زوجي العجوز حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الثالث

 

الساعة بدأت تعد.

 

ونادية واقفة في مكتب الأرشيف كأن الأرض اتشالت من تحت رجليها.

 

إيدها ماسكة الموبايل.

 

وعينها مثبتة على الشاشة السودا بعد ما المكالمة اتقفلت.

 

صوت آدم لسه في ودنها.

 

“ماما؟”

 

كان صوته صغير.

 

مرعوب.

 

مخنوق.

 

صوت طفل اتخطف من قدام مدرسة لأنه صدق إن أمه بعتهاله.

 

نادية رفعت عينها لكريم.

 

ماصرختش.

 

ماهجمتش عليه.

 

ماعيطتش.

 

بس بصتله.

 

والنظرة وحدها كانت كفاية تخليه يرجع خطوة لورا.

 

قالت بصوت واطي:

 

— مكان ابني فين؟

 

كريم حاول يحافظ على بروده.

 

— قلتلك. في مكان آمن.

 

رفعت مسكه من ياقة بدلته بعنف.

 

— مكانه فين يا كريم؟

 

كريم زقه.

 

— إبعد عني.

 

رفعت صرخ:

 

— إنت خطفت طفل!

 

كريم رد بغضب:

 

— أنا بحمي اللي فاضل من العيلة!

 

نادية قربت منه.

 

— العيلة؟

 

ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة.

 

— العيلة عندك يعني ورق وفلوس وبيت؟ طفل مرعوب ده مش عيلة؟

 

كريم بص لها بكره.

 

— الطفل ده لو ماكانش موجود، كل ده ماكانش حصل.

 

وفي اللحظة دي، رفعت رفع إيده تاني، لكن نادية وقفته.

 

— لا.

 

بص لها.

 

قالت:

 

— الضرب مش هيرجع آدم.

 

ثم بصت لكريم.

 

— وإنت هترجعه.

 

كريم ابتسم ببرود.

 

— مقابل التوكيل.

 

نهى، السكرتيرة، قالت بصوت مرتعش:

 

— أستاذ كريم، بلاش. الموضوع كده كبر أوي.

 

كريم التفت لها:

 

— إنتِ تسكتي خالص. إنتِ سبب المصيبة دي.

 

نادية قالت بسرعة:

 

— لا. السبب إنك فاكر الناس شطرنج.

 

ثم فتحت شنطتها وطلعت الفلاشة والملفات.

 

كريم عينه لمعت.

 

— أهو ده الكلام العاقل.

 

لكن نادية رفعتهم لفوق وقالت:

 

— دول مش هتاخدهم غير لما آدم يبقى قدامي.

 

كريم قال:

 

— إنتِ مش في موقف تفاوض.

 

نادية قربت خطوة.

 

— غلطان. أنا أم ابنها اتخطف. ودي أخطر ست ممكن تقف قدامك.

 

رفعت بص لها.

 

كان شايفها لأول مرة فعلًا.

 

نادية اللي كان فاكرها هادية وضعيفة.

 

نادية اللي كانت بتعدي عشان البيت يمشي.

 

نادية اللي كان بيتخيل إنها مش هتقدر تعيش من غيره.

 

دلوقتي واقفة وسط شركة منهارة وتهديدات وخطف.

 

ومع ذلك…

 

ثابتة.

 

قال رفعت بصوت مبحوح:

 

— نادية، خلينا نبلغ الشرطة.

 

كريم ضحك.

 

— بلغ. وأول حاجة هتطلع هي الملفات اللي معاها. وهتتحبس أنت قبل ما يعرفوا مكان العيل.

 

رفعت سكت.

 

الكلمة أصابته في قلب خوفه.

 

لكن نادية ما سكتتش.

 

— أنا هبلغ الشرطة.

 

كريم اتجمد.

 

— إنتِ مجنونة؟

 

— يمكن.

 

— ابنك في إيدي.

 

— ابني في إيد مجرم. وده سبب إني مش هتعامل معاك كواحد عاقل.

 

رفعت قال بتوتر:

 

— نادية، استني.

 

بصت له بحدة:

 

— استنى إيه؟ لما يقتلوه؟ لما يرعبوه أكتر؟ لما يساوموني عليه؟

 

ثم وجهت كلامها لكريم:

 

— أنا هتصل بالشرطة. وهبعت لهم صورة التوكيل المزور. وهبعت لهم تسجيل المكالمة. وهبعت لهم كل الملفات. ولو آدم اتأذى، إنت أول اسم هيتقال.

