افعي ضخمه حكـايـات أسمـا ×2
تجمّدت ساره فوق السرير.
الفحيح كان واضحًا جدًا هذه المرة… قريبًا لدرجة أنها شعرت بأنفاس باردة تلامس قدمها من أسفل الغطاء.
حاولت تصرخ…
لكن صوتها اختفى.
كانت أجهزة المراقبة بجوارها تُصدر صفيرًا متقطعًا، بينما ضوء الغرفة الخافت يرتعش وكأنه على وشك الانطفاء.
ثم…
خرج شيء أسود ببطء من تحت السرير.
عينان حمراوان.
ورأس صغير مغطى بحراشف لامعة.
الأفعى.
لكنها لم تكن بحجم ذلك الوحش الذي خرج من بطنها.
كانت أصغر… بطول ذراع تقريبًا.
ورغم ذلك…
كانت تبتسم.
نعم.
ابتسامة بشرية صغيرة مرعبة انشقّت فوق فمها الرفيع.
ارتفع جسد ساره عن المرتبة من الرعب.
وفي اللحظة نفسها انفتح باب الغرفة.
دخل الدكتور سامي بسرعة بعدما سمع صوت الأجهزة.
لكن حين نظر أسفل السرير…
لم يجد شيئًا.
الأفعى اختفت.
أما ساره فكانت تبكي بهستيريا: ــ كانت هنا… والله كانت هنا!
اقترب منها الطبيب محاولًا تهدئتها، لكنه توقف فجأة عندما لاحظ شيئًا غريبًا.
آثار مادة سوداء لزجة فوق الأرض.
تتجه نحو فتحة التهوية.
تجمّد وجهه.
ثم أغلق باب الغرفة فورًا وقال بصوت منخفض: ــ لازم نخرجك من هنا حالًا.
ــ ليه؟!
ابتلع ريقه وقال: ــ لأن اللي خرج منك… مش طبيعي… وأنا بدأت أخاف إن العملية أصلًا ما خلصتش.
بعد ساعات قليلة…
خرجت ساره من المستشفى سرًا قبل الفجر.
الدكتور سامي أخذها إلى شقته الخاصة في القاهرة بدلًا من بيتها.
كان رجلًا في الخمسين، يعيش وحده بعد وفاة زوجته.
لكن منذ ليلة العملية… بدا وكأنه فقد عشر سنوات من عمره.
يداه لا تتوقفان عن الارتعاش.
وعيناه تراقبان أي ظل حوله.
في الطريق سألته ساره بصوت ضعيف: ــ إيه اللي كان جوايا يا دكتور؟
صمت طويلًا.
ثم قال: ــ أنا مش متأكد… لكن قبل عشرين سنة حصلت حالة شبهك.
شهقت ساره: ــ إيه؟
أوقف السيارة فجأة أمام إشارة حمراء والتفت إليها.
ــ ست حامل وصلت مستشفى قديم في الصعيد… كانت بتقول إن جوزها بيمنعها من الكشف.
ثم أكمل بصوت منخفض: ــ ماتت على الترابيزة… وبعدها اختفى المستشفى بالكامل في حريق غريب.
شعرت ساره بالبرد يجتاح جسدها.
ــ وإيه علاقة ده بسليم؟
فتح الدكتور درج السيارة وأخرج صورة قديمة صفراء.
ناولها لها.
وحين نظرت…
شهقت بعنف.
الرجل الواقف في الصورة بجوار المرأة الحامل…
كان سليم.
بنفس الوجه.
نفس العمر.
نفس الابتسامة الباردة.
همست ساره: ــ مستحيل…
ــ الصورة دي من سنة ٢٠٠٦.
ارتجفت شفتاها: ــ يعني إيه؟!
قال وهو ينظر للطريق: ــ يعني جوزك مش طبيعي.
في شقة الدكتور سامي بدأت الأيام تمر ببطء ثقيل.
كانت ساره تحاول النوم… لكنها كل ليلة تسمع الزحف.
مرة داخل الجدران.
مرة داخل الحمام.
وأحيانًا…
داخل بطنها نفسها.
رغم العملية… ما زالت تشعر بالحركة.
وفي الليلة الثالثة…
استيقظت على ألم رهيب.
دخلت الحمام وهي تتلوّى.
