناك.”
“كيف عرفتم؟”
أجاب:
“إحدى السيارات ظهرت على كاميرا طريق ريفي.”
“ثم اختفت قرب العقار.”
لم ننتظر أكثر.
انطلقنا فورًا.
أنا.
جيمس.
دانيال… أو بالأحرى جيمس الحقيقي كما بدأ عقلي يعتاد.
المحققون.
وفرق الدعم.
وساعات قليلة لاحقًا…
وصلنا.
—
كان المنزل قديمًا.
معزولًا.
يقف وسط الأشجار.
كأنه خارج الزمن.
لكن الشيء الذي جعل الجميع يتوقف…
لم يكن المنزل.
بل السيارة.
سيارة مارك.
كانت متوقفة أمام الباب.
قال أحد الضباط:
“إنه هنا.”
أحكم الجميع قبضتهم على أسلحتهم.
وتقدموا.
ثم فُتح الباب.
ببطء.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
وخرج شخص.
لكن لم يكن مارك.
ولا أي رجل مسلح.
بل امرأة مسنة.
في أواخر السبعينيات.
شعر أبيض.
ملامح هادئة.
وعصا بيدها.
توقفت أمامنا.
ثم نظرت مباشرة إلى جيمس.
وقالت بهدوء مذهل:
“تأخرت ثلاثين سنة يا بني.”
شحب وجه جيمس بالكامل.
أما أنا…
فشعرت أن الحقيقة الأخيرة أخيرًا على وشك الظهور.
يتبع…
الفصل السادس عشر: الهروب الأخير
لثوانٍ طويلة لم يتحرك أحد.
كأن الجميع توقف عن التنفس.
ثم انفجر المحقق غاضبًا:
“كيف هرب؟!”
ركض الضباط خارج الغرفة.
وامتلأت الممرات بالصراخ وأصوات أجهزة الاتصال.
أما أنا فلم أكن أفكر في مارك فقط.
كنت أفكر في شيء آخر.
إذا هرب مارك…
فهو يعرف الآن أننا اكتشفنا كل شيء.
ويعرف أن جيمس ظهر.
ويعرف أن ليون أصبح المفتاح الحقيقي للقصة كلها.
وهذا يجعله أخطر من أي وقت مضى.
—
بعد ساعة كاملة من الفوضى…
وصل التقرير الأول.
لم يكن الهروب عشوائيًا.
بل مخططًا بدقة.
أحد الحراس تلقى رشوة.
كاميرا واحدة تعطلت.
باب خدمة بقي مفتوحًا.
وسيارة كانت تنتظر بالخارج.
كل شيء كان جاهزًا.
قال المحقق:
“مارك خطط لهذا منذ البداية.”
لكن جيمس هز رأسه.
“لا.”
التفتنا إليه.
قال بهدوء:
“مارك لا يهرب دون هدف.”
شعرت بالتوتر يعود.
“ماذا تقصد؟”
نظر إليّ.
ثم إلى الطفلين.
ثم قال:
“إذا هرب الآن…”
“فهذا يعني أنه ذاهب إلى شيء أهم من حياته.”
ساد الصمت.
ثم فهم الجميع.
الملف.
الخزنة.
أو…
الأموال.
لكن جيمس هز رأسه مرة أخرى.
وقال الجملة التي أرعبتني:
“ليس المال.”
“بل الحقيقة الأخيرة.”
—
في تلك الليلة…
اجتمعنا جميعًا داخل غرفة العمليات.
الخرائط على الشاشات.
والصور.
والملفات.
ومئات الصفحات التي صودرت من منزل مارك.
وبينما كان المحققون يعملون…
وجدت نفسي جالسًا في الحديقة الخلفية.
مع كلير.
والطفلين.
لأول مرة منذ بداية هذه الفوضى.
كنا وحدنا.
حقًا وحدنا.
كان ليون نائمًا على كتفي.
أما لوكاس فكان بين ذراعي كلير.
والسماء فوقنا مليئة بالنجوم.
قالت بهدوء:
“هل ما زلت غاضبًا مني؟”
نظرت إليها.
ثم ابتسمت بحزن.
لأن السؤال كان أكبر من أن يُجاب بنعم أو لا.
قلت:
“غاضب من نفسي أكثر.”
خفضت عينيها.
فأكملت:
“كنت أظن أنك خنتِني.”
“وأنت كنتِ تحملين كل هذا وحدك.”
ساد الصمت.
ثم قالت:
“وأنا كنت أظن أنك لن تصدقني أبدًا.”
التقت أعيننا.
وللمرة الأولى منذ سنوات…
لم يكن بيننا غضب.
ولا لوم.
ولا أسرار.