 

كريم حاول يضحك.

 

بس الضحكة طلعت مهزوزة.

 

— مافيش تسجيل.

 

نادية رفعت الموبايل.

 

— تليفوني بيسجل تلقائيًا.

 

كانت كذبة.

 

بس كريم صدقها.

 

وده ظهر في عينه.

 

رفعت لمح الخوف على وش ابنه.

 

فهم.

 

نادية بتلعب بأعصابه.

 

وأول مرة يحس بفخر ناحيتها.

 

لكن الفخر اختلط بالخزي.

 

لأن الست دي ماكانتش محتاجة تبقى محاربة لو هو ماكسرش أمانها من البداية.

 

فجأة كريم أخرج موبايله واتصل بحد.

 

نادية حاولت تخطف الموبايل، لكن رفعت مسك إيد كريم بقوة.

 

— هتكلمه قدامي.

 

كريم قال بغضب:

 

— سيبني.

 

رفعت ضغط أكتر.

 

— قدامي يا كريم.

 

كريم بص لأبوه للحظة.

 

ثم فتح السبيكر.

 

رد صوت رجل:

 

— أيوة يا باشا؟

 

كريم قال بعصبية:

 

— الولد كويس؟

 

الرجل رد:

 

— كويس. بس بيعيط ومش ساكت.

 

نادية شهقت.

 

— عايزة أكلمه.

 

كريم تجاهلها.

 

— إنت فين؟

 

الرجل سكت.

 

كريم صرخ:

 

— بقولك فين؟

 

الرجل قال:

 

— المخزن القديم.

 

رفعت اتجمد.

 

— أنهي مخزن؟

 

كريم بص له.

 

والإجابة ظهرت قبل ما يقولها.

 

مخزن الشركة القديم في طريق مصر إسكندرية الصحراوي.

 

مكان بعيد.

 

كان زمان تابع لمشروعات رفعت.

 

وبعدين اتقفل بعد حريق صغير.

 

نادية سمعت الاسم من رفعت قبل كده.

 

مرة واحدة.

 

من سنين.

 

رفعت قال بصوت متوتر:

 

— المكان ده مهجور.

 

كريم قال بسرعة في الموبايل:

 

— ماحدش يتحرك من هناك. أنا جاي.

 

نادية قالت:

 

— إحنا جايين.

 

كريم قال:

 

— لا.

 

رفعت مسكه من دراعه:

 

— كلنا رايحين.

 

كريم بص لأبوه بتحدي:

 

— فاكر نفسك لسه بتأمرني؟

 

رفعت قال بصوت واطي لكنه مخيف:

 

— لا. المرة دي مش بأمرك. المرة دي بمنعك تعمل أكبر غلطة في حياتك.

 

كريم ضحك بمرارة:

 

— أكبر غلطة؟ أنا اتربيت على إيدك يا حاج. إنت اللي علمتني إن الضعيف مالوش مكان.

 

رفعت سكت.

 

الكلام كان بيجلده.

 

لكن نادية قاطعته:

 

— كفاية دراما. ابني لوحده دلوقتي.

 

تحركت ناحية الباب.

 

نهى جريت وراها.

 

— مدام نادية، خدي الفلاشة دي كمان.

 

مدت لها فلاشة تانية صغيرة.

 

— فيها نسخة من كل التسجيلات اللي قدرت أجمعها. وخدي بالك… كريم مش لوحده.

 

نادية سألت:

 

— مين معاه؟

 

نهى بصت لكريم بخوف.

 

— شريكه القديم. فؤاد السيوفي.

 

رفعت وشه اتبدل.

 

— فؤاد؟

 

نادية بصت له.

 

— مين فؤاد؟

 

رفعت قال بصوت خافت:

 

— راجل المفروض إنه اختفى من سنين.

 

كريم ابتسم.

 

— ماختفاش. أنت اللي حبيت تصدق إنه اختفى.

 

رفعت قرب منه.

 

— إنت دخلت فؤاد في الموضوع؟

 

— هو الوحيد اللي فاهم اللعبة.

 

رفعت قال:

 

— ده مجنون.

 

كريم رد ببرود:

 

— لا. ده ذكي. وعارف إزاي ياخد حقه.

 

نادية ماكانش عندها وقت تفهم التاريخ كله.

 

لكنها فهمت حاجة واحدة.

 

آدم مش بس مع سواق مأجور.

 

آدم مع ناس عندهم انتقام قديم.

 

وده خلّى الرعب يكبر جواها.

 

نزلوا بسرعة.

 

رفعت، نادية، كريم، ونهى.

 

وفي الجراج، رفعت أمر السواق يجيب العربية.

 

نادية قالت:

 

— لا. هنركب عربيتي.

 

رفعت استغرب.

 

— ليه؟

 

— عشان مش ضامنة حد من رجالتك.

 

كريم ضحك.

 

— برافو. بدأتي تفهمي.

 

نادية بصتله:

 

— هتفهم إنت كمان بعد شوية.

 

ركبوا.

 

نادية أصرت تسوق.

 

رفعت قعد جنبها.

 

كريم ورا.

 

ونهى جنبه، ماسكة شنطتها بإيدين مرتعشين.

 

الطريق كان طويل.

 

لكن بالنسبة لنادية كان كأنه طريق لحبل مشنقة.

 

كل دقيقة بتعدي كانت بتسأل نفسها:

 

آدم بيعمل إيه؟

 

هل بيعيط؟

 

هل حد ضربه؟

 

هل فاكر إنها سابته؟

 

آخر سؤال ده كان بيقتلها.

 

إنه يفتكر إنها بعتت حد ياخده.

 

إنه يحس إن أمه خدعته.

 

ضغطت على الدريكسيون لحد ما مفاصل صوابعها ابيضت.

 

رفعت لاحظ.

 

وقال بهدوء:

 

— هنرجعه.

 

نادية ما بصتش له.

 

— لازم ترجعه.

 

— نادية…

 

— لا.

 

صوتها كان حاسم.

 

— ماتقوليش اسمي بالطريقة دي. ماتحاولش تلين الموقف. أنت السبب الأول.

 

رفعت سكت.

 

وبعد لحظة قال:

 

— عارف.

 

الكلمة فاجأتها.

 

بصت له بطرف عينها.

 

كان باصص قدامه.

 

وعينه مليانة ندم.

 

— عارف إن كل ده بدأ مني. لو ماكنتش قلت اللي قلته، مكنتيش جهزتي الشنط، وكريم ماكانش اتحرك بالسرعة دي، وآدم ماكانش…

 

صوته وقف.

 

نادية قالت:

 

— كمل.

 

ماكملش.

 

لأنه مقدرش يقولها.

 

ماقدرش يقول “اتخطف”.

 

الكلمة نفسها كانت تقيلة.

 

كريم من ورا قال بسخرية:

 

— يا سلام على لحظة الندم. مؤثرة جدًا.

 

رفعت لف له.

 

— إنت تخرس.

 

كريم قال:

 

— ليه؟ مش عاجبك تشوف نتيجتك؟ أنا نسختك يا بابا. بس من غير تمثيل.

 

رفعت قال:

 

— لا. أنت أسوأ مني.

 

كريم ضحك:

 

— عشان اتعلمت منك كويس.

 

نادية صرخت:

 

— كفاية!

 

العربية سكتت.

 

قالت وهي عينيها على الطريق:

 

— ابني مش خلفية لمحاسبة عائلية. لما يرجع، اتحاسبوا براحتكم. دلوقتي عايزة أعرف كل حاجة عن فؤاد.

 

رفعت تنهد.

 

— فؤاد السيوفي كان شريكي زمان. من أكتر من عشرين سنة. بدأنا سوا في المقاولات. كان أذكى مني في الورق، وأنا كنت أقوى منه في السوق.

 

نادية قالت:

 

— وبعدين؟

 

— اختلفنا على صفقة أرض كبيرة. هو قال إني خدعته. وأنا قلت إنه حاول يسرقني.

 

كريم ضحك:

 

— والحقيقة؟

 

رفعت سكت.

 

نادية ضغطت:

 

— الحقيقة إيه؟

 

رفعت بص من الشباك.

 

— الحقيقة إني خدعته.

 

الصمت نزل في العربية.

 

حتى كريم سكت لحظة.

 

رفعت كمل:

 

— أخدت الصفقة من وراه. استخدمت ورق كان هو مأمنه عندي. دخل السجن بسببي سنتين. ولما خرج كان كل حاجة راحت منه.

 

نهى تمتمت:

 

— يا ساتر.

 

نادية قالت بمرارة:

 

— ودي ناس ابننا معاهم دلوقتي.

