توامي العزيز حكـايـات أسمـا ×2
بعد أسبوعين بالضبط، سلمى بدأت تحس إن جسمها أخيرًا بيفوق من حالة الرعب اللي عاش فيها الشهور اللي فاتت. لأول مرة من يوم ولدت التوأم نامت خمس ساعات متواصلة من غير ما تقوم مفزوعة على صوت خناق أو رسالة من كريم أو مكالمة من حماتها.
الفيلا اللي نقلها فيها إخواتها كانت هادية بشكل غريب.
واسعة… نضيفة… مليانة نور.
لكن رغم كل الراحة دي، قلبها كان لسه متكسر.
كانت قاعدة في الجنينة الصبح، لابسة روب أبيض خفيف، والتوأم نايمين جنبها في العربية الصغيرة. الهوا كان بيلعب في شعرها بهدوء وهي سرحانة في نقطة بعيدة.
دخلت عليها مديرة المنزل بابتسامة بسيطة.
“مدام سلمى… في حد باعت ورد.”
سلمى استغربت.
“مين؟”
الست مدت لها كارت صغير.
ولما فتحته… اتجمدت.
“أنا آسف على كل دمعة نزلت منك — كريم.”
قفلت الكارت فورًا.
إيديها بدأت ترتعش من الغضب.
آدم كان داخل في اللحظة دي، وأول ما لمح اسم كريم على الكارت، خطفه من إيديها ورماه في الترابيزة بعصبية.
“الواد ده لسه فاكر إن عنده فرصة؟”
سلمى أخدت نفس طويل.
“سيبه يا آدم.”
لكنه كان متعصب بشكل واضح.
“بعد اللي عمله؟! بعد ما كان هيرميكي في الشارع؟”
أحمد نزل هو كمان على صوتهم. كان لابس بدلة سودا وشكله راجع من اجتماع مهم. بص للورد ثم قال بهدوء قاتل:
“ارموه.”
مديرة المنزل شالت الورد بسرعة وخرجت.
سلمى بصت لإخواتها بحزن خفيف.
“أنا تعبت من الخناق.”
أحمد قرب منها وقعد جنبها.
“علشان كده لازم تركزي في نفسك دلوقتي.”
سكتت شوية قبل ما تسأله:
“هو التحقيقات وصلت لفين؟”
آدم ضحك بسخرية.
“حبيب القلب متبهدل.”
أحمد بص له بتحذير خفيف قبل ما يشرح بهدوء:
“اكتشفوا إنه مزور إمضات تانية غير بتاعتك… وفي ناس رفعت عليه قضايا.”
سلمى نزلت عينيها.
رغم كل حاجة… جزء صغير جواها كان موجوع عليه.
وده اللي خلاها تتضايق من نفسها أكتر.
بعد يومين…
كانت بتحاول تنيم التوأم لما سمعت صوت خبط خفيف على الباب.
دخلت الخادمة بتوتر.
“مدام… والدة الأستاذ كريم برا.”
سلمى اتجمدت.
حماتها.
آخر شخص كانت مستعدة تشوفه.
آدم كان موجود في البيت، وأول ما سمع الاسم قام بعصبية.
“تترمي برا.”
لكن سلمى وقفته بهدوء.
“سيبها تدخل.”
بعد دقائق…
دخلت أم كريم.
لكن مش بنفس الشكل المتكبر اللي كانت عليه.
كانت مرهقة… شعرها منكوش… وعينيها باين فيهم خوف.
بصت حواليها بتوتر واضح قبل ما تبص لسلمى.
“عاملة إيه يا بنتي؟”
سلمى ما ردتش.
الست قعدت ببطء وقالت بصوت مهزوز:
“أنا جاية أطلب منك تسامحي ابني.”
آدم ضحك بذهول.
“يا شيخة!”
لكن الست كملت بسرعة:
“والله ما كنت أعرف إنه هيعمل كل ده.”
سلمى بصتلها ببرود.
“حضرتك كنتِ عايزة ترموني أنا وولادي في أوضة تخزين.”
الست سكتت.
ثم قالت بضعف:
“كنت فاكرة إن كريم مسيطر على الوضع.”
آدم قرب منها بعصبية.
“لا… إنتِ كنتِ فاكرة إن أختي ملهاش حد.”
الست دموعها نزلت.
“ابني ضاع.”
سلمى بصتلها للحظات طويلة.
ثم قالت بهدوء:
“ابنك ضيع نفسه.”
الكلمة كانت قاسية.
لكن حقيقية.
أم كريم قامت وهي منهارة تقريبًا.
“بس هو بيحبك.”
سلمى ابتسمت بمرارة.
“اللي يحب حد… ما يذلوش.”
ولما الست خرجت…
سلمى دخلت أوضتها وقفلت الباب وانهارت في العياط.
مش علشان كريم.
لكن علشانها.
علشان استوعبت قد إيه كانت وحيدة وهي عايشة وسط ناس المفروض أهلها.
في نفس الليلة…
أحمد دخل أوضتها بعد ما الأطفال ناموا.
لقاها قاعدة في الضلمة.
قرب منها بهدوء.
“مالك؟”
همست:
“حاسّة إني فشلت.”
أحمد اتصدم.
“فشلتي؟”
هزت راسها بدموع.
“أنا اخترته بإيدي.”
أحمد سكت شوية قبل ما يقول:
“الوحش مش بيبان من أول يوم يا سلمى.”
بصت له بعيون حمراء.
فكمل بهدوء:
“الناس المؤذية بتعرف تمثل كويس.”
دموعها نزلت أكتر.
“أنا كنت فاكرة إنه سند.”
أحمد أخد نفس طويل وقال:
“علشان إنتِ قلبك نضيف.”
بعد شهر…
سلمى بدأت ترجع للحياة بالتدريج.
رجعت تهتم بنفسها شوية.
بشرتها بدأت تستعيد لونها الطبيعي.
الضحكة بدأت ترجع لوشها حتى لو بخجل.
وفي يوم…
أحمد دخل عليها بابتسامة غريبة.
“عندي ليكي مفاجأة.”
سلمى بصت له باستغراب.
“إيه؟”
ناولها ملف كبير.
فتحته… واتصدمت.
كان عقد شراكة.
باسمها.
“شركة تصميم داخلي؟”
آدم دخل وهو مبتسم.
“إنتِ طول عمرك شاطرة في الديكور.”
سلمى بصتلهم بعدم تصديق.
“بس أنا بقالي سنين بعيدة عن الشغل.”
أحمد قال بثقة:
“وترجعي.”
لأول مرة من شهور…
حست بحاجة شبه الحماس.
بعد أسابيع…
كانت واقفة في أول مكتب ليها.
مكان بسيط لكنه شيك جدًا.
هي اللي اختارت كل تفصيلة فيه.
الألوان.
الإضاءة.
الورد.
حتى ريحة المكان.
كانت واقفة تبص حواليها بفخر وهي شايلة واحد من التوأم.
وفجأة…
سمعت صوت مألوف وراها.
“مبروك.”
لفت بسرعة.
كريم.
كان واقف عند الباب.
لكن شكله كان أسوأ بكتير من آخر مرة.
دقنه طويلة.
هدومه بسيطة.
وعينيه غرقانة تعب.
سلمى اتوترت فورًا.
“إنت إزاي دخلت؟”
قال بهدوء:
“قولت للسكرتيرة إني والد الأطفال.”
سكتت.
الكلمة وجعتها رغم كل حاجة.
بصلها للحظات طويلة قبل ما يقول:
“إنتِ جميلة.”
سلمى ردت ببرود:
“إنت جاي ليه؟”
بلع ريقه بصعوبة.
“وحشتيني.”
سلمى حست قلبها بينقبض.
لكنها تماسكت.
“خلصت؟”
قرب خطوة صغيرة.
“أنا اتغيرت.”
ضحكت بسخرية موجوعة.
“الناس ما بتتغيرش بسرعة دي.”
