صدمة العمر حكايات اسما ×3

الفصل الثالث

 

بعد المقابلة اللي حصلت بيني وبين ياسر قدام المستشفى رجعت البيت وأنا حاسة بشعور غريب جدًا

 

مش فرحانة

 

ومش زعلانة

 

ومش حتى منتصرة

 

كنت حاسة إني أخيرًا بدأت أتحرر

 

في وقت من الأوقات كنت مستعدة أعمل أي حاجة علشان أشوفه ندمان

 

كنت مستعدة أسمعه بيعتذر ألف مرة

 

كنت مستعدة أشوفه بيبكي علشاني

 

لكن لما ده حصل فعلًا

 

اكتشفت إن قلبي سبقني بمراحل

 

اكتشفت إن الجزء اللي كان متعلق بيه مات يوم ما وقف قدامي في المستشفى وقال إنه بقى يقرف مني

 

في الليلة دي قعدت قدام المراية أبص لنفسي

 

شعري كان بدأ يطلع من جديد

 

خفيف وصغير

 

لكن موجود

 

وشي بقى أحسن

 

وعيني رجع فيهم بريق افتقدته شهور طويلة

 

ابتسمت لأول مرة لنفسي

 

مش علشان شكلي

 

لكن علشان نجوت

 

نجوت من المرض

 

ونجوت من الراجل اللي كان أسوأ من المرض

 

في الوقت ده كان ياسر عايش أيام مختلفة تمامًا

 

الجواز اللي كان فاكره حلم اتحول لكابوس

 

الست اللي ضحك علشاني معاها كانت اسمها رانيا

 

في الأول كانت بتعامله كأنه أهم راجل في الدنيا

 

كل كلمة يقولها صح

 

كل قرار ياخده عظيم

 

كل فلوس يصرفها عادية

 

لكن بعد الجواز الحقيقي الأقنعة وقعت

 

بدأ يكتشف حاجات ما كانش شايفها

 

اكتشف إنها بتحب الفلوس أكتر منه

 

واكتشف إنها كانت دايمًا تقارن بينه وبين رجالة أغنى

 

واكتشف إنها ما كانتش مستعدة تتحمل أي أزمة

 

أول ما شغله اتعرض لخسارة كبيرة بدأت المشاكل

 

كل يوم خناقة

 

كل يوم طلبات

 

كل يوم اتهامات

 

في مرة رجع البيت متأخر بعد يوم شغل مرهق

 

فلقاها قاعدة على الكنبة ومكشرة

 

سألها

 

مالك

 

قالت ببرود

 

العربية لازم تتغير

 

بصلها باستغراب

 

وقال

 

لسه جايبها من سنة

 

ردت

 

وأنا زهقت منها

 

فضل يبصلها ثواني

 

وسأل

 

بتهزري

 

قالت بمنتهى الجدية

 

لا

 

أنا متعودة على مستوى معين

 

الكلام ده فضل يلف في دماغه ساعات

 

لأنه افتكر حاجة

 

افتكر ندى

 

افتكر إني عمري ما طلبت منه عربية

 

ولا شبكة أغلى

 

ولا شنطة ماركة

 

افتكر إني كنت بفرح بوردة

 

وبفسحة بسيطة

 

وبقعدة على النيل

 

افتكر إني كنت دايمًا شايفة قيمته فيه هو

 

مش في فلوسه

 

لأول مرة بدأ يقارن

 

وكل مقارنة كانت في صالحي

 

لكن الوقت كان فات

 

بعد شهور قليلة حصلت الصدمة الأكبر

 

اكتشف بالصدفة إن رانيا بتكلمه بطريقة وبتكلم راجل تاني بطريقة تانية

 

في الأول حاول يقنع نفسه إنه شاكك زيادة

 

لكن الشك كبر

 

وفي ليلة رجع بدري من غير ما يقولها

 

دخل البيت بهدوء

 

وسمعها بتضحك جوه الأوضة

 

ضحكة مختلفة

 

ضحكة ما كانتش بتضحكها معاه

 

وقف قدام الباب يسمع

 

وساعتها سمع الجملة اللي قلبت حياته

 

قالت للشخص اللي بتكلمه

 

اصبر بس شوية

 

أخلص من الليلة دي

 

وكل حاجة هتبقى لينا

 

في اللحظة دي حس إن حد ضربه في صدره

 

فتح الباب فجأة

 

فشهقت

 

ووقفت مصدومة

 

أما هو فكان واقف بيبصلها

 

بنفس النظرة اللي بصيتله بيها يوم خانني

 

نظرة شخص اتكسر

 

بعدها عرف الحقيقة كاملة

 

رانيا كانت بتكلمه من البداية علشان فلوسه

 

وكان عندها علاقة برجل تاني من شهور

 

ولما واجهها

 

ما أنكرتش

 

بالعكس

 

ضحكت

 

ضحكة مستفزة

 

وقالت

 

متعملش فيها ضحية

 

إنت عملت نفس الحاجة مع مراتك

 

الجملة دي نزلت عليه كالرصاصة

 

لأنه لأول مرة حد حطه قدام الحقيقة كاملة

 

هو فعلًا عمل كده

 

هو فعلًا خان

 

وخان واحدة كانت بتحارب الموت

 

خرج من البيت وقتها وهو تايه

 

فضل يسوق بالعربية ساعات

 

من غير هدف

 

من غير مكان يروحه

 

وفجأة لقى نفسه واقف قدام بيت أهلي

 

نفس البيت اللي خرجت منه زمان عروسة

 

فضل باصص عليه من بعيد

 

وذكريات سنين كاملة بترجع قدامه

 

افتكر أول مرة شافني

 

وأول مرة ضحكتله

 

وأول مرة حضن إيدي

 

وافتكر يوم المرض

 

وافتكر إزاي بدأ يبعد

 

وافتكر إزاي اختار نفسه

 

وسابني لوحدي

 

لأول مرة بكى

 

بكى بجد

 

مش على رانيا

 

ولا على الجواز

 

ولا على الفلوس

 

بكى على نفسه

 

على الراجل اللي كان ممكن يحتفظ بزوجة بتحبه من قلبها

 

لكن ضيعها بإيده

 

أما أنا

 

فكنت وقتها ببدأ حياة جديدة فعلًا

 

نتائج التحاليل الأخيرة كانت ممتازة

 

والدكتور قال إن حالتي اتحسنت بشكل كبير جدًا

 

ولأول مرة من وقت طويل سمعت كلمة

 

تعافي

 

الكلمة دي خلت أمي تعيط

 

وخلت أبويا يرفع إيده للسما ويحمد ربنا

 

أما أنا

 

فدخلت أوضتي وقفلت الباب

 

وقعدت لوحدي

 

وبكيت

 

بكيت علشان كل الألم اللي فات

 

بكيت علشان اللي ضاع

 

وعلشان اللي اتكسر

 

وعلشان المعركة اللي خضتها لوحدي

 

لكن دموعي المرة دي ما كانتش دموع هزيمة

 

كانت دموع انتصار

 

وفي نفس الأسبوع حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها

 

كنت خارجة من مركز المتابعة

 

ولقيت واحد بيقولي

 

حضرتك ندى

 

بصيت له باستغراب

 

كان راجل محترم في أواخر الثلاثينات

 

شكله هادي جدًا

 

ولبسه بسيط وأنيق

 

ابتسم وقال

 

أنا آسف لو ضايقتك

 

بس أنا متابع حالتك من فترة

 

أنا أخو الدكتور سامح

 

وكان دايمًا بيحكي قد إيه حضرتك قوية

 

اتوترت شوية

 

وابتسمت مجاملة

 

لكن الغريب إنه ما بصليش بنظرة شفقة

 

ولا بصلي كمريضة

 

بصلي كإنسانة عادية

 

كست جميلة

 

كست تستحق الحياة

 

ولأول مرة من سنين

 

حسيت إن حد شايفني بالشكل ده

 

لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها

 

إن ظهور الراجل ده في حياتي

 

هيكون بداية تعويض كبير جدًا من ربنا

 

وفي نفس الوقت

 

هيكون آخر مسمار في نعش ندم ياسر

 

لأن الأيام الجاية كانت لسه مخبية له صدمة أكبر بكتير

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *