مقعد طائره حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثاني
تجمد الهواء من حولنا.
حتى أصوات السيارات والمارة بدت وكأنها اختفت فجأة.
التفت سيف نحو الرجل المسن بسرعة.
“أي حقيقة؟”
لكن الرجل لم يجب.
كان ينظر إليه نظرة طويلة مليئة بالدهشة والعتاب في الوقت نفسه.
أما أنا فأغمضت عيني للحظة.
كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا ما.
لكنني لم أتخيل أبدًا أنها ستأتي هنا.
أمام المطار.
وأمام الأطفال.
وأمام سيف نفسه.
اقترب الرجل منا.
كان الدكتور فؤاد الشاذلي.
جدي.
وأحد أشهر أطباء الخصوبة في الشرق الأوسط.
الرجل نفسه الذي أشرف على علاجي قبل سنوات.
والرجل الوحيد الذي عرف الحقيقة كاملة منذ البداية.
قال بهدوء:
“الأطفال تعبانين من السفر يا ليلى.”
فهمت قصده فورًا.
كان يحاول تأجيل المواجهة.
لكن سيف لم يعد قادرًا على الانتظار.
أمسك بذراع جدي برفق لكنه بدا وكأنه يتمسك بآخر خيط نجاة.
“حضرتك تقصد إيه؟”
صمت جدي للحظات.
ثم قال:
“أقصد إن في حاجات كان المفروض تعرفها من خمس سنين.”
ارتجف فك سيف.
“إيه الحاجات دي؟”
نظر جدي نحوي.
وكأنه يطلب الإذن.
أما أنا فكنت مرهقة.
مرهقة من الأسرار.
ومن الذكريات.
ومن الألم الذي دفنته كل تلك السنوات.
فقلت بهدوء:
“قوله يا جدو.”
نظر جدي إلى سيف مباشرة.
وقال:
“ليلى كانت حامل يوم ما طلقتها.”
وكأن قنبلة انفجرت في المكان.
تراجع سيف خطوة للخلف.
ثم أخرى.
“لا…”
خرجت الكلمة من شفتيه كهمسة مكسورة.
“لا… مستحيل.”
أجابه جدي:
“دي الحقيقة.”
رفع سيف عينيه نحوي.
وكانت المرة الأولى التي أراه فيها عاجزًا تمامًا.
رجل اعتاد أن يسيطر على كل شيء.
على الشركات.
والصفقات.
والأموال.
لكنه الآن لا يسيطر حتى على أنفاسه.
قال بصوت مختنق:
“ليه؟”
ابتسمت بمرارة.
“لسه بتسأل ليه؟”
“ليه ما قولتيش؟”
أشرت نحوه بإصبعي.
“لأنك ما سبتليش فرصة.”
عاد بعقله إلى الماضي.
رأيته في عينيه.
تلك الليلة.
ليلة الطلاق.
ليلة الصراخ.
ليلة الاتهامات.
ليلة أغلق فيها كل الأبواب.
تذكر كيف رفض سماع أي تفسير.
كيف منعها من إكمال جملة واحدة.
كيف أوكل كل شيء للمحامين.
وكيف اختفى بعدها من حياتها بالكامل.
أخفض رأسه.
لأول مرة.
ولم يجد ما يقوله.
لكن الصدمة لم تنتهِ.
أبدًا.
لأن جدي قال فجأة:
“دي مش الحقيقة الوحيدة.”
رفع سيف رأسه بسرعة.
شعرت بقلبي ينقبض.
كنت أعرف ما سيأتي.
حتى جدي بدا مترددًا.
أما سيف فكان ينظر بيننا بجنون.
“في إيه تاني؟”
سكت جدي لحظة.
ثم قال:
“الأطفال التلاتة ما جومش بالطريقة اللي أنت فاكرها.”
عقد سيف حاجبيه.
“يعني إيه؟”
تنهد جدي ببطء.
ثم قال:
“قبل الطلاق بشهور… كنتوا بتتعالجوا بسبب صعوبة الإنجاب.”
تجمد سيف.
طبعًا كان يتذكر.
كيف زارا العيادات معًا.
كيف خضعا للفحوصات.
كيف كانا يحلمان بطفل.
واحد فقط.
طفل يحمل اسميهما.
لكن جدي أكمل:
“قبل ما يحصل الطلاق بأيام قليلة وصلت نتائج التحاليل النهائية.”
ابتلع سيف ريقه.
“وبعدين؟”
نظر جدي إليه مباشرة.
وقال:
“المشكلة ما كانتش عند ليلى.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل بشكل مخيف.
أما سيف فشحب وجهه بالكامل.
ثم همس:
“إيه؟”
أجاب جدي:
“كل التقارير أثبتت إن ليلى كانت سليمة تمامًا.”
ارتعشت يد سيف.
أما أنا فكنت أراقبه بصمت.
خمس سنوات.
خمس سنوات كاملة وهو يصدق أنني السبب.
وخمس سنوات كاملة وأنا أعيش دون أن أحاول الدفاع عن نفسي.
ثم جاءت الضربة الأخيرة.
قال جدي:
“وإحنا كنا لسه بنجهز نشرحلك النتائج… لما حصل الطلاق.”
أصبح وجه سيف أبيض تمامًا.
وكأن الأرض بدأت تنهار تحت قدميه.
لكن قبل أن يتمكن من استيعاب ما سمعه…
رن هاتفه فجأة.
نظر إلى الشاشة.
وتجمد مكانه.
لأن الاسم الظاهر أمامه كان اسم شخص مات منذ أربع سنوات…
أو هكذا كان يعتقد.
يتبع…الفصل الثالث
ظل سيف يحدق في شاشة هاتفه وكأنه يرى شبحًا.
أما أنا فشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
لأنني عرفت الاسم فورًا.
“عمر الديب.”
الرجل الذي كان مديرًا ماليًا لمجموعة المنصوري.
والرجل نفسه الذي اختفى قبل أربع سنوات بعد فضيحة مالية ضخمة هزت الشركة كلها.
الرجل الذي أعلن الجميع وفاته في حادث قارب أثناء رحلة خارج البلاد.
نظر سيف إلى الشاشة بعدم تصديق.
كان الهاتف يرن.
ويرن.
ويرن.
ثم انقطع الاتصال.
ساد الصمت.
لكن بعد ثوانٍ فقط وصلته رسالة.
فتحها بيد مرتجفة.
وفجأة تغير لون وجهه بالكامل.
قال جدي بقلق:
“في إيه؟”
لكن سيف لم يجب.
كانت عيناه تتحركان بسرعة فوق كلمات الرسالة.
ثم رفع رأسه نحوي.
ولأول مرة رأيت في عينيه شيئًا أقوى من الصدمة.
الخوف.
الخوف الحقيقي.
قال بصوت منخفض:
“لازم أتكلم معاكي.”
أجبت ببرود:
“أعتقد فات أوان الكلام.”
“ليلى… الموضوع مش عننا دلوقتي.”
ضحكت بسخرية.
“أكيد.”
لكن قبل أن يضيف كلمة أخرى…
اقترب يوسف من سيف فجأة.
كان الطفل يراقبه طوال الوقت بصمت.
ثم رفع رأسه الصغير وسأله:
“إنت زعلان ليه؟”
نظر سيف إلى الطفل.
وبقي صامتًا.
كانت تلك أول مرة ينظر فيها إلى أحد أبنائه عن قرب.
أول مرة يرى تفاصيل وجهه.
الخط الصغير فوق الحاجب.
طريقة الوقوف.
حتى حركة اليدين.
كل شيء كان يشبهه بشكل مؤلم.
انحنى ببطء حتى أصبح بمستوى الطفل.
وقال بصوت مبحوح:
“اسمك إيه؟”
ابتسم يوسف.
“يوسف.”
ارتعشت شفتا سيف.
يوسف.
الاسم الذي كان يحلم أن يسمي به ابنه يومًا ما.
الاسم الذي اختاره بنفسه قبل سنوات طويلة.
التفت نحوي بسرعة.
“إنتِ سميتيه يوسف؟”
أجبته بهدوء:
“أيوة.”
بدت عليه الصدمة مجددًا.
أما يوسف فواصل الحديث بعفوية الأطفال.
“وجدو بيقول إني شبه بابا.”
تجمد سيف.
وتجمدت أنا أيضًا.
لكن الطفل أكمل دون أن ينتبه.
“بس أنا ما شفتش بابا قبل كده.”
أغمض سيف عينيه بقوة.
وكأن الكلمات تحولت إلى سكاكين.
في تلك اللحظة شعرت الصغيرة ياسمين بأنها لم تعد محور الاهتمام.
فأمسكت يدي وقالت بصوت طفولي:
“ماما… هنروح البيت إمتى؟”
احتضنتها بسرعة.
“دلوقتي يا حبيبتي.”
ثم التفت إلى السائق.
“خد الأطفال للعربية.”
نفذ الرجل الأمر فورًا.
وبعد دقائق كانت السيارة تستعد للمغادرة.
لكن قبل أن أغلق الباب…
قال سيف فجأة:
“استني.”
نظرت إليه.
كان واقفًا في مكانه كأن حياته كلها تتفكك أمام عينيه.
ثم مد هاتفه نحوي.
“اقرئي الرسالة.”
لم أكن أريد.
لكن شيئًا ما دفعني للنظر.
أخذت الهاتف.
وقرأت السطر الأول.
فتجمد الدم في عروقي.
كانت الرسالة تقول:
“إذا كنت تريد معرفة من دمر زواجك حقًا… تعال وحدك الليلة. لأن الشخص الذي وثقت به أكثر من أي أحد هو من خانك.”
أسفل الرسالة كان هناك عنوان.
وصورة مرفقة.
وعندما فتحت الصورة…
شعرت بأن الأرض تميد بي.
لأن الصورة كانت ملتقطة قبل خمس سنوات.
في الليلة نفسها التي انهار فيها زواجي.
وظهر فيها شخص واحد بوضوح شديد.
شخص لم أتوقع أبدًا أن أراه هناك.
شخص كان يعتبر أقرب الناس إلينا.
شخص كان يحضر كل مناسباتنا.
ويجلس على مائدتنا.
ويعرف كل أسرارنا.
رفع سيف عينيه نحوي.
وقال بصوت مكسور:
“أنا مش فاهم أي حاجة.”
أما أنا فبقيت أحدق في الصورة.
وأدركت أن الكارثة الحقيقية لم تبدأ يوم الطلاق.
بل بدأت قبل ذلك بكثير.
لأن الشخص الظاهر في الصورة…
كان أخي الأكبر.
كريم الشاذلي.
يتبع…