خطيبي عزمني عالعشا حكايات أسما السيد
خطيبي عزمني عالعشا يعرفني بابنه المراهق بدأ يتكلم مـعاه بالفرنسـية ظـنًا منـه أنـي لا أفـهم ..لكن اللي فهمته منه كان كارثه
كنت على علاقة بـ كريم لمدة عام ونصف. كان في نظري الرجل المثالي، حنون، يهتم بأدق التفاصيل، ويعرف كيف يخفف عني في أسوأ أيامي. أكبر مني بخمس سنوات، وكان متزوجًا من قبل.
زوجته توفيت منذ سنوات في حادث سير.
لم يكن يحب التحدث عنها. كلما سألت بلطف، كان يقول إن الأمر ما زال مؤلمًا بالنسبة له، فكنت أحترم صمته.
لديه ابن في الخامسة عشرة يُدعى آدم. حكايات اسما
طوال فترة علاقتنا، كان يقول إنه يحتاج وقتًا قبل أن يعرفني به. قال إنه يريد أن يتأكد أن علاقتنا جادة ومستقرة قبل أن يدخلني في حياة ابنه. حكايات توته وستوته
أخيرًا، دعاني إلى منزله في القاهرة لأتعرف على آدم. كانت تلك أول مرة أدخل بيته…العشاء كان متوترًا منذ اللحظة الأولى.
آدم كان باردًا جدًا معي. بالكاد ينظر في وجهي، يجيب بكلمات مقتضبة، ويغرق في صمته.
كنت أشعر وكأنني دخيلة على عالم مغلق.
الصمت على المائدة كان خانقًا.
وما زاد الأمر سوءًا تلك النظرات الغريبة التي كان يتبادلها كريم وآدم. نظرات سريعة، متفاهمة، وكأن بينهما حديثًا غير معلن.
بدأت أفتش عن أعذار لأقوم من مكاني..مرة لأجلب الماء، ومرة لأدخل المطبخ بحجة ترتيب الصحون. كنت فقط أحاول كسر التوتر الذي يخنقني.
في إحدى المرات، عندما حملت الأطباق ودخلت المطبخ، سمعت آدم ينحني قليلًا نحو والده ويبدأ بالحديث – بالفرنسية.
واضح أنهما كانا يعتقدان أنني إن سمعت فلن أفهم.
وهنا المفارقة…أنا لا أحب الفرنسية.
كنت أكرهها في المدرسة لأن معلمتي كانت صارمة جدًا وتجبرنا على حفظ النصوص عن ظهر قلب.
لكن رغم ذلك… تعلمتها جيدًا. فقط لم أخبر أحدًا يومًا.
كلما ركزت أكثر، شعرت ببرودة تسري في جسدي.
آدم (بالفرنسية):
“بابا، ألم تخبرها بالحقيقة؟”
كريم، بنبرة متوترة:
“آدم، من فضلك، لا تتدخل في أمور الكبار.”
آدم بإصرار:
“لكنك تكذب عليها! هي تستحق أن تعرف ماذا يحدث. إنها إنسانة طيبة. إما أن تتركها ترحل… أو أخبرها أنك…”
وتوقف.
لم أحتج أن أسمع بقية الجملة لأفهم أن هناك شيئًا كبيرًا مخفيًا عني.
وقفت في المطبخ للحظة، ويدي ما زالت تمسك بطبق لم أضعه بعد.
قلبي بدأ يخفق بسرعة.
كل النظرات الغريبة، كل التوتر، كل الأسئلة التي تجاهلتها طوال الشهور الماضية… بدأت تتجمع في ذهني دفعة واحدة.
أدركت في تلك اللحظة أنني أمام خيارين:
إما أن أخرج بهدوء وأحمي نفسي قبل أن أسمع ما قد يجرحني…
أو أعود إلى الطاولة وأطالب بالحقيقة.
مددت يدي نحو معطفي الموضوع على الكرسي، وشعرت أن هذه الليلة قد تكون نقطة تحول في حياتي كلها…. لكن قبل ان اهرب حدث… صلى على محمد وتابع@أبرز المعجبين
لكن قبل ما ألمس المعطف حتى، سمعت صوت تكسير قوي جاي من الصالة.
اتلفتّ بسرعة وقلبي وقع.
آدم كان واقف بعصبية والكرسي واقع وراه، وكوباية العصير مكسورة على الأرض. أما كريم فكان واقف وشه شاحب بشكل مرعب.
آدم صرخ بالفرنسية وهو يبص لأبوه: “أنت جبان! كل مرة تعمل نفس الشيء!”
كريم رد بعصبية منخفضة: “قلت لك اصمت!”
كنت واقفة عند باب المطبخ، والطبق ما زال في يدي، لكني لم أعد أشعر به أصلًا. الهواء نفسه أصبح ثقيلًا.
آدم لمحني واقفة.
وفجأة سكت.
الصمت اللي نزل بعدها كان أسوأ من الصراخ.
كريم بصلي بسرعة، ثم حاول يرسم ابتسامة متوترة وقال بالعربية: —آسف… مجرد سوء تفاهم.
لكن آدم ضحك بسخرية مؤلمة وقال: —هي فهمت كل شيء، صح؟
بصيت له مباشرة لأول مرة منذ دخلت البيت. —أفهم الفرنسية يا آدم.
اللون اختفى من وجه كريم بالكامل.
أما آدم، فبدا وكأنه شعر بالراحة أخيرًا.
رميت الطبق على الرخامة بهدوء، وخرجت للصالة وأنا أحاول أتماسك. —ما الحقيقة التي كنت ستقولها لي؟
كريم فتح فمه ثم أغلقه.
لأول مرة منذ عرفته… رأيته خائفًا.
ليس متوترًا. خائفًا فعلًا.
قال بصوت منخفض: —ريم… دعينا نتحدث بهدوء.
لكن آدم قاطعه فورًا: —لا، كفى كذبًا!
ثم التفت إليّ وقال مباشرة: —أبي لم يكن مع أمي عندما ماتت.
تجمدت مكاني.
كنت دائمًا أعتقد أن الحادث كان مجرد مأساة عادية. سيارة، طريق سريع، نهاية مؤلمة. لكن الطريقة التي قال بها الجملة جعلت معدتي تنقبض.
بصيت لكريم ببطء. —ماذا يعني هذا؟
كريم مرر يده في شعره بعصبية. —آدم…
لكن ابنه أكمل: —كان مع امرأة أخرى.
الصمت بعدها كان قاتلًا.
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
كريم حاول يقترب مني بسرعة. —ريم، اسمعيني… الأمر لم يكن كما يبدو.
ضحكت بخفة غير مصدقة. —أنت كنت تخون زوجتك؟
قال بسرعة: —كان زواجنا منهارًا أصلًا.
لكن آدم انفجر: —هذا ليس كل شيء!
بص له كريم بنظرة حادة مرعبة. —آدم، اصعد لغرفتك حالًا.
لكن الولد لم يتحرك.
بل قال وهو يرتجف من الغضب: —قل لها لماذا ماتت أمي وهي تقود وحدها منتصف الليل!
قلبي بدأ يدق بعنف.
بصيت لكريم وأنا أحاول أقرأ وجهه. —كريم… ماذا يقصد؟
ولأول مرة، الرجل الذي كنت أراه دائمًا واثقًا فقد السيطرة تمامًا.
جلس على الكرسي ببطء، ودفن وجهه بين يديه.
ثم قال بصوت مكسور: —تشاجرنا تلك الليلة.
آدم ضحك بمرارة. —تشاجرتم؟ قل الحقيقة كاملة.
بدأت أطرافي تبرد.
كريم رفع رأسه أخيرًا ونظر لي بعينين حمراوين. —زوجتي اكتشفت خيانتي.
شعرت بغصة قوية في حلقي.
—طلبت الطلاق. وكانت تريد أخذ آدم والانتقال للإسكندرية عند أهلها.
آدم كان يضغط على أسنانه بقوة حتى برز فكّه. —وأنت قلت لها إنها لن تأخذني أبدًا.
كريم أغمض عينيه وكأنه يتمنى الاختفاء.
أما أنا… فكنت أشعر أنني أنظر لغريب.