فقط تعب.
وحب قديم لم يمت رغم كل شيء.
ثم قالت:
“هل تعرف ما أكثر شيء أخافني؟”
“ماذا؟”
ابتسمت بحزن.
“أن أصل إلى النهاية…”
ونظرت إلى الطفلين.
“…وأنت لا تعرف أنهما ابناك.”
شعرت بشيء يضغط على صدري.
ثم أمسكت يدها.
ببطء.
دون كلمات.
ولم تسحبها هذه المرة.
—
عند الفجر…
وصل الخبر الذي غيّر اتجاه القض..ية بالكامل.
دخل المحقق مسرعًا.
وقال:
“وجدنا المكان.”
وقف الجميع.
“أي مكان؟”
أجاب:
“البيت الأول.”
شحب وجه جيمس فورًا.
أما مارك…
فكأن اسمه ظهر فجأة في الغرفة رغم غيابه.
سألت:
“ما البيت الأول؟”
تنهد جيمس.
ثم قال:
“المكان الذي بدأ فيه كل شيء.”
—
قبل ثلاثين عامًا…
اشترى جيمس منزلاً صغيرًا خارج المدينة.
هناك كُتبت أول الخطط.
وأُسست أول الشركات.
ووُقعت أول العقود.
كان ذلك المكان بداية الإمبراطورية كلها.
ثم أُغلق.
واختفى من السجلات.
ولم يعرف أحد مكانه.
إلا ثلاثة أشخاص.
جيمس.
مارك.
وشخص ثالث.
الشخص الذي لم نعرف هويته بعد.
الشخص الذي كان يُعرف باسم:
“المدير”.
شعرت بقشعريرة باردة.
ثم قال المحقق:
“مارك موجود هناك.”
“كيف عرفتم؟”
أجاب:
“إحدى السيارات ظهرت على كاميرا طريق ريفي.”
“ثم اختفت قرب العقار.”
لم ننتظر أكثر.
انطلقنا فورًا.
أنا.
جيمس.
دانيال… أو بالأحرى جيمس الحقيقي كما بدأ عقلي يعتاد.
المحققون.
وفرق الدعم.
وساعات قليلة لاحقًا…
وصلنا.
—
كان المنزل قديمًا.
معزولًا.
يقف وسط الأشجار.
كأنه خارج الزمن.
لكن الشيء الذي جعل الجميع يتوقف…
لم يكن المنزل.
بل السيارة.
سيارة مارك.
كانت متوقفة أمام الباب.
قال أحد الضباط:
“إنه هنا.”
أحكم الجميع قبضتهم على أسلحتهم.
وتقدموا.
ثم فُتح الباب.
ببطء.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
وخرج شخص.
لكن لم يكن مارك.
ولا أي رجل مسلح.
بل امرأة مسنة.
في أواخر السبعينيات.
شعر أبيض.
ملامح هادئة.
وعصا بيدها.
توقفت أمامنا.
ثم نظرت مباشرة إلى جيمس.
وقالت بهدوء مذهل:
“تأخرت ثلاثين سنة يا بني.”
شحب وجه جيمس بالكامل.
أما أنا…
فشعرت أن الحقيقة الأخيرة أخيرًا على وشك الظهور.
يتبع…الفصل السابع عشر: المرأة التي عرفت كل شيء
ساد صمت غريب أمام المنزل القديم.
حتى رجال التحقيق توقفوا عن الحركة.
المرأة المسنة وقفت بثبات.
وكأن وصولنا لم يفاجئها إطلاقًا.
بل وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات طويلة.
أما جيمس…
فبدا كأنه رأى شبحًا.
همس بصوت بالكاد سمعناه:
“إلين…”
رفعت المرأة ابتسامة صغيرة.
وقالت:
“ما زلت تتذكر اسمي.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
من تكون؟
ولماذا يعرفها جيمس؟
ولماذا بدت وكأنها تعرفه أكثر مما يعرف نفسه؟
اقترب جيمس خطوة.
ثم توقف.
“كنت أعتقد أنك متِ.”
هزت رأسها ببطء.
وقالت:
“وكثيرون اعتقدوا أنك مت.”
أصابته الكلمات مباشرة.
شعرت بذلك.
لأنها لم تكن مجرد إجابة.
بل تذكير بثلاثين سنة من الأكاذيب.
—
دخلنا المنزل.
كان قديمًا من الخارج.
لكن من الداخل بدا محفوظًا بعناية.
الصور ما زالت على الجدران.
الأثاث في مكانه.
والساعة القديمة فوق المدفأة ما زالت تعمل.
كأن الزمن توقف هنا.
جلست المرأة على كرسي خشبي قرب النافذة.
ثم نظرت إلى الجميع.
وقالت:
“أين مارك؟”
أجاب المحقق:
“هذا ما نريد معرفته.”
أغمضت عينيها للحظة.
ثم قالت:
“إذن وصل متأخرًا.”
عقد الجميع حواجبهم.
قلت:
“ماذا تقصدين؟”
نظرت إليّ لأول مرة.
كانت عيناها حادتين بشكل مدهش رغم عمرها.
ثم قالت:
“أنت ابن إيثان الصغير.”
ارتبكت للحظة.
ثم فهمت أنها تقصد والدي.
لأن اسمه أيضًا إيثان.
ضحكت بخفة.
وأضافت:
“تشبهه كثيرًا.”
ثم التفتت نحو جيمس.
وقالت:
“لقد أخبرتك أن هذا اليوم سيأتي.”
جلس جيمس بصمت.
كأنه عاد فجأة شابًا في العشرين.
يستمع إلى معلمة قديمة.
أو أم ثانية.
ثم قالت المرأة:
“قبل ثلاثين عامًا لم يكن هناك مدير.”
ساد الصمت.
التفت الجميع إليها فورًا.
حتى المحقق.
قال:
“ماذا؟”
أعادت الجملة.
“المدير لم يكن شخصًا.”
شعرت بقشعريرة باردة.
ثم سألت:
“إذن ماذا كان؟”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقالت:
“كان فكرة.”
لم يفهم أحد.
فأكملت:
“كل شخص أراد السيطرة كان يعتقد أن هناك شخصًا أعلى منه.”
“شخصًا يدير كل شيء.”
“شخصًا يملك الخيوط كلها.”
ثم هزت رأسها.
“لكن الحقيقة مختلفة.”
اقترب المحقق.
“اشرحي.”
تنهدت.
وقالت:
“مارك صنع أسطورة المدير.”
ساد الصمت.
ثم أضافت:
“كان يحتاج إلى عدو غير مرئي.”
“شخص يخافه الجميع.”
“وشخص يستطيع أن يلقي عليه اللوم عند الحاجة.”
شعرت أن أجزاء كثيرة من القصة بدأت تتضح.
قال جيمس:
“إذن لم يكن هناك مدير أصلًا؟”
أومأت.
“أبدًا.”
“كان مارك وحده.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
لأن هذه الحقيقة كانت أبسط بكثير مما توقعنا.
وأخطر بكثير أيضًا.
—
لكن المفاجأة لم تنتهِ.
لأن المرأة نهضت ببطء.
ثم اتجهت نحو مكتبة قديمة في الزاوية.
أزاحت مجموعة كتب.
وضغطت على قطعة خشبية صغيرة.
فانفتح جزء من الجدار.
ظهرت خلفه خزنة.
خزنة ثالثة.
شعرت بأن الجميع توقف عن التنفس.
حتى جيمس.
قال:
“لم أكن أعرف بوجودها.”
ابتسمت.
“لأنها لم تكن لك.”
فتحت الخزنة.
وأخرجت منها صندوقًا صغيرًا.
ثم وضعته على الطاولة.
وقالـت:
“هذا ما جاء مارك لأجله.”
اقتربنا جميعًا.
فتح المحقق الصندوق بحذر.
وفي داخله…
رسائل.
وصور.
وعقد قديم.
لكن الشيء الأهم كان ظرفًا مغلقًا.
مكتوبًا عليه بخط باهت:
“يُفتح فقط إذا فشلنا جميعًا.”
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
فتح جيمس الظرف بيد مرتجفة.
وأخرج الرسالة.
ثم بدأ يقرأ.
ومع كل سطر…
كان وجهه يزداد شحوبًا.
حتى توقف فجأة.
ونظر نحوي.
ثم إلى كلير.
ثم إلى الطفلين.
شعرت بأن قلبي يقفز.
قلت:
“ماذا؟”
لكنه لم يجب.
فأخذت الرسالة من يده.
ونظرت إليها بنفسي.
وكان أول سطر فيها كافيًا ليجمد الدم في عروقي:
“إذا وصلت هذه الرسالة إليكم، فهذا يعني أن مارك خاننا جميعًا… وأن الطفلين في خطر أكبر مما تتخيلون.”
رفعت رأسي ببطء.
وشعرت بأن الحقيقة الأخيرة…
لم تُكشف بعد.
بل كانت تنتظرنا داخل تلك الرسالة.
والأسوأ…
أن كاتب الرسالة لم يكن مارك.
ولا جيمس.
ولا والدي.
بل شخص مات منذ ثلاثين عامًا.
أو هكذا اعتقد الجميع.
يتبع…