قال بلهفة:
“أنا بروح دكتور نفسي… وبشتغل أي شغل علشان أسدد ديوني… حتى أمي قطعت علاقتها بيا.”
سلمى سكتت.
كمل بصوت مكسور:
“كل يوم بصحى ألاقي البيت فاضي من غيركم.”
للحظة…
افتكرت أيامهم الحلوة.
أول سنة جواز.
ضحكهم.
خروجاتهم.
إيده وهي ماسكاها وقت الولادة.
لكن بعدها مباشرة افتكرت بروده وهو بيقولها تنام في أوضة تخزين.
افتكرت جعانها.
تعبها.
ذلها.
فقالت بهدوء:
“أنا مش هكرهك يا كريم… بس خلاص.”
دموعه نزلت فعلًا.
“مفيش أمل؟”
هزت راسها ببطء.
وفي اللحظة دي…
دخل آدم.
وأول ما شاف كريم وشه اسود.
“إنت بتعمل إيه هنا؟”
كريم بصله بتعب.
“جاي أشوف ولادي.”
آدم رد بحدة:
“لما المحكمة تسمحلك.”
لكن سلمى رفعت إيديها بهدوء.
“خليه يشوفهم.”
آدم اتصدم.
“سلمى—”
قالت بهدوء:
“مهما كان… ده أبوهم.”
كريم بص لها بامتنان ودموع.
شال واحد من التوأم بإيد مرتعشة.
والطفل الصغير بصله ببراءة قبل ما يمسك صباعه الصغير.
وفي اللحظة دي…
كريم انفجر في العياط.
عياط راجل مكسور فعلًا.
حتى آدم نفسه سكت.
كريم باس راس ابنه وهمس:
“أنا آسف.”
سلمى كانت واقفة تبص عليهم وقلبها بيتقطع.
لكنها كانت عارفة إن الحب لوحده مش كفاية.
بعد خروجه…
آدم بص لها بقلق.
“إوعى يضحك عليكي تاني.”
سلمى هزت راسها بهدوء.
“مش هرجعله.”
“متأكدة؟”
بصت لأولادها.
ثم قالت بثقة لأول مرة:
“أنا أخيرًا فهمت قيمتي.”
ومرت الشهور…
وشركة سلمى بدأت تكبر بشكل سريع.
ذوقها كان مميز.
مشاريعها بقت مطلوبة.
صور تصاميمها بقت منتشرة على السوشيال ميديا.
والناس بدأت تتكلم عن “المصممة الغامضة” اللي رجعت فجأة للسوق بقوة.
وفي حفلة افتتاح مشروع ضخم…
كانت سلمى واقفة بفستان أسود أنيق وشعرها مرفوع ببساطة راقية.
كل الناس كانت بتبص لها بإعجاب.
أحمد قرب منها بابتسامة فخر.
“شايفة نفسك وصلتي لفين؟”
سلمى ابتسمت بخجل.
“بفضلكوا.”
آدم دخل وهو ماسك عصير وقال بمزاح:
“لا… بفضل جوزك الأهبل.”
ضحكت لأول مرة من قلبها.
وفجأة…
واحد من رجال الأعمال الكبار قرب منها بابتسامة محترمة.
“مدام سلمى؟ أنا سيف المنياوي.”
صافحته بهدوء.
كمل بإعجاب واضح:
“شغلك رائع.”
كان راجل هادي، محترم، ونظرته مختلفة.
مش نظرة طمع.
ولا سيطرة.
مجرد إعجاب نضيف.
ومن بعيد…
كان كريم واقف.
جاي يشوف أولاده بعد إذن المحكمة.
لكنه اتجمد وهو شايف سلمى واقفة وسط الناس بالشكل ده.
قوية.
ناجحة.
مضيئة.
أجمل بكتير من الست المكسورة اللي سابها.
وساعتها فهم الحقيقة اللي كانت هتطارده طول عمره…
هو ما خسرش زوجة وبس.
هو خسر أفضل حاجة حصلتله في حياته.
أما سلمى…
فكانت أخيرًا بتبدأ تعيش.
تمت