الرجل الحنون، الهادئ، الذي كان يرسل لي وردًا في أصعب أيام عملي، الذي كان يحفظ تفاصيل قهوتي وموعد دوائي… فجأة صار شخصًا لا أعرفه.
قلت بصوت مرتجف: —ثم ماذا حدث؟
كريم بلع ريقه بصعوبة. —خرجت غاضبة بالسيارة.
آدم قال فورًا: —وكانت تبكي.
بصيت للولد.
عينيه كانتا مليئتين بشيء لم أره من قبل… كراهـ,ـية ممتزجة بالحزن.
—كنت مختبئًا أعلى الدرج وسمعت كل شيء. سمعت أبي يقول لها: “لو خرجتِ الآن فلا تعودي أبدًا.”
شعرت بقشعريرة تزحف في ظهري.
كريم همس: —لم أكن أقصد…
لكن آدم صرخ: —لكنها ماتت بعد نصف ساعة!
الصالة كلها اهتزت بصوته.
ثم أكمل وهو يبكي: —ومنذ ذلك اليوم وهو يتصرف كأنه الضحية!
لم أعرف ماذا أقول.
كل شيء داخل رأسي اختلط.
كنت أعرف أن الخيانة سيئة… لكن هناك فرقًا بين رجل أخطأ في زواجه، ورجل يعيش سنوات يخفي عنك حقيقة بهذه الضخامة.
قلت بصعوبة: —ولماذا لم تخبرني؟
كريم رفع عينيه نحوي. —لأنني كنت خائفًا.
ضحكت بصدمة. —خائف من ماذا؟ أن أراك كما أنت فعلًا؟
اقترب مني بسرعة. —لا… خائف أن أخسرك.
دموعي بدأت تنزل دون إرادة.
—إذن قررت أن تبني علاقتنا كلها على نصف حقيقة؟
قال بانهيار: —كنت أحبك.
هزيت رأسي ببطء. —الحب ليس أن تخفي ما قد يغير كل شيء.
آدم كان واقفًا بعيدًا يراقبنا بصمت الآن، لكني كنت أرى في عينيه رجاءً غريبًا… كأنه كان ينتظر منذ سنوات أن يعرف شخص آخر الحقيقة.
وفجأة فهمت سبب بروده معي منذ البداية.
لم يكن يكرهني أنا.
كان يكره فكرة أن امرأة جديدة تدخل حياة أبيه بينما أمّه ماتت وهي مكسورة بسببه.
بصيت لآدم وسألته بهدوء: —لماذا قلت الحقيقة الليلة؟
تردد للحظة، ثم قال: —لأنك كنت لطيفة معي.
الجملة كسرت قلبي.
أكمل بصوت منخفض: —وأمي كانت لطيفة أيضًا… ولم يدافع عنها أحد.
كريم انهار وقتها فعلًا.
بدأ يبكي بطريقة صادمة لرجل مثله.
وقال: —أنا أعيش في عذاب منذ خمس سنوات.
لكن آدم رد ببرود: —هذا لا يعيدها.
الصمت نزل مرة أخرى.
ثم سمعت نفسي أقول: —هل كنت مع المرأة الأخرى عندما وقع الحادث؟
كريم أغمض عينيه. —نعم.
شعرت وكأن شيئًا داخلي تحطم نهائيًا.
ليس لأنه خان زوجته السابقة فقط…
بل لأنه تركني عامًا ونصف أصدق رواية ناقصة، بينما الحقيقة كانت أكبر وأقسى بكثير.
تراجعت خطوة للخلف.
ثم أخرى.
كريم وقف بسرعة. —ريم، أرجوك…
رفعت يدي أوقفه. —لا تلمسني.
صوتي كان هادئًا بشكل مخيف حتى بالنسبة لي.
—هل تعرف ما أكثر شيء مـ,ـرعب؟
نظر لي بصمت.
قلت: —أنني كنت سأوافق على الزواج منك دون أن أعرف من أنت حقًا.
دموعه نزلت أكثر. —أنا تغيرت.
لكن آدم قال بهدوء مؤلم: —لو تغير فعلًا… كان قال لك الحقيقة من البداية.
التفتُ نحو المعطف وأخذته أخيرًا.
هذه المرة لم يحاول أحد إيقافي.
وأنا ألبسه، سمعت كريم يقول بصوت مخنوق: —ريم… أنا أحبك.
وقفت للحظة عند الباب.
ثم قلت دون أن ألتفت: —ربما… لكنك لم تحترمني بما يكفي لتكون صادقًا معي.
وخرجت.
هواء القاهرة البارد ضرب وجهي بقوة، لكنني لأول مرة منذ شهور شعرت أنني أتنفس فعلًا.
نزلت السلم بسرعة وأنا أسمع صوت كريم يناديني من الداخل، لكنني لم أتوقف.
عندما وصلت للشارع، بدأت يداي ترتجفان بعنف.
ركبت أول أوبر ظهر أمامي وجلست في الخلف صامتة.
السائق سألني عن الوجهة مرتين قبل أن أستوعب.
أعطيته عنواني بصوت مبحوح، ثم أسندت رأسي للزجاج.
كل لحظة مع كريم مرت أمامي كفيلم سريع.
ضحكته. اهتمامه. طريقته وهو يناديني “ريمتي”.
ووسط كل الذكريات الجميلة… ظهرت حقيقة واحدة سوداء: الرجل الذي أحببته كان قادرًا على إخفاء أخـ,ـطر جزء من حياته بسهولة مرعبة.
وصلت البيت قرب منتصف الليل.
وأول شيء فعلته… أني بكيت.
ليس لأن علاقتنا انتهت.
بل لأنني أدركت كم يمكن أن نحب أشخاصًا… دون أن نعرفهم أبدًا.
لكن المفاجأة الحقيقية جاءت في اليوم التالي.
استيقظت على رسالة من رقم غير مسجل.
كانت بالفرنسية.
“شكرًا لأنك استمعتِ إليّ البارحة.”
آدم.
وتحت الرسالة… صورة قديمة لامرأة تبتسم وهي تحتضنه صغيرًا.
والتعليق كان: “هذه أمي… وأنتِ أول شخص شعر أن موتها لم يكن مجرد حادث عابر.”
ظللت أحدق في الصورة لوقت طويل.
المرأة كانت جميلة بشكل هادئ. شعرها الأسود مربوط بعشوائية خفيفة، وعيناها فيهما دفء غريب يشبه عيني آدم تمامًا. كانت تحتضنه وهو صغير بطريقة جعلتني أشعر بشيء يعتصر صدري.
كتبت له بعد دقائق: “أمك تبدو إنسانة رائعة.”
ظهرت علامة “يكتب…” ثم اختفت أكثر من مرة قبل أن تصلني رسالته: “كانت كذلك فعلًا.”
ثم صمت.
وضعت الهاتف جانبًا وحاولت أن أبدأ يومي بشكل طبيعي، لكن كل شيء بدا ثقيلًا. حتى إعداد القهوة جعلني أتذكر كريم. الكوب الذي اشتراه لي من معرض الكتاب، الموسيقى الفرنسية التي كان يشغلها أحيانًا في السيارة، طريقته في الضحك عندما أنطق الكلمات الفرنسية بلكنة مصرية واضحة.
كل ذكرى جميلة أصبحت مؤلمة.
حاولت إقناع نفسي أنني فعلت الصواب. وأن أي علاقة تُبنى على إخفاء حقيقة بهذا الحجم لا يمكن أن تكون آمنة.
لكن رغم ذلك… جزء مني كان موجوعًا عليه.
وهذا أكثر ما أزعجني.
مرّ يومان دون أي اتصال من كريم.
لا رسائل. لا مكالمات. لا حتى محاولة اعـ,ـتذار.
وذلك جعلني أغضب أكثر.
رجل حارب عامًا ونصف ليكسب قلبي… اختفى بهذه السهولة؟
في مساء اليوم الثالث، بينما كنت أراجع بعض الملفات على اللابتوب، رن هاتفي.
اسم كريم.
يدي تجمدت فوق الشاشة.
ظل الهاتف يرن حتى توقف.
ثم وصلت رسالة قصيرة: “أعرف أنني لا أستحق فرصة أخرى. لكن هناك شيء يجب أن تعرفيه.”
أغلقت الهاتف فورًا.
لم أكن مستعدة.
لكن بعدها بدقائق وصلتني رسالة ثانية.
ليست منه.
من آدم.
“أرجوكِ… قابليه مرة أخيرة.”
أغمضت عينيّ بتعب.
كان واضحًا أن الولد عالق بيننا بطريقة مؤلمة. يحب والده رغم غضبه منه، ويريد في الوقت نفسه أن يتوقف عن الكذب.
بعد ساعة كاملة من التردد، وافقت.
اخترت مكانًا عامًا. مقهى هادئ في الزمالك. لم أعد أشعر بالأمان الكافي لأجلس معه وحدنا في بيته.
وصلت قبله بعشر دقائق.
وعندما دخل… بالكاد تعرفت عليه.
خلال أيام قليلة فقط بدا وكأنه كبر سنوات. ذقنه غير مرتبة، وعيناه غارقتان بالإرهاق.
وقف أمام الطاولة للحظة وكأنه غير متأكد إن كان يحق له الجلوس أصلًا.
ثم قال بهدوء: —شكرًا لأنك أتيتِ.
لم أرد.
جلس ببطء، وظل صامتًا ثواني طويلة قبل أن يقول: —أنا لا أريد تبرير ما فعلته.
ضحكت بسخرية خفيفة. —جيد، لأنك لن تستطيع.
هز رأسه وكأنه يتقبل الضربة.
ثم قال: —لكن هناك شيء لم تعرفيه كاملًا.
كنت أكرهه في تلك اللحظة… وأكره أن جزءًا مني ما زال يريد أن يفهم.
قلت ببرود: —تكلم.
تنفس ببطء. —زوجتي… مريم… لم تمت بسبب الحادث فقط.
عقدت حاجبي. —ماذا يعني هذا؟
نظر إلى فنجان القهوة أمامه. —كانت تعاني من اكتئاب شديد منذ سنوات.
شعرت بانقباض في معدتي.
—وبدأنا نبتعد عن بعضنا تدريجيًا. أنا هربت بدل ما أواجه المشكلة… وخنتها. وهذا شيء سأندم عليه طول عمري.
صوته كان مكسورًا بطريقة صادقة لأول مرة.
—لكن ليلة الحادث… لم تكن مجرد مشاجرة عادية.
لم أتكلم.
—قالت لي كلامًا أخافني.
رفع عينيه نحوي أخيرًا. —قالت إنها تعبت من كل شيء.
البرودة عادت تسري في أطرافي.
—وأنا لم أفهم وقتها أنها كانت تستغيث.
الصمت تمدد بيننا.
ثم همس: —خرجت بالسيارة وهي منهارة نفسيًا… وبعد الحادث اكتشفوا أنها تناولت كمية كبيرة من المهدئات.
اتسعت عيناي بصدمة.
—آدم لا يعرف هذا.
أغمض عينيه بألم. —ولا أريده أن يعرف.
بقيت صامتة.
جزء مني غضب أكثر لأنه أخفى الحقيقة. وجزء آخر بدأ يرى الصورة بشكل أكثر تعقيدًا.
ليست قصة رجل شرير قتل زوجته بخيانته فقط.
بل قصة أشخاص محطمين… اتخذوا قرارات خاطئة… وانتهى كل شيء بشكل مأساوي.
قلت أخيرًا: —لكن هذا لا يغير أنك كذبت عليّ.
هز رأسه فورًا. —أعرف.
—وتركتني أصدق أن الحادث كان مجرد حادث عادي.
قال بصوت خافت: —لأنني كنت أخجل من نفسي.
كانت تلك أول جملة يقولها منذ عرفته وشعرت أنها حقيقية بالكامل.
ظللت أنظر إليه طويلًا.
ثم سألته: —هل تحبني فعلًا؟
رفع رأسه بسرعة وكأن السؤال فاجأه. —أكثر مما تتخيلين.
ابتسمت بحزن. —إذن لماذا لم تثق بي بالحقيقة؟
لم يجد جوابًا.
وهنا فهمت شيئًا مهمًا.
الحب وحده لا يكفي.
أحيانًا نحب الناس فعلًا… لكن خوفهم، ضعفهم، وأخطاؤهم يكونون أكبر من قدرتهم على الحب بطريقة صحيحة.
نهضت ببطء.
فوقف فورًا وكأن الرعب ضربه.
—ريم… أرجوكِ لا تمشي هكذا.
نظرت إليه بهدوء. —أنا لا أكرهك يا كريم.
بدت الصدمة على وجهه.
أكملت: —وهذا أصعب شيء.
دموعه لمعت فورًا.
—لكنني لن أستطيع أن أعيش مع شخص سأظل أتساءل كل يوم ماذا يخفي أيضًا.
حاول الكلام، لكنني رفعت يدي برفق.
—آدم كان أشجع منك. ابنك المراهق احترمني أكثر منك عندما قرر يقول الحقيقة.
انخفضت عيناه إلى الأرض.
قلت بهدوء: —أنت تحتاج أن تواجه نفسك قبل أن تحاول بناء حياة جديدة مع أي شخص.
ثم أخذت حقيبتي.
لكن قبل أن أتحرك، سألني بصوت متكسر: —هل هذه النهاية؟
وقفت للحظة.
كان بإمكاني أن أقول “نعم” وأرحل.
لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا من ذلك.
قلت بصوت هادئ: —هذه نهاية الشخص الذي كنت أظنه أنت.
ثم غادرت.
خرجت من المقهى وأنا أشعر بثقل هائل… لكنه ثقل مختلف.
ثقل الحقيقة.
مرّت الشهور بعدها ببطء.
بدأت أتعافى تدريجيًا.
عدت للقراءة. للخروج مع صديقاتي. للضحك دون شعور بالذنب.
وأحيانًا كنت أفكر في كريم… لكن دون ذلك الانهيار القديم.
أما آدم، فاستمر يراسلني من وقت لآخر.
رسائل قصيرة. صورة لقطته. نتيجة امتحان حصل فيه على درجة عالية. أغنية فرنسية يقول إنها كانت المفضلة لدى أمه.
ومع الوقت… فهمت أنه لم يكن يحتاجني كحبيبة لأبيه.
كان يحتاج شخصًا يسمعه أخيرًا.
في يوم ميلاده السادس عشر، أرسلت له كتابًا كان قد أخبرني أنه يريده.
وبعد ساعات وصلتني منه صورة للكتاب ورسالة قصيرة: “أبي بدأ يذهب إلى طبيب نفسي.”
ظللت أقرأ الرسالة أكثر من مرة.
ثم ابتسمت لأول مرة منذ زمن طويل.
بعد سنة كاملة، كنت أسير في مكتبة صغيرة بوسط البلد عندما سمعت صوتًا أعرفه خلفي.
—ريم؟
التفتّ.
كان كريم.
لكنه بدا مختلفًا.
أهدأ. أخف. وكأن شيئًا ثقيلًا انزاح أخيرًا عن روحه.
تبادلنا حديثًا قصيرًا ومتوترًا في البداية، ثم أخبرني أن علاقته بآدم أصبحت أفضل لأول مرة منذ سنوات.
—بدأ يسامحني تدريجيًا، قالها بابتسامة حزينة.
هززت رأسي بهدوء. —هذا جيد.
صمت لحظة، ثم قال: —كنت محقة.
ابتسمت بخفة. —في ماذا؟
—أنني كنت أحتاج أن أواجه نفسي قبل أن أحب أي شخص بشكل صحيح.
كانت هناك راحة غريبة في عينيه وهو يقولها.
ولأول مرة… لم أشعر بالغضب منه.
فقط بالحزن على كل ما ضاع.
قبل أن نغادر، قال لي: —شكرًا لأنك قلبتِ حياتي تلك الليلة… حتى لو كرهتِني بعدها.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت بهدوء: —أنا لم أكرهك أبدًا يا كريم… أنا فقط اكتشفت أنك إنسان مكسور أكثر مما تخيلت.
ابتسم بحزن.
وافترقنا.
هذه المرة بلا صراخ. بلا أسرار. وبلا أكاذيب.
وأنا أسير بعدها وسط زحمة القاهرة، أدركت شيئًا أخيرًا:
أحيانًا لا يدخل بعض الناس حياتنا ليبقوا فيها إلى الأبد…
بل ليكشفوا لنا حقيقة مهمة عن أنفسنا، ثم يرحلون.
تمت
