في شهري الثامن حكـايـات أسمـا ×2
مرّت الشهور الأولى بعد ولادة ابني وكأنها رحلة طويلة بين التعب والشفاء.
أطلقت عليه اسم “آدم”.
ومنذ اللحظة الأولى التي حملته فيها بين ذراعي، شعرت أن الله أعطاني سببًا جديدًا لأعيش.
لم يكن الأمر سهلًا.
كنت أمًا جديدة.
ومطلقة حديثًا.
وأحمل فوق كتفي سنوات من الخوف والانكسار.
لكن وجود آدم كان يغير كل شيء.
كل ابتسامة صغيرة منه.
كل مرة يمسك إصبعي بيده الصغيرة.
كل مرة ينام على صدري.
كانت تجعلني أستعيد جزءًا من نفسي.
أما أحمد…
فلم يختفِ.
في البداية حاول العودة بكل الطرق.
كان يرسل الزهور.
ثم الهدايا.
ثم الرسائل الطويلة.
ثم الاعتذارات.
وحين لم أنجح في الرد عليه…
بدأ يرسل رسائله إلى أبي.
ثم إلى أمي.
ثم إلى ندى.
لكن الجميع كانوا يرفضون التدخل.
وفي أحد الأيام وصلتني رسالة منه.
كانت مختلفة عن كل الرسائل السابقة.
كتب:
“أنا مش بطلب منك ترجعيلي.
أنا عارف إني خسرتك.
بس نفسي أشوف ابني.”
جلست أنظر إلى الرسالة طويلًا.
لأنها المرة الأولى التي شعرت فيها أنه يتحدث بصدق.
بعد أيام وافقت على أن يراه.
لكن داخل مكتب محامينا.
وليس بمفرده.
عندما دخل أحمد ورأى آدم لأول مرة…
توقف مكانه.
كأنه نسي كيف يتنفس.
اقترب ببطء.
وجلس أمام الطفل.
كانت يداه ترتجفان.
وقال بصوت مبحوح:
ــ ده ابني؟
لم أرد.
فقط هززت رأسي.
ظل ينظر إليه لدقائق كاملة.
ثم بدأت الدموع تنزل من عينيه.
لأول مرة منذ عرفته.
رأيته يبكي دون غضب.
ودون تبريرات.
ودون تمثيل.
فجأة قال:
ــ شبهك.
ثم ضحك وسط دموعه.
ــ الحمد لله إنه مش شبهي.
لم أعرف ماذا أقول.
لكن شيئًا بداخلي أخبرني أن هذا الندم جاء متأخرًا جدًا.
مرت الزيارة بهدوء.
وعندما انتهت وقف أحمد استعدادًا للمغادرة.
لكنه قبل أن يخرج التفت نحوي وقال:
ــ أنا عارف إن مفيش فرصة.
ــ وعارف إني استاهل اللي حصل.
ــ بس كل يوم بصحى وأفتكر اليوم ده.
ــ اليوم اللي سبتك فيه على الطريق.
ــ ومش بعرف أسامح نفسي.
ثم خرج.
وبقيت أنا أنظر إلى الباب المغلق.
ليس بحب.
وليس برغبة في العودة.
بل بحزن على الرجل الذي كان يمكن أن يكون شخصًا أفضل لو اختار ذلك.
مرت سنة كاملة.
كبر آدم.
وبدأ يحبو.
ثم يمشي.
وأصبح أبي لا يفارقه دقيقة واحدة.
حتى أن أمي كانت تضحك وتقول:
ــ لو سابوه هيكتبه باسمه في البطاقة.
وفي أحد الأيام بينما كنت أرتب بعض الأوراق القديمة…
وجدت صورة زفافي.
أنا وأحمد.
نقف مبتسمين.
وننظر إلى المستقبل وكأننا نملكه.
جلست أتأمل الصورة طويلًا.
ثم أدركت شيئًا مهمًا.
لم أعد أشعر بالغضب.
ولا الكراهية.
ولا حتى الألم.
كل ما شعرت به كان السلام.
السلام الذي يأتي عندما تنجو من شيء كان يمكن أن يدمر حياتك.
وفي مساء هادئ من أمسيات الشتاء…
كان آدم يلعب على السجادة أمام المدفأة.
وأبي يقرأ الجريدة.
وأمي تحضر الشاي.
وفجأة رن جرس الباب.
فتح أبي.
ثم عاد بعد دقائق وهو يحمل ظرفًا صغيرًا.
ناولني إياه وقال:
ــ ده جالك.
فتحت الظرف.
فوجدت بداخله مفتاحًا قديمًا.
ومعه ورقة صغيرة.
عرفت الخط فورًا.
خط أحمد.
وكان مكتوبًا عليها:
“ده آخر مفتاح للبيت اللي كنت فاكر إنه بيتي.
احتفظي بيه أو ارميه.
لكن أنا أخيرًا فهمت إن البيت مش جدران.
البيت هو الشخص اللي بيحس بالأمان معاك.
وأنا ضيعت بيتي بإيدي.
أتمنى لكِ حياة سعيدة.”
طويت الرسالة ببطء.
ثم نظرت إلى آدم.
كان يضحك بصوت عالٍ وهو يحاول الإمساك بلعبته.
فنظرت إلى أبي.
ثم إلى أمي.
ثم إلى البيت الذي امتلأ بالدفء من جديد.
وأدركت أن أحمد قال شيئًا صحيحًا أخيرًا.
البيت ليس جدرانًا.
البيت هو المكان الذي لا تخاف فيه.
المكان الذي لا تحتاج فيه إلى الصمت كي تنجو.
المكان الذي تشعر فيه أنك محبوب كما أنت.
احتضنت آدم.
وقبلت رأسه الصغير.
وهمست:
ــ أوعدك يا حبيبي.
ــ عمرك ما هتعرف الخوف اللي عرفته أمك.
ــ وعمرك ما هتحس إنك لوحدك.
رفع عينيه الصغيرتين نحوي.
ثم ابتسم.
وكانت تلك الابتسامة كافية لتؤكد لي أن النهاية التي ظننت يومًا أنها دمار حياتي…
كانت في الحقيقة بداية أجمل حياة يمكن أن أحلم بها.
مرت ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات كاملة منذ اليوم الذي تُركت فيه على جانب الطريق.
أحيانًا كنت أشعر وكأنها حياة أخرى عشتها امرأة أخرى غيري.
امرأة خائفة.
منكسرة.
تعتذر عن أخطاء لم ترتكبها.
أما الآن…
فكنت أقف أمام مرآتي كل صباح وأرى شخصًا مختلفًا.
شخصًا نجا.
وشخصًا تعلم أخيرًا أن قيمته لا يحددها أحد.
كان آدم قد بلغ الثالثة من عمره.
طفلًا مليئًا بالحياة.
كثير الأسئلة.
كثير الضحك.
وكثير الشبه بجدي.
حتى أن أبي كان يقول دائمًا:
ــ الواد ده نسخة مني.
فتضحك أمي وترد:
ــ لا يا حاج.
ــ ده أذكى منك كمان.
وكان البيت يمتلئ بالضحك.
الشيء الذي افتقدناه سنوات طويلة.
أما أحمد…
فأصبح يزور آدم بانتظام وفق الاتفاق القانوني.
في البداية كنت متوترة في كل زيارة.
لكن مع الوقت أصبحت أراقب من بعيد فقط.
وكان واضحًا أن ابنه غيّره.
آدم لم يكن يخاف منه.
ولم يعرف شيئًا عن الماضي.
كان يراه فقط على أنه “بابا”.
وكان أحمد يتشبث بتلك الكلمة وكأنها طوق نجاة.
في إحدى الزيارات كنت أراقبهما من نافذة الحديقة.
كان أحمد يدفع الأرجوحة بينما يضحك آدم بصوت عالٍ.
وفجأة تذكرت الرجل الذي تركني يومًا على الطريق.
وحاولت أن أجد ذلك الشخص في وجهه الآن.
لكنني لم أستطع.
لأن السنوات تركت آثارها عليه.
شعره بدأ يشيبه.
وعيناه أصبحتا أكثر هدوءًا.
وكأنه يعيش كل يوم وهو يحمل ذكرى ذلك الخطأ.
في تلك الليلة قال لي أبي شيئًا غريبًا.
كنا نجلس في الشرفة بعد أن نام آدم.
فقال:
ــ عمرك فكرتي تتجوزي تاني؟
ضحكت بخفة.
ــ لا.
ــ ومش بفكر.
هز رأسه ببطء.
ــ بس مش معنى إنك نجوتي من شخص غلط إنك تقفلي قلبك للأبد.
ابتسمت دون إجابة.
لأنني لم أكن أريد الزواج.
ولم أكن أبحث عن أحد.
كنت أخيرًا مرتاحة.
وهذا كان يكفيني.
لكن الحياة كانت تخبئ شيئًا آخر.
بعد عدة أشهر بدأ آدم في الذهاب إلى الحضانة.
وفي أول يوم له كنت أكثر توترًا منه.
أمسكت يده الصغيرة طوال الطريق.
وكنت أكرر عليه التعليمات عشرات المرات.
حتى ضحكت المعلمة وقالت:
ــ واضح إن ماما هي اللي محتاجة تطمن مش آدم.
ضحك الجميع.
حتى أنا.
وفي أثناء خروجي اصطدمت بشخص عند باب الحضانة.
سقطت بعض الأوراق من يده.
فانحنيت بسرعة لأساعده.
قلت:
ــ آسفة جدًا.
فرد بابتسامة هادئة:
ــ ولا يهمك.
رفعت رأسي.
فوجدت رجلًا في أواخر الثلاثينات.
ملامحه هادئة.
ونظرته دافئة بشكل غريب.
كان يحمل حقيبة صغيرة بيد، ويمسك يد طفلة صغيرة باليد الأخرى.
قالت الطفلة فجأة:
ــ بابا.
ــ اتأخرنا.
ضحك وقال:
ــ حاضر يا ست الكل.
ثم التفت نحوي.
ــ يوم سعيد.
وغادر.
لم أفكر في الأمر كثيرًا.
مجرد موقف عابر.
لكن الغريب أنني بدأت أراه كثيرًا.
مرة عند بوابة الحضانة.
مرة في السوبر ماركت.
مرة في الحديقة.
وفي كل مرة كان برفقة ابنته.
وفي كل مرة كان يعاملها بحنان لفت انتباهي.
بعد عدة أسابيع اكتشفت أن اسمه كريم.
وأن ابنته تُدعى ليان.
وأن زوجته توفيت قبل سنوات.
كان أبًا وحيدًا مثلما كنت أمًا وحيدة.
وفي أحد الأيام بينما كان الأطفال يلعبون معًا في الحديقة…
اقترب مني.
وقال بابتسامة خجولة:
ــ أعتقد إن أولادنا قرروا يصاحبوا بعض.
نظرت إلى آدم وليان وهما يركضان خلف الحمام.
فضحكت.
ــ واضح كده فعلًا.
جلس على المقعد المقابل.
وبدأنا نتحدث.
حديثًا عاديًا.
عن الأطفال.
عن العمل.
عن الحياة.
لكن لأول مرة منذ سنوات…
وجدت نفسي أضحك دون أن أشعر بالتوتر.
ودون أن أخشى أن أقول شيئًا خطأ.
ودون أن أراقب تعابير وجه الشخص المقابل خوفًا من غضبه.
وعندما عدت إلى البيت تلك الليلة…
سألتني أمي فورًا:
ــ مالك مبسوطة كده؟
احمر وجهي.
فضحكت هي وأبي معًا.
أما أنا فهززت رأسي وقلت:
ــ مفيش حاجة.
لكن في أعماقي…
كنت أعرف أن هناك شيئًا يتغير.
ليس حبًا.
وليس قصة جديدة.
بل شيء أبسط.
شيء كنت أظنه ضاع مني إلى الأبد.
الثقة.
الثقة في أن الحياة لا تنتهي عند أول سقوط.
وأن القلب يستطيع أن يشفى.
حتى بعد أقسى الجروح.
وفي تلك الليلة…
دخلت غرفة آدم لأطمئن عليه.
كان نائمًا بسلام.
فجلست بجواره.
وأبعدت خصلة شعر صغيرة عن جبينه.
وهمست:
ــ شكرًا يا حبيبي.
ــ لأنك كنت النور اللي رجعني للحياة.
ثم أغلقت المصباح بهدوء.
وخرجت من الغرفة.
دون أن أعرف أن الأيام القادمة كانت تحمل مفاجأة أكبر بكثير مما تخيلت.
مفاجأة ستجعل الماضي كله يعود فجأة…
ولكن بطريقة لم يتوقعها أحد.
يتبع