ثم وقفت أمام المرآة متجمدة.
بطنها عاد ينتفخ.
لكن ليس هذا ما أفزعها.
شيء أسود كان يتحرك أسفل جلد رقبتها.
مثل دودة طويلة تزحف داخل عروقها.
صرخت بعنف.
دخل الدكتور سامي راكضًا.
وحين رآها…
شحب وجهه.
ــ يا نهار أبيض…
أمسك بمحقنة بسرعة وحقنها بمادة مهدئة.
وبعد دقائق بدأت الحركة تختفي.
لكن الطبيب لم ينطق بكلمة واحدة بعدها.
ظل فقط جالسًا في الصالة يدخن بشراهة حتى الصباح.
في اليوم التالي قرر أن يخبرها بكل شيء.
فتح خزانة قديمة وأخرج ملفًا مليئًا بالقصاصات والصور.
ــ بعد الحادثة القديمة بدأت أبحث.
كانت الصور لنساء كثيرات.
كل واحدة تحمل نفس الأعراض.
انتفاخ بطن. اختفاء. وفاة غامضة.
ثم صورة أخرى…
لسليم.
في كل مرة باسم مختلف.
مرة رجل أعمال. مرة طبيب. مرة شيخ مشهور.
لكن الوجه لا يتغير.
همست ساره: ــ هو مين؟
أجاب الدكتور بصوت مرتجف: ــ في أساطير قديمة عند بعض الطوائف… فيه كائنات اسمها “أبناء الحية”.
كائنات تعيش وسط البشر وتتغذى على النساء الحوامل.
لكن أحيانًا…
تحاول تتكاثر.
ثم أشار إلى صورة غرفة دائرية تشبه قبو سليم.
ــ والطقوس دي هدفها خلق ملكة جديدة.
تراجعت ساره وهي تبكي: ــ يعني أنا…
ــ كنتِ حاضنة.
ثم أكمل: ــ والأفعى الصغيرة اللي شفتيها… غالبًا كانت واحدة من البيوض اللي نجت.
ساد الصمت.
ثم قال فجأة: ــ لازم نرجع القصر.
شهقت: ــ إنت اتجننت؟!
ــ لأن لو فيه علاج ليكي… أو طريقة نوقف اللي بيحصل… هتكون هناك.
وصلوا القصر ليلًا.
كان مهجورًا.
بوابته مفتوحة تصدر صريرًا مرعبًا مع الهواء.
النوافذ سوداء.
والحديقة مليئة بأشجار ذابلة كأن المكان مات منذ قرون.
دخلوا بحذر.
كل شيء كما هو.
الأكواب فوق الطاولة. اللوحات. العطر الذي كان يملأ المكان.
لكن هناك رائحة جديدة الآن.
رائحة عفن وزواحف.
وفجأة…
سمعوا همسًا.
صوت نساء كثيرات.
قادهم الصوت نحو القبو الأبيض.
الباب كان مفتوحًا.
وحين نزلوا…
تجمدت ساره من الرعب.
الغرفة لم تعد كما رأتها.
الآن كانت مليئة بالعظام.
هياكل نساء.
بعضها ما زال يرتدي فساتين زفاف.
وفي المنتصف…
حفرة ضخمة.
تتحرك بداخلها عشرات الأفاعي السوداء الصغيرة.
شهقت ساره وهي ترتجف: ــ يا رب…
ثم رأت شيئًا آخر.
دفتر قديم.
أخذه الدكتور بسرعة وبدأ يقلب صفحاته.
كان مكتوبًا بلغة غريبة، لكن بين الصفحات صور ورسومات واضحة.
امرأة حامل.
ثم أفعى تخرج من بطنها.
ثم رجل يشبه سليم يقف فوق جبل من الجثث.
همس الدكتور: ــ ده مش حمل… ده تحول.
ثم توقف عند صفحة أخيرة.
وتغيّر لون وجهه بالكامل.
ــ لا…
ــ إيه؟!
رفع الصفحة أمامها.
كانت صورة تشريحية لجسد امرأة…
والأفاعي تخرج من عينيها وفمها.
وتحتها جملة بالعربية:
“حين تكتمل الملكة… تصبح البوابة.”
وقبل أن تنطق ساره…
انطفأت الأنوار.
ثم جاء الصوت.
ضحكة سليم.
ــ كنت عارف إنكم هترجعوا.
ظهر من الظلام ببطء.
لكن شكله هذه المرة كان أسوأ.
جلده يتقشر.
وعيناه تشعان بلون أصفر مرعب.
وخلفه…
عشرات الأفاعي تزحف فوق الأرض.
قال وهو يبتسم: ــ البشر دايمًا يخافوا من التطور.
صرخ الدكتور سامي: ــ إنت شيطان!
ضحك سليم بصوت عميق: ــ لا… الشياطين كانت هنا قبلنا بكتير.
ثم نظر إلى ساره بحنان غريب: ــ كنتِ الأقوى بينهم… علشان كده اخترتك.
صرخت: ــ سيبني!
اقترب أكثر: ــ خلاص يا ساره… التحول بدأ.
ثم أشار إلى بطنها.
ونظرت هي للأسفل…
لتجد بطنها ينتفخ مجددًا أمام عينيها.
والحركة داخله أصبحت أعنف من أي وقت.
صرخت بانهيار.
أما سليم ففتح ذراعيه وقال: ــ ولادة الملكة قربت.
انقضّت الأفاعي فجأة.
الدكتور سامي أمسك شعلة مشتعلة من الحائط وضربها بها.
اشتعلت الأفاعي الصغيرة وهي تصرخ بصوت أطفال.
أما سليم فقفز بسرعة غير بشرية وأمسك الطبيب من رقبته.
ارتفع جسد الدكتور عن الأرض.
بدأ يختنق.
وسليم يهمس: ــ البشر ضعفاء جدًا…
لكن فجأة…
ساره أمسكت سكينًا طقوسيًا كان فوق المذبح الحجري وغرسته في ظهر سليم.
تجمّد.
ثم التفت إليها ببطء.
وعيناه مليئتان بالصدمة.
لأول مرة…
بدا خائفًا.
صرخت وهي تبكي: ــ إنت دمرت حياتي!
سحب السكين من جسده ببطء.
لكن الدم الذي خرج لم يكن أحمر.
كان أسود كثيفًا.
ثم بدأت الأرض تهتز.
الأفاعي تصرخ.
والجدران تتشقق.
صرخ الدكتور سامي: ــ اهربي يا ساره!
لكن سليم ابتسم رغم الألم.
ــ متأخر جدًا.
ثم نظر إلى بطنها.
وفجأة…
شعرت ساره بألم انفجاري مزق جسدها.
سقطت على الأرض تصرخ.
شيء داخلها كان يحاول الخروج.
بقوة.
بعنف.
ثم…
انشق جلد بطنها قليلًا.
وخرجت منه عين حمراء صغيرة.
صرخت ساره بجنون حتى تقطع صوتها.
أما سليم فركع أمامها بسعادة مريضة: ــ أخيرًا…
لكن قبل أن يلمسها…
أطلق الدكتور سامي النار.
رصاصة اخترقت رأس سليم.
تراجع للخلف مذهولًا.
ثم ثانية.
وثالثة.
حتى انفجر نصف وجهه.
ومع ذلك…
ظل واقفًا.
يبتسم.
ثم بدأ جسده يتفكك إلى مئات الأفاعي السوداء الصغيرة.
وانتشرت في المكان كالسيل.
صرخت ساره.
أما الدكتور فسحبها بقوة وركض نحو الدرج.
وراءهما كان القبو ينهار.
والأفاعي تلاحقهم.
وصلوا للخارج بصعوبة…
وفي اللحظة التي خرجوا فيها…
انفجر القصر بالكامل بالنيران.
ارتفعت ألسنة اللهب نحو السماء.
وساد الصمت.
سقطت ساره على الأرض منهارة.
والدم يغطي ملابسها.
ثم همست: ــ خلصنا… صح؟
لكن الدكتور سامي لم يرد.
كان يحدق في بطنها بوجه شاحب.
نظرت هي أيضًا للأسفل.
الجرح الذي انشق قبل دقائق…
كان يلتئم ببطء.
ومن تحته…
شيء يتحرك.
ثم…
سمعوا صوت طفل رضيع يبكي وسط النار المشتعلة داخل القصر.
لكن البكاء…
تحوّل تدريجيًا إلى فحيح.
يتبع
