الارمل الوسيم اسما السيد 3
الفصل الثالث
رائف فضل واقف وسط الأرض الزراعية وقت طويل.
الشمس كانت بتنزل ببطء خلف النخيل، والهوا الترابي بيلف حوالينه، لكنه ماكانش حاسس بأي حاجة.
كل اللي كان سامعه… صوت عمر وهو بيصرخ فيه:
“بكرهك علشان مقدرتش تنقذها!”
الجملة رجعته لليلة عمره ما عرف يهرب منها.
ليلة موت رحمة.
ليلة المستشفى.
ليلة ما الدكتور خرج له ووشه شاحب وقال: — البقاء لله.
ساعتها حس إن الدنيا كلها انطفَت مرة واحدة.
فاكر إيده وهي بتبرد بين إيديه.
فاكر صوتها الضعيف وهي تهمس: “خلي بالك من العيال يا رائف…”
ومن وقتها… وهو بيحاول.
لكن الحقيقة اللي عمر قالها… كانت نفس الحقيقة اللي رائف بيقولها لنفسه كل ليلة.
“أنا فشلت.”
وفي نفس الوقت…
كان عمر قاعد لوحده خلف البيت، حاضن ركبته، وعينيه حمرا من العياط اللي رافض يطلعه.
دلال قربت بهدوء.
قعدت بعيد عنه شوية علشان ما يخافش.
فضل ساكت.
وهي كمان ما اتكلمتش.
لحد ما قال بعصبية: — جاية تقولي إني غلطان؟
هزت رأسها: — لا.
بصلها باستغراب.
قالت بهدوء: — إنت موجوع.
الكلمة كسرت آخر مقاومة جواه.
عمر دفن وشه بين إيديه فجأة، وخرج منه أول عياط حقيقي من ساعة موت أمه.
عياط مكتوم… موجوع… مرعب.
— أنا كنت ماسك إيدها وهي بتموت…
كنت سامعها بتنادي بابا… وهو ماعرفش ينقذها…
وأنا… وأنا خفت أوي…
دلال حسّت قلبها بيتقطع.
قربت منه بحذر، وحطت إيدها على شعره.
— إنت كنت طفل يا عمر.
رفع عينيه بسرعة: — بس أنا الراجل دلوقتي!
الجملة خرجت بعنف.
كأنه بيحاول يشيل البيت كله فوق ضهره الصغير.
دلال دموعها لمعت.
— لا يا حبيبي…
إنت لسه ولد محتاج يتحضن.
وفجأة…
عمر حضنها.
بقوة.
كأنه غريق لقى حاجة يتمسك بيها أخيرًا.
وفي الناحية التانية من العزبة…
رائف كان راجع ببطء، لكنه وقف فجأة لما شاف المشهد من بعيد.
ابنه… اللي بقى حجر بعد موت أمه… بيعيط في حضن دلال.
حس حاجة جواه بتتهز بعنف.
حاجة كانت ميتة.
دخل البيت من غير ما يبين إنه شاف حاجة.
لكن طول الليل… صورة عمر وهو متعلق بدلال ما خرجتش من دماغه.
وفي الصباح…
العزبة صحيت على صوت خبط شديد على الباب.
فتح رائف، فاتصدم.
كان صاحب الدين.
المعلم شوقي.
راجل ضخم، صوته عالي، معروف إنه ما بيرحمش حد.
دخل من غير استئذان، وبص حواليه بازدراء.
— واضح إنك لقيت وقت تتجوز بدل ما تدفع ديونك.
رائف فكه شد.
— دلال مش مراتي.
شوقي ضحك بسخرية: — لسه.
دلال خرجت من المطبخ، وما إن شافته حتى وشها شحب.
لأنها تعرف النوع ده من الرجال.
اللي يحب يكسر الناس علشان يحس بقوته.
شوقي رمى ورقة فوق الترابيزة: — قدامك شهر يا رائف.
يا تدفع… يا العزبة كلها هتبقى بتاعتي.
سلمى حضنت نفسها بخوف.
أما ياسين وملك فاختبوا ورا دلال.
رائف قال ببرود: — هسدد.
شوقي قرب منه: — بإيه؟
الأرض ماتت… والزرع خسران… والناس كلها بتقول إنك انتهيت.
ثم بص لدلال باستهزاء: — ولا ناوي تبيع الست اللي جبتها؟
في لحظة…
رائف مسكه من هدومه بعنف.
الكرسي وقع.
والعيال صرخوا بخوف.
— اسمها ما يجيش على لسانك.
الصمت اتجمد.
حتى شوقي نفسه اتوتر للحظة.
لكن دلال حطت إيدها بسرعة على ذراع رائف: — علشان خاطري…
رائف كان بيتنفس بعنف.
ثم سابه.
شوقي عدل هدومه وقال بابتسامة باردة: — شهر واحد.
ومشي.
بعد ما الباب اتقفل…
البيت كله غرق في صمت ثقيل.
سلمى بصت لرائف بخوف: — هنسيب البيت؟
رائف ما ردش.
لأنه لأول مرة… ماكانش عارف يكذب.
وفي الليل…
دلال كانت قاعدة تعد فلوس قليلة جدًا كانت مخبياها في شنطتها.
كل تحويشة عمرها.
رائف دخل وشافها.
— بتعملي إيه؟
خبّت الفلوس بسرعة: — ولا حاجة.
لكنه لمحهم.
— لا.
رفعت عينيها: — إيه؟
— مش هاخد منك حاجة.
قالتها بهدوء: — وإيه المشكلة لما الناس تسند بعض؟
رائف قرب خطوة: — لأنك تعبتِ فيهم.
ابتسمت بحزن: — أول مرة حد يخاف عليّ من التعب.
الجملة خلت قلبه يدق بعنف غريب.
فهرب بسرعة من قدامها.
لكن في نفس اللحظة…
كان في حد بيراقب البيت من بعيد.
سامية.
كانت قاعدة في عربيتها، وعينيها مليانة غيرة وسم.
لأنها لأول مرة تشوف دلال… سعيدة.
حتى لو وسط الخراب.
عضت على شفايفها بعصبية وهمست: — لا…
دلال عمرها ما يبقى لها بيت أحسن مني.
وفي اليوم التالي…
وصلت للعزبة عربية جديدة فخمة.
نزل منها راجل أنيق جدًا، لابس بدلة غالية ونضارة شمس.
أول ما دلال شافته… اتجمد الدم في عروقها.
فارس.
خطيبها القديم.
الرجل اللي سابها زمان… واختار يتجوز سامية بدلها.
رائف لاحظ تغير وشها فورًا.
أما فارس، فابتسم وهو يقرب: — يعني فعلًا لقيتك هنا.
دلال صوتها خرج ضعيف: — إنت جاي ليه؟
فارس بص حواليه بسخرية: — كنت فاكر إنك هتموتي فقيرة لوحدك… لكن واضح إنك اخترتي أرمل مفلس بدل الوحدة.
رائف وقف بينهم فورًا.
بعين باردة جدًا.
— في حاجة؟
فارس مد إيده بثقة: — فارس الجمال.
يبقى أعرفك بنفسي… أنا كنت هتجوز الآنسة دلال قبل ما تهرب.
رائف ما سلمش عليه.
بس بص لدلال.
وشاف الرعب القديم في عينيها.
فهم فورًا إن الراجل ده… سبب وجع كبير.
وفارس كمل بابتسامة مستفزة: — جيت أقول لها إن أختها سامية تعبت… وعايزاها ترجع البيت.
دلال ردت بسرعة لأول مرة: — مش هرجع.
فارس ضحك: — راجعة غصب عنك.
أختك قالت لو ما رجعتيش… هتبلغ الناس بالحقيقة.
الصمت نزل كالصاعقة.
رائف ضيق عينيه: — حقيقة إيه؟
دلال وشها فقد لونه بالكامل.
أما فارس… فابتسم ببطء وقال:
— الحقيقة اللي خلت كل رجالة البلد يهربوا من جواز دلال…
إنها كانت هتدخل السجن زمان بسبب تهمة سرقة.
يتبع