اعلن زوجي حكـايات أسمـا ×3
الفصل الخامس
ظللت أحدق في الملف وكأن الكلمات المكتوبة عليه بلغة لا أفهمها.
عادل؟
ما علاقة عادل باختفاء سامح؟
كيف يمكن لرجلين من مرحلتين مختلفتين تمامًا من حياتي أن يرتبطا ببعضهما؟
رفعت عيني نحو سامح.
كان التعب واضحًا على وجهه.
لكنني رأيت شيئًا آخر أيضًا.
الندم.
ندمًا عميقًا حمله سنوات طويلة.
قلت بصوت متحشرج:
ــ فهمني.
أخذ نفسًا عميقًا.
ثم قال:
ــ قبل أربعين سنة… كنت جاهز أتقدم لك رسميًا.
أغمضت عيني للحظة.
أتذكر ذلك جيدًا.
كنا نخطط لكل شيء.
الخطوبة.
الشقة الصغيرة.
حتى أسماء الأطفال.
ابتسم سامح بحزن.
ــ كنت فاكر إن الدنيا كلها قدامي.
ثم أشار إلى الأوراق.
ــ لحد ما أبويا دخل في أزمة مالية كبيرة.
بدأت أقرأ المستندات.
ديون.
قضايا.
إفلاس.
شعرت بالصدمة.
لم أكن أعرف شيئًا عن هذا كله.
أكمل:
ــ واحد من الناس اللي اشتغلوا مع أبويا وقتها كان…
وتوقف.
ثم قال الاسم.
ــ عادل.
اتسعت عيناي.
ــ عادل كان يعرف والدك؟
أومأ برأسه.
ــ أكتر من كده.
كان بيشتغل معاه في نفس الشركة وقتها.
شعرت بشيء بارد يسري في جسدي.
سامح أخرج صورة قديمة.
رجلان يقفان بجوار بعضهما.
أحدهما والده.
والآخر…
عادل في شبابه.
تجمدت أنفاسي.
الصورة كانت حقيقية.
بكل وضوح.
واصل سامح كلامه.
ــ لما أبويا وقع في الديون… عادل شاف فرصة.
ــ فرصة لإيه؟
أخفض رأسه.
ثم قال:
ــ فرصة إنه يقرب منك.
لم أستوعب.
ــ يعني إيه؟
فتح ملفًا آخر.
وفي داخله كانت نسخ من رسائل قديمة.
رسائل لم أرها من قبل.
لكنها كانت موجهة لي.
باسمي.
وبخط سامح.
بدأت أقرأ.
“منى… مستنيكي بكرة عند المكتبة.”
رسالة أخرى.
“لا تصدقي أي كلام يتقال عني.”
ورسالة ثالثة.
“في حد بيحاول يفرق بينا.”
ارتعشت يداي.
هذه الرسائل لم تصلني أبدًا.
ولا واحدة منها.
همست:
ــ إزاي؟
أجاب سامح:
ــ لأن عادل كان هو اللي بيوصل البريد للشركة اللي كنتي بتشتغلي فيها وقتها.
توقفت أنفاسي.
بدأت الصورة تتضح ببطء.
قال:
ــ كل رسالة كنت أبعتها كانت تختفي.
كل محاولة تواصل كانت تتمنع.
وفي نفس الوقت كان في ناس بيبلغوني إنك رفضتي تشوفيني.
بلعت ريقي بصعوبة.
ــ وأنا كانوا بيقولولي إنك سافرت وسيبتني.
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
مرعب.
أربعون سنة من سوء الفهم.
أربعون سنة من حياة كاملة بُنيت على كذبة.
ثم أخرج سامح ورقة أخيرة.
كانت إفادة مكتوبة بخط يد رجل آخر.
أحد الموظفين القدامى.
اعترف فيها قبل وفاته بعامين أنه رأى عادل يتخلص من الرسائل عمدًا.
شعرت بدوار.
كنت أقرأ السطور نفسها مرارًا.
غير قادرة على التصديق.
كل هذا حدث فعلًا؟
كل هذا بسبب رجل واحد؟
قال سامح بصوت مكسور:
ــ حاولت أوصلك سنين.
لكن بعدها مرضت أمي.
وسافرت.
والحياة أخدت كل واحد في طريق.
سكت لحظة.
ثم أكمل:
ــ ولما عرفتك اتجوزتي… قررت أختفي.
انهمرت دموعي لأول مرة.
ليس حبًا قديمًا.
بل حزنًا على العمر.
على السنوات.
على الحقيقة التي جاءت متأخرة جدًا.
نظر إلي سامح طويلًا.
ثم قال:
ــ أنا ما استدعيتكيش عشان نرجع لبعض.
ولا عشان أغير الماضي.
أنا استدعيتك عشان تموت الحقيقة وهي معروفة.
وليس مدفونة.
شعرت بغصة في حلقي.
وأمسكت يده.
لأول مرة منذ أربعين عامًا.
قلت بهدوء:
ــ شكرًا.
ابتسم.
ابتسامة صغيرة متعبة.
ثم قال:
ــ فيه حاجة كمان.
نظرت إليه باستغراب.
فتح درجًا صغيرًا بجوار سريره.
وأخرج صندوقًا خشبيًا قديمًا.
وضعه أمامي.
وقال:
ــ احتفظت بيه طول عمري.
فتحت الصندوق ببطء.
فشهقت.
في الداخل كانت كل الرسائل التي كتبتها له وأنا شابة.
كلها.
مرتبة بعناية.
ومحفوظة كأنها كُتبت بالأمس.
انفجرت بالبكاء.
أما سامح…
فنظر بعيدًا نحو النافذة.
وقال بصوت بالكاد سمعته:
ــ ما بطلتش أحب الذكريات دي يوم واحد.
خرجت من المستشفى بعد ساعات.
لكنني لم أعد المرأة نفسها التي دخلتها.
كنت أحمل حقيقة ثقيلة.
وحملًا أخف في الوقت نفسه.
لأنني أخيرًا عرفت.
لكن المفاجأة الكبرى كانت بانتظاري في القاهرة.
فبعد يومين فقط…
وصلني اتصال من محامي عادل.
اتصال جعل الدم يتجمد في عروقي.
لأن عادل لم ينكر أي شيء.
بل طلب مقابلتي فورًا.
وقال للمحامي إنه يريد الاعتراف بأمر أخطر بكثير من الرسائل.
أمر لم يعرفه أحد طوال أربعين عامًا.
أمر قد يغير تاريخ عائلتي بالكامل.
الفصل السادس
لم أنم تلك الليلة.
كلمات المحامي كانت تدور في رأسي بلا توقف.
“الأستاذ عادل يريد مقابلتك فورًا.”
“هناك أمر مهم يجب أن تعرفيه.”
“وهو مستعد لتقديم كل ما يثبت كلامه.”
بعد كل ما اكتشفته…
لم أعد أعرف ماذا يمكن أن يكون أسوأ.
ماذا يمكن أن يخبئ رجل قضى أربعين عامًا يبني حياته على الأكاذيب؟
في صباح اليوم التالي ذهبت إلى مكتب المحامي.
كان في أحد الأبراج القديمة بوسط القاهرة.
صعدت المصعد وأنا أشعر بثقل في صدري.
وعندما دخلت غرفة الاجتماعات…
وجدت عادل جالسًا وحده.
لأول مرة منذ عرفته…
بدا مكسورًا.
لم يكن هناك غضب.
ولا تكبر.
ولا حتى محاولة للدفاع عن نفسه.
كان فقط رجلًا هرمًا يجلس أمام أخطائه.
رفع عينيه نحوي.
وقال:
ــ شكرًا إنك جيتي.
لم أرد.
جلست في المقعد المقابل.
ثم قلت:
ــ عندك عشر دقايق.
أومأ برأسه.
وكأنه يستحق أقل من ذلك.
ظل صامتًا للحظات.
ثم أخرج ملفًا أسود من حقيبته.
ودفعه نحوي.
ــ افتحيه.
فتحت الملف.
وفي الصفحة الأولى وجدت شهادة ميلاد.
نظرت إليها باستغراب.
ثم قرأت الاسم.
وتوقفت أنفاسي.
كان اسم شخص أعرفه جيدًا.
شخص أحبه أكثر من أي شيء في الدنيا.
هبة.
ابنتي.
أو هكذا كنت أعتقد.
ارتجفت يدي.
وأعدت قراءة الورقة مرة أخرى.
ثم ثالثة.
ثم رابعة.
لكن الكلمات لم تتغير.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت إلى عادل.
همست:
ــ إيه ده؟
أغمض عينيه.
ثم قال:
ــ الحقيقة.
شعرت بأنفاسي تختنق.
ــ اتكلم.
بلل شفتيه الجافتين.
وقال:
ــ قبل ما نتجوز بسنة… سامح رجع.
تجمدت في مكاني.
ــ إيه؟
ــ رجع يحاول يوصلك.
ضربات قلبي أصبحت مسموعة داخل أذني.
ــ وبعدها؟
خفض رأسه.
ــ حصل بينا خناقة.
صمت.
ثم أكمل بصوت مبحوح:
ــ خناقة كبيرة.
ــ وبعدين؟
ــ عمل حادثة.
تجمد الدم في عروقي.
ــ حادثة؟
ــ أيوة.
ــ بسببك؟
أجهش بالبكاء لأول مرة.
بكاء حقيقي.
وقال:
ــ لا.
ــ الحقيقة لا.
لكنني كنت السبب بطريقة غير مباشرة.
ظللت أنظر إليه.
غير قادرة على الفهم.
أكمل:
ــ سامح ما ماتش وقتها.
لكن أصيب إصابة خطيرة.
وسافر بعدها للعلاج.
ثم أخرج ورقة أخرى.
تقرير طبي قديم.
مؤرخ منذ أكثر من أربعين عامًا.
وفيه معلومة واحدة.
معلومة قلبت عالمي بالكامل.
قرأتها مرة.
ثم مرتين.
ثم شعرت أن الغرفة تدور حولي.
التقرير كان يؤكد أن سامح…
كان والد هبة البيولوجي.
شهقت.
وسقطت الورقة من يدي.
ــ مستحيل.
قال عادل وهو يبكي:
ــ كنت عارف.
ــ من أول يوم.
ــ من قبل الجواز.
ــ ومن قبل ما تتولد.
تراجعت في مقعدي.
كأن أحدهم سحب الهواء من الغرفة.
كل السنوات.
كل الذكريات.
كل ما ظننته حقيقة.
بدأ يتصدع.
همست:
ــ يعني إيه؟
أجاب:
ــ قبل سفره بأيام… كنتوا لسه مرتبطين.
وأنتِ ما كنتيش تعرفي إنك حامل.
انهمرت دموعي.
لم أستطع منعها.
أربعون عامًا.
أربعون عامًا كاملة.
وأنا لا أعرف.
قال عادل:
ــ لما اكتشفت الأمر كنت أقدر أمشي.
لكنني ما عملتش كده.
رفعت رأسي إليه.
وأنا أرتجف.
فأكمل:
ــ قررت أتجوزك.
وأربيها كبنتي.
مهما حصل.
ساد الصمت.
طويلًا.
مؤلمًا.
لا أعرف ماذا أشعر.
الغضب؟
الصدمة؟
الحزن؟
الامتنان؟
الخيانة؟
كلها اجتمعت داخلي دفعة واحدة.
ثم قال عادل:
ــ أنا كدبت.
وأذيت ناس كتير.
ودمرت حياة ناس.
لكن فيه حاجة واحدة عمرى ما كذبت فيها.
حبي لهبة.
أغمضت عيني.
لأنني كنت أعرف أنه صادق في هذه النقطة.
مهما كانت أخطاؤه.
كان يحبها فعلًا.
ربيها.
حملها.
سهر عليها.
فرح لنجاحها.
بكى لمرضها.
وكان أبوها بكل معنى الكلمة.
حتى لو لم يكن والدها بيولوجيًا.
مرت دقائق طويلة دون أن يتكلم أحد.
ثم دفعت الملف نحوه.
وقفت.
وتوجهت نحو الباب.
ناداني:
ــ منى.
توقفت.
لكني لم ألتفت.
وقال بصوت مكسور:
ــ سامح ما يعرفش.
تجمدت في مكاني.
وأضاف:
ــ طول عمره فاكر إنه خسر كل حاجة.
وما يعرفش إن أغلى حاجة في حياته كانت موجودة طول الوقت.
أغمضت عيني.
وشعرت بدموعي تنزل مجددًا.
ثم خرجت.
وتركت خلفي رجلًا تحطم أخيرًا تحت وزن أسراره.
لكن وأنا أنزل درجات المبنى…
رن هاتفي.
كان رقمًا غريبًا.
رددت.
وجاءني صوت طبيب من الإسكندرية.
صوت جاد.
متوتر.
وقال:
ــ أستاذة منى؟
ــ أيوة.
ــ لازم تيجي حالًا.
قلبي انقبض.
ــ ليه؟
ساد الصمت ثانيتين.
ثم قال:
ــ الأستاذ سامح دخل غرفة العمليات من ساعة.
والأطباء اكتشفوا حاجة مهمة جدًا لازم تعرفيها فورًا.
أمسكت الدرابزين بقوة.
وسألت بصوت مرتجف:
ــ إيه هي؟
لكن الجواب الذي سمعته بعدها…
جعل العالم يتوقف مرة أخرى.
يتبع