 

رفعت غمض عينه.

 

— أنا ماكنتش أعرف إنه رجع.

 

كريم قال:

 

— لكنه رجع. وأنا لقيته.

 

نادية بصت في المراية:

 

— ليه؟

 

كريم قال ببرود:

 

— عشان أحتاج حد يعرف تاريخ أبويا. حد عنده مصلحة إنه يقع. وبعدين اكتشفت إننا محتاجين بعض.

 

رفعت قال:

 

— فؤاد هيستخدمك ويرميك.

 

كريم رد:

 

— زي ما استخدمته ورميته؟

 

رفعت سكت.

 

نادية حست إن الماضي كله بيطلع من تحت الأرض.

 

كل ذنب قديم.

 

كل ظلم.

 

كل ورقة مزورة.

 

كل قلب اتكسر.

 

وكل ده بيتجمع حوالين طفل واحد.

 

آدم.

 

وصلوا قرب المخزن بعد حوالي أربعين دقيقة.

 

المكان كان بعيد فعلًا.

 

طريق ترابي جانبي.

 

بوابة حديد صدية.

 

مبنى قديم من دورين.

 

شبابيكه مكسورة.

 

والهدوء حواليه مرعب.

 

نادية وقفت العربية بعيد شوية.

 

كريم قال:

 

— كملي للبوابة.

 

نادية ردت:

 

— اسكت.

 

رفعت بص للمكان.

 

— ده مش كويس.

 

نادية طلعت موبايلها.

 

كريم قال بسرعة:

 

— بتعملي إيه؟

 

— ببعت اللوكيشن.

 

— لمين؟

 

— للمحامي.

 

كريم حاول يخطف الموبايل، لكن رفعت مسكه.

 

— إيدك.

 

نادية بعتت الموقع فعلًا.

 

للمحامي بتاعها، ولأمها، ولرقم الشرطة المختصر برسالة سريعة فيها: “ابني مخطوف في الموقع ده.”

 

مش عارفة هينفع ولا لأ.

 

بس عملت اللي تقدر عليه.

 

نزلوا من العربية.

 

قلبها كان بيدق في ودانها.

 

كل خطوة ناحية المخزن كانت بتقربها من ابنها.

 

أو من كارثة.

 

عند الباب، ظهر راجل طويل في الخمسينات، أصلع، بملامح قاسية.

 

كان ماسك موبايل في إيده.

 

وبجنبه اتنين شباب.

 

نادية عرفت إنه فؤاد قبل ما حد يقول.

 

في عينه كان فيه حقد قديم.

 

حقد استنى سنين عشان يلاقي فرصة.

 

ابتسم لما شاف رفعت.

 

— يا أهلا بالحاج رفعت المنشاوي.

 

رفعت وقف.

 

— فين الولد؟

 

فؤاد ضحك.

 

— بعد العمر ده كله، أول كلمة تقولها ليا: فين الولد؟

 

نادية صرخت:

 

— ابني فين؟

 

فؤاد بص لها.

 

— مدام نادية. الست اللي قلبت الترابيزة على الكل.

 

— ابني.

 

فؤاد رفع إيده بهدوء.

 

واحد من الشباب فتح باب جانبي.

 

ظهر آدم.

 

قاعد على كرسي.

 

إيده مش مربوطة.

 

لكن وشه مبلول دموع.

 

أول ما شاف نادية، صرخ:

 

— ماما!

 

نادية جريت ناحية الباب.

 

لكن الشاب وقف قدامها.

 

فؤاد قال:

 

— بالراحة.

 

آدم حاول يقوم.

 

— ماما!

 

نادية قلبها كان هينفجر.

 

— أنا هنا يا حبيبي. متخافش. أنا هنا.

 

آدم كان بيرتعش.

 

واللحظة دي خلت رفعت يحط إيده على صدره.

 

لأنه شاف نتيجة كلمة.

 

كلمة واحدة قالتها قسوته الصبح.

 

ووصلت بطفل مرعوب لمخزن مهجور.

 

فؤاد قال:

 

— الورق.

 

نادية بصتله.

 

— سيبه الأول.

 

— الورق الأول.

 

— لا.

 

فؤاد ابتسم.

 

— واضح إنك شجاعة. بس الشجاعة أوقات بتخسر.

 

رفعت تقدم خطوة.

 

— فؤاد، الموضوع بيني وبينك.

 

فؤاد ضحك بقسوة.

 

— بيني وبينك؟ لا يا رفعت. أنت خدت عمري كله. سجنتني. ضيعت مراتي. ابني كبر من غيري. ولما خرجت لقيت نفسي صفر. وأنت بقيت حاج رفعت، صاحب الشركات والفلل والبدل.

 

رفعت قال بصوت مكسور:

 

— ظلمتك.

 

الكلمة وقعت على المكان.

 

فؤاد سكت.

 

كريم بص لأبوه باستغراب.

 

نادية كمان.

 

رفعت كمل:

 

— ظلمتك يا فؤاد.

 

فؤاد عينه اهتزت لحظة.

 

بس رجع قساوته بسرعة.

 

— اعتراف متأخر.

 

— عارف.

 

— متأخر عشرين سنة.

 

— عارف.

 

فؤاد صرخ:

 

— يبقى ملهوش لازمة!

 

رفعت قال:

 

— ليه الولد؟

 

فؤاد بص ناحية آدم.

 

— لأن دي الحاجة الوحيدة اللي خلتها تخاف.

 

نادية قالت:

 

— أنا ماليش ذنب في اللي حصل بينكم.

 

فؤاد رد:

 

— محدش بيبقى ملوش ذنب. كل واحد بياكل من خير الظالم بيبقى شريك.

 

نادية قربت خطوة وقالت بقوة:

 

— أنا ماكلتش من ظلمك. وأنا وابني مش هنكون تمن انتقامك.

 

فؤاد ضحك.

 

— كلام جميل. الورق؟

 

نادية فتحت شنطتها ببطء.

 

طلعت الملف.

 

كريم عينه لمعت.

 

فؤاد مد إيده.

 

نادية قالت:

 

— آدم يخرج الأول.

 

فؤاد قال:

 

— نص خطوة منه، نص خطوة منك.

 

نادية وافقت.

 

الشاب شد آدم ناحية الباب.

 

وآدم كان ماشي وهو باصص لأمه.

 

كل خطوة منه كانت بتوجعها.

 

نادية مدت الملف لفؤاد.

 

لكن قبل ما ياخده، صوت صفارات بعيد بدأ يقرب.

 

الجميع اتجمد.

 

كريم صرخ:

 

— إنتِ بلغتي؟

 

نادية حضنت الملف لصدرها وقالت:

 

— آه.

 

فؤاد وشه اتغير.

 

— غبية.

 

وفي ثانية واحدة، الدنيا اتقلبت.

 

واحد من الشباب شد آدم لورا.

 

نادية صرخت وجريت.

 

رفعت جري معاها.

 

كريم حاول يمسك فؤاد.

 

وفؤاد صرخ:

 

— اقفلوا الباب!

 

آدم صرخ:

 

— ماما!

 

نادية دفعت الشاب بكل قوتها.

 

وقعت على الأرض.

 

رفعت، رغم سنه، رمى نفسه على الشاب التاني.

 

اتخبط في جنبه بقوة ووقع.

 

لكن قدر يمسك دراع آدم.

 

قال بصوت مبحوح:

 

— اجري يا آدم!

 

آدم اتردد.

 

رفعت صرخ:

 

— اجري لأمك!

 

آدم جري.

 

نادية فتحته حضنها.

 

وفي اللحظة اللي لمسها فيها، حضنته كأنها رجّعت روحها لجسمها.

 

كان بيعيط بعنف.

 

وهي بتبوس شعره ووشه وبتقول:

 

— أنا آسفة يا حبيبي. أنا آسفة. أنا عمري ما بعت حد ياخدك. عمري ما هسيبك.

 

آدم كان متعلق فيها.

 

— كنت فاكر إنك مش عايزاني.

 

نادية شهقت من الوجع.

 

— لا يا نور عيني. لا. ده مستحيل.

 

لكن الخطر ماكانش انتهى.

 

فؤاد حاول يهرب من باب خلفي.

 

وكريم جري وراه.

 

رفعت كان واقع على الأرض، ماسك جنبه، بيتنفس بصعوبة.

 

نادية شافت الدم على إيده.

 

— رفعت!

 

آدم بص ناحية رفعت برعب.

 

— جدو!

 

الكلمة خرجت منه تلقائيًا.

 

رفعت رفع عينه.

 

رغم الألم، ابتسم.

 

ابتسامة صغيرة.

 

— إنت كويس يا آدم؟

 

آدم ساب حضن أمه لحظة وجري ناحيته.

 

ركع جنبه.

 

— إنت اتعورت عشاني؟

 

رفعت حاول يقعد.

 

— مافيش حاجة.

 

لكن وشه كان بيقول عكس كده.

 

الشرطة دخلت المكان بعد ثواني.

 

صراخ.

 

أوامر.

 

جري.

 

حد قبض على الشباب.

 

حد جري ورا فؤاد وكريم.

 

ونادية كانت بين ابنها ورفعت، حاسة إن حياتها كلها واقفة على طرف سكينة.

 

بعد دقائق، رجع أحد الضباط.

 

— قبضنا على فؤاد.

 

نادية سألت بسرعة:

 

— وكريم؟

 

الضابط سكت لحظة.

 

رفعت رفع عينه.

 

— كريم فين؟

 

الضابط قال:

 

— هرب.

 

الصمت نزل تاني.

 

كريم هرب.

 

ومعاه جزء من الخطر.

 

رفعت حاول يقوم، لكنه وقع تاني.

 

نادية قالت للضابط:

 

— محتاج إسعاف.

 

آدم كان ماسك إيد رفعت.

 

ومش سايبها.

 

رفعت بص له.

 

— إنت زعلان مني؟

 

آدم عينيه كانت مليانة دموع.

 

قال:

 

— آه.

 

رفعت هز راسه.

 

— عندك حق.

 

آدم كمل:

 

— بس مش عايزك تموت.

 

الكلمة كسرت رفعت.

 

غمض عينه.

 

والدموع نزلت بصمت.

 

قال:

 

— مش هموت قبل ما أعتذرلك صح.

 

الإسعاف وصل.

 

ونقلوه.

 

وفي الطريق للمستشفى، نادية قعدت جنب آدم.

 

وآدم ماسك إيدها بإيد، وإيد رفعت بإيد.

 

مشهد غريب.

 

الراجل اللي كان عايزه يخرج من البيت الصبح…

 

بقى هو اللي أنقذه من مخزن مهجور.

 

لكن الجرح اللي جواه لسه مفتوح.

 

وفي المستشفى، بعد الفحوصات، الدكتور قال إن رفعت عنده كسر في ضلعين وكدمة قوية، لكن حالته مستقرة.

 

نادية تنفست لأول مرة.

 

آدم نام على كرسي في الممر من التعب.

 

راسه على حجرها.

 

وكان لسه بيشهق في النوم.

 

كل شوية يقول:

 

— ماما…

 

فترد وهي بتمسح على شعره:

 

— أنا هنا.

 

بعد ساعات، خرج الضابط من أوضة رفعت.

 

وقال لنادية:

 

— الحاج رفعت أدلى بأقوال مهمة.

 

— عن إيه؟

 

— عن فؤاد. وعن كريم. وعن ملفات الشركة.

 

نادية بصت له.

 

— يعني إيه؟

 

الضابط قال:

 

— يعني هو قرر يعترف بكل حاجة.

 

نادية اتجمدت.

 

— كل حاجة؟

 

— كل حاجة.

 

بصت من زجاج الأوضة.

 

رفعت كان نايم على السرير.

 

ضعيف.

 

مكسور.

 

لكن لأول مرة…

 

وجهه كان هادي.

 

كأنه تعب من الهروب.

 

الضابط كمل:

 

— اعترافه ممكن يدخله في مشاكل قانونية كبيرة.

 

نادية قالت بهدوء:

 

— هو عارف.

 

— واضح إنه عارف. وقال جملة واحدة قبل ما نخرج.

 

— قال إيه؟

 

الضابط بص ناحية آدم النائم.

 

وقال:

 

— قال: “مش عايز الولد ده يدفع تمن ذنوبي.”

 

نادية حسّت دموعها بتنزل.

 

مش دموع مسامحة.

 

لسه بدري.

 

ولا دموع حب.

 

يمكن ده انتهى.

 

لكنها كانت دموع على إنسان قرر أخيرًا يبقى إنسان.

 

في آخر الليل، آدم صحي.

 

بص حواليه مفزوع.

 

— ماما؟

 

— أنا هنا.

 

حضنها فورًا.

 

— إحنا فين؟

 

— في المستشفى. جدو كويس.

 

آدم سكت.

 

وبعدين قال:

 

— هو أنقذني.

 

— آه.

 

— بس هو اللي قال أمشي.

 

نادية ضمته.

 

— عارفة.

 

— أعمل إيه؟

 

سؤال طفل مش عارف يكره ولا يسامح.

 

نادية قالت:

 

— ماتعملش حاجة دلوقتي. خليك حاسس بس. الزعل حقك. والخوف حقك. ومش لازم تسامح بسرعة.

 

آدم هز راسه.

 

وبعد شوية، قال:

 

— ممكن أشوفه؟

 

نادية ترددت.

 

ثم قالت:

 

— لو إنت عايز.

 

دخلوا أوضة رفعت.

 

كان صاحي.

 

أول ما شاف آدم، حاول يعتدل.

 

نادية قالت:

 

— خليك مكانك.

 

آدم وقف بعيد شوية.

 

رفعت بص له بعينين تعبانين.

 

— آدم.

 

الولد ما ردش.

 

رفعت كمل:

 

— أنا آسف.

 

آدم قال بصراحة موجعة:

 

— إنت قلت إني مش ابنك.

 

رفعت غمض عينه.

 

— قلت.

 

— وقلت إني صداع.

 

— قلت.

 

— وكنت عايزني أمشي.

 

رفعت فتح عينه، والدموع فيها.

 

— آه.

 

آدم قال:

 

— ليه؟

 

السؤال البسيط رجع تاني.

 

لكن المرة دي رفعت كان لازم يجاوب.

 

قال بصوت مكسور:

 

— عشان أنا كنت أناني. وخايف. وغبي. كنت فاكر الراحة إن البيت يبقى هادي. بس اكتشفت إن البيت اللي مافيهوش صوت طفل… مش بيت. ده قبر شيك.

 

آدم بص له.

 

رفعت كمل:

 

— أنا ماستاهلش إنك تسامحني دلوقتي. ومش هطلب منك. بس هطلب فرصة أثبتلك إني غلطت.

 

آدم قال:

 

— هتطردني تاني؟

 

رفعت بكى.

 

بكى قدامه بوضوح.

 

— لا. أقسم بالله لا.

 

آدم قرب خطوة.

 

— حتى لو عملت دوشة؟

 

— حتى لو عملت دوشة.

 

— حتى لو وقعت عصير على السجادة؟

 

رفعت ضحك وسط دموعه.

 

— حتى لو غرقت الفيلا كلها عصير.

 

آدم ابتسم ابتسامة صغيرة.

 

أول ابتسامة من يومين.

 

نادية شافتها.

 

وقلبها ارتاح لحظة.

 

لكن اللحظة ماكملتش.

 

لأن تليفون رفعت رن على الترابيزة.

 

رقم مجهول.

 

نادية بصت للشاشة.

 

ورفعت كمان.

 

الضابط كان خارج، لكن نادية نادت عليه.

 

— استنى.

 

رفعت رد وفتح السبيكر.

 

جالهم صوت كريم.

 

بارد.

 

مليان كره.

 

— فاكرين الحكاية خلصت؟

 

رفعت قال:

 

— سلم نفسك يا كريم.

 

كريم ضحك.

 

— أسلم نفسي؟ لا يا حاج. أنا لسه بادئ.

 

نادية شدت آدم لحضنها.

 

كريم كمل:

 

— الملفات اللي معاكو نسخة. واللي معايا أصل. والبيت اللي فرحانة بيه يا نادية… هيتحول لكابوس.

 

رفعت قال:

 

— إنت بتدمر نفسك.

 

كريم رد:

 

— لا. أنا بدمر كل اللي خذلوني.

 

ثم سكت لحظة.

 

وقال الجملة اللي خلت نادية تحس إن الخطر لسه واقف على الباب:

 

— أولهم آدم.

 

الخط اتقفل.

 

وآدم رفع عينه لأمه.

 

مرعوب من جديد.

 

لكن المرة دي…

 

نادية ماكانتش لوحدها.

 

رفعت رفع نفسه رغم الألم.

 

وقال بصوت ضعيف لكن ثابت:

 

— لا يا كريم.

 

المرة دي…

 

هتلاقيني واقف قدامك.

 

مش وراك.

 

وكان واضح إن الحرب الحقيقية بدأت دلوقتي.

 

مش على بيت.

 

ولا على شركة.

 

لكن على طفل صغير كان كل ذنبه إنه وُلد في قلب أم مستعدة تحارب الدنيا عشانه.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *