دهاء انثي حكـايـات أسمـا ×2

بعد ما حسام خرج من البيت في الليلة دي فضلت قاعدة على الأرض وقت طويل أسمع صوت الساعة القديمة اللي في الصالة وأبص حواليا كأنني بشوف المكان لأول مرة البيت نفسه كان مختلف بشكل غريب كأنه أخيرًا رجع ليا بعد سنين كنت مجرد ضيفة فيه
قمت بعدها بساعات ومسحت دموعي وغسلت وشي وبصيت لنفسي في المراية
وش متعب
عيون حمراء
لكن لأول مرة من زمان حسيت إن الست اللي قدامي مش مكسورة
مرهقة آه
موجوعة أكيد
بس مش مكسورة
الصبح صحيت بدري جدًا رغم إني ما نمتش غير ساعتين
عملت قهوة وقعدت في البلكونة الصغيرة أبص على الشارع والناس اللي نازلة لشغلها وعربيات الميكروباص وصوت البياعين
الحياة كانت ماشية عادي جدًا رغم إن عالمي كله كان واقع
وده أكتر شيء كان مستفز
إزاي الدنيا بتكمل كأن ولا حاجة حصلت؟
رن موبايلي فجأة
أمي
أول ما رديت قالت بقلق
مالك يا سعاد؟ صوتك وحش
حاولت أتماسك لكن صوتي خانني
أنا كويسة يا ماما
سكتت لحظة وبعدين قالت
هو حسام عمل حاجة؟
هنا بس حسيت إن قلبي وجعني بجد
حتى أمي كانت حاسة
كل الناس كانت شايفة تعبي إلا أنا
قلت بهدوء
أنا هطلق يا ماما
سكتت ثواني طويلة لدرجة إني افتكرتها قفلت الخط
وبعدين سمعتها بتعيط
قالت بصوت مكسور
أنا كنت مستنية اليوم ده من زمان
اتجمدت مكاني
قمت من الكرسي بصدمة
يعني إيه؟
تنهدت أمي بتعب
يا بنتي الراجل ده عمره ما حبك صح… كان دايمًا شايفك أقل منه عشان إنتِ طيبة زيادة
قعدت ببطء وأنا حاسة إن الأرض بتهتز تحتي
حتى أمي كانت شايفة وأنا الوحيدة اللي كنت بحارب علشان أحافظ على جوازة ميتة
بعد المكالمة دي بدأت أشوف حاجات كتير كنت بتجاهلها
إزاي حسام عمره ما شكرني على أي حاجة
إزاي كان دايمًا يقلل من شغلي في البيت
إزاي كان بيصرف ببذخ على نفسه بينما يحاسبني على كل جنيه
إزاي كنت بستأذنه حتى لو هشتري لنفسي بيجامة جديدة
كنت عايشة كأني موظفة عنده مش زوجته
بعد يومين رجع البيت
فتح الباب بمفتاحه القديم ودخل كأنه لسه صاحب المكان
لقيته واقف في الصالة باصص حوالينه بتوتر
قلت بهدوء
إنت نسيت إنك مشيت؟
قال وهو بيتجنب عيني
جيت آخد باقي هدومي
هززت راسي
اتفضل
دخل الأوضة وأنا واقفة مكاني
ولما خرج بعد شوية كان شايل شنطة كبيرة لكن قبل ما يمشي وقف فجأة وقال
إنتِ قولتي لأهلك؟
قلت ببرود
آه
شد فكه بعصبية
وإيه قالوا؟
ضحكت بسخرية
ما تقلقش… محدش اتفاجئ
الكلمة ضربته فعلًا
واضح إن جزء منه كان فاكر إن الناس هتلومني أنا
قال بعد صمت
يعني خلاص؟ بسهولة كده؟
بصيتله باستغراب
إنت كنت عايزني أتشحتف عليك مثلًا؟
قرب خطوة وقال
أنا غلطت آه… بس كل الرجالة بتغلط
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة قرف
وكل الستات المفروض تسكت يعني؟
سكت وهو باصصلي بغضب
فأكملت
إنت مش زعلان عشان خسرتني… إنت زعلان عشان فقدت واحدة كانت شايلة عنك كل حاجة
خرج بعدها وهو مخنوق
وأنا قفلت الباب وراه بإحساس غريب من الانتصار والوجع مع بعض
بعد أسبوع بدأت إجراءات الطلاق رسمي
وفي المحكمة حسام كان عامل دور الضحية بطريقة مثيرة للشفقة
قاعد مطأطئ راسه قدام الناس كأنه الراجل المكسور اللي مراته ظلمته
لكن أول ما القاضي شاف ورق الجواز العرفي وتقارير التحويلات البنكية اتغير كل شيء
وش حسام اصفر حرفيًا
وفي الاستراحة بين الجلسات قرب مني وقال بصوت واطي
إنتِ ليه مصممة تفضحيني؟
بصيتله بهدوء
أنا ما فضحتكش يا حسام… إنت اللي فضحت نفسك
بعد الجلسة بدأت المشاكل الحقيقية
أهله اتقلبوا عليا
أمه اتصلت بيا تصرخ وتعيط وتقول إني خربت بيت ابنها
ضحكت وقتها لأول مرة من قلبي
بيت ابنها؟
هو كان فيه بيت أصلًا؟
قلت لها بهدوء
ابنك كان متجوز عليا عرفي يا طنط
سكتت لحظة وبعدين قالت الجملة اللي عمري ما هنساها
ما الرجالة بتعمل كده عادي
قفلت السكة في وشها فورًا
في اللحظة دي فهمت حسام طلع شبه مين
لكن الغريب إن فيه ناس تانية وقفت جنبي بشكل ما توقعتهوش
جارتنا أم محمد مثلًا خبطت عليا يوم وجابتلي أكل بإيديها وقالت
إوعى ترجعي له يا بنتي… الراجل اللي يكسر مراته مرة هيكسرها ألف
وقتها حضنتها وعيطت لأول مرة قدام حد
بعد شهر تقريبًا خلص الطلاق رسمي
وقفت قدام المحكمة وأنا ماسكة الورقة بإيدي وحاسة إني تايهة
مطلقة
الكلمة نفسها كانت تخوفني زمان
كنت فاكرة إنها نهاية الست
لكن وأنا واقفة هناك حسيت إنها بداية حاجة جديدة
رجعت البيت القديم للمرة الأخيرة علشان آخد باقي حاجتي
كان فاضي بشكل حزين
ريحة حسام لسه موجودة في الأوضة
الكنبة اللي كنا بنتخانق عليها
المطبخ اللي وقفت فيه بالساعات
حتى الجوانتي الأصفر كان لسه متعلق جنب الحوض
بصيتله شوية وبعدين ضحكت وسط دموعي
كل الحكاية بدأت من الجوانتي ده
وأنا بلم حاجتي لقيت ألبوم صور قديم
فتحت أول صفحة وشفت صور فرحنا
كنت صغيرة أوي
وعيني فيها حب حقيقي
أما حسام فكان باصص للكاميرا مش ليا
الغريبة إني لأول مرة أخد بالي
في كل الصور أنا اللي كنت باصة له
أما هو عمره ما بصلي بنفس الطريقة
قفلت الألبوم بسرعة كأن الصور بتوجع
وفي اللحظة دي دخل حسام فجأة
واضح إنه كان فاكر البيت فاضي
أول ما شافني وقف متوتر
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
قلت بهدوء
باخد حاجتي
فضل باصصلي ثواني طويلة قبل ما يقول
سعاد… ممكن نتكلم؟
تنهدت بتعب
قول
قرب ببطء وقال
أنا عارف إني ضيعتك
سكت
ثم أكمل بصوت مكسور
بس والله ما كنت متخيل إنك تمشي فعلًا
ضحكت بمرارة
وده كان مشكلتك يا حسام… كنت فاكر إني هفضل موجودة مهما عملت
نزل عينيه للأرض وقال
أنا اتعودت عليك
الكلمة دي وجعتني أكتر من الخيانة نفسها
اتعودت عليا
مش حبني
ولا خاف يخسرني
مجرد اتعود
قلت بهدوء
وأنا تعبت إني أكون مجرد عادة
ولما خرجت من البيت المرة دي ما بصتش ورايا
بعدها بفترة صغيرة بدأت شغلي يكبر
شركة الترجمة اللي كنت بشتغل معاها عرضوا عليا عقد ثابت
ولأول مرة في حياتي بقي عندي حساب بنكي باسمي أنا وبس
الإحساس كان غريب
كل جنيه بكسبه كان بيرجعلي حتة من نفسي
بدأت أتعلم حاجات جديدة
أخرج لوحدي
أروح كافيهات
أشتري هدوم من غير ما أخاف حد يقولي “ليه كل ده؟”
حتى أكلي بقى أحسن
زمان كنت دايمًا أجيب اللي حسام بيحبه
دلوقتي بقيت أطبخ اللي أنا نفسي فيه
الحاجات الصغيرة دي كانت بتداوي حاجة كبيرة جوايا
وفي يوم وأنا راجعة من الشغل قابلت بالصدفة الست اللي كان متجوزها عرفي
عرفتها فورًا من الصور
كانت واقفة قدام صيدلية ووشها متوتر
أول ما شافتني اتجمدت
قربت منها بهدوء
كانت أصغر مني بكتير فعلًا
بنت في أول العشرينات تقريبًا
قالت بسرعة وهي مرتبكة
والله أنا ماكنتش أعرف إنه متجوز في الأول
بصيتلها شوية
ثم قلت
وبعدين عرفتي
سكتت وعينيها دمعت
قالت بصوت واطي
سابني هو كمان
ضحكت ضحكة حزينة
طبعًا
هزت راسها وهي بتبكي
كان بيقولي إنك معقدة وإنك مش مهتمة بيه
ابتسمت بسخرية
وكان بيقولك أكيد إنك مختلفة عني
بصتلي بصدمة
فعرفت إني خمنت صح
كل الخونة بيقولوا نفس الكلام
سيبتها ومشيت وأنا حاسة بشفقة غريبة
البنت دي كانت ضحية زيه زيي بس بطريقة مختلفة
أما حسام فبدأت أخباره توصلني من الناس
خسر شغله
دخل في ديون
بقى يتخانق مع أهله طول الوقت
حتى صحابه بعدوا عنه
وفي مرة شفته بالصدفة في السوبرماركت
كان واقف في الطابور لوحده ومرهق جدًا
أول ما شافني اتوتر
أما أنا فابتسمت بهدوء وكملت تسوق عادي
لكنه جري ورايا
قال بسرعة
سعاد استني
لفيتله بهدوء
خير؟
فضل يبصلي كأنه بيدور على الست القديمة اللي كان يعرف يتحكم فيها
ثم قال
إنتِ شكلك اتغير
ابتسمت
آه
قال بصوت متردد
شكلك مبسوطة
الكلمة نفسها كانت صدمة ليه
كأنه مستغرب إزاي أقدر أعيش من غيره
قلت بهدوء
علشان لأول مرة من سنين مرتاحة
اتوجع وشه فعلًا
وقال بسرعة
يعني نسيتيني؟
ضحكت بخفة
النسيان بيحتاج إن الواحد يكون فاكر حاجة حلوة
سابني ومشي بعدها وهو مكسور
ولأول مرة ما حسيتش بأي ذنب
في الماضي كنت دايمًا أشيل مسؤولية مشاعر الناس حتى لو هم اللي أذوني
دلوقتي اتعلمت إن كل واحد يشيل نتيجة أفعاله
مرت سنة كاملة بعدها
وفي عيد ميلادي التلاتين كنت قاعدة لوحدي في شقتي الصغيرة الجديدة
مش عاملة حفلة
ولا مستنية حد
لكنني كنت سعيدة بشكل هادي ونظيف
طلبت أكل بحبه وشغلت فيلم قديم وجبت لنفسي تورتة صغيرة
وأنا بولع الشمعة الوحيدة حسيت فجأة إني فخورة بنفسي
فخورة إني نجيت
إنسانة كتير كانوا هيشوفوها ضعيفة وساذجة لكنها في الحقيقة كانت أقوى مما تتخيل
رن جرس الباب فجأة
استغربت لأني ماكنتش مستنية حد
فتحت الباب لقيت بوكيه ورد بسيط ومعاه كارت صغير
فتحت الكارت بحذر
وكان مكتوب بخط واضح
“للست اللي عرفت قيمتها أخيرًا”
من غير اسم
لكنني ابتسمت
لأن الرسالة نفسها كانت كفاية
دخلت وقفلت الباب وقعدت في نص الصالة أبص حواليا
شقتي الصغيرة
الهدوء
ريحة القهوة
الحرية
وأخيرًا فهمت حاجة مهمة جدًا
حسام ماكسرنيش
هو بس كشفلي قد إيه كنت بكسر نفسي وأنا بحاول أرضي حد عمره ما هيشوف قيمتي
وفي تلك الليلة نمت مرتاحة لأول مرة من سنين
ومن وقتها كل ما أبص للجوانتي الأصفر اللي احتفظت بيه في درج المطبخ أضحك
لأنه بقى ذكرى لليوم اللي بطلت فيه أكون خدامة في حياة حد تاني
وبدأت أخيرًا أعيش حياتي أنا.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *