عودة مغترب حكـايـات أسمـا ×3
قبل ما يقفل بث الكاميرات، سيف حس إن قلبه وقف.
قلب بين الكاميرات واحدة واحدة.
الجنينة.
المطبخ.
الممرات.
غرفة المعيشة.
غرفة الألعاب.
ولا أثر لملك.
ضغط بسرعة على زر الاتصال بالحارس.
رد الحارس وهو بيجري.
“يا فندم!”
صرخ سيف:
“البنت فين؟!”
الحارس بص حواليه بتوتر.
“كانت من دقيقتين بتلعب في الجنينة.”
“دور عليها حالًا!”
في نفس اللحظة…
ظهرت سارة على الشاشة وهي خارجة تجري.
وشها كله خوف.
“ملك!… يا ملك!”
سيف رمى كل حاجة من إيده وجري ناحية العربية.
الضابط لحقه.
“في إيه؟”
“ملك اختفت.”
انطلقت العربيتان بأقصى سرعة.
…
بعد عشرين دقيقة…
وصل سيف الفيلا.
كانت الشرطة قفلت المكان بالكامل.
الكل بيدور.
الكلاب البوليسية.
رجال الأمن.
حتى الطيارات المسيرة الصغيرة بدأت تمسح المنطقة.
سيف دخل وهو بينهج.
مسك سارة من كتفيها.
“إيه اللي حصل؟”
كانت بتبكي.
“كنت بكلم الحارس دقيقة واحدة.”
“لفيت… ملقتهاش.”
ملك ماكانتش بتبعد عن أمها أبدًا.
وده اللي خلّى سيف يحس إن الموضوع مدبر.
أحد الضباط قرب منهم.
“لقينا حاجة.”
جروا كلهم ناحية سور الجنينة الخلفي.
كان فيه شريط وردي صغير متعلق في مسمار.
سارة أول ما شافته صرخت.
“ده بتاع شعر ملك.”
سيف نزعه بإيده.
وبص على الأرض.
آثار أقدام صغيرة.
وبجانبها…
آثار جزمة رجل.
لكن الغريب…
إن الآثار بتنتهي فجأة عند الطريق.
كأن العربية كانت مستنية في نفس المكان.
الخبير الجنائي ركع على الأرض.
وقال:
“لا.”
“في حاجة مش مظبوطة.”
سيف بص له.
“إيه؟”
الخبير أشار ناحية التراب.
“بص هنا.”
كان فيه آثار أقدام تانية…
أقدام طفلة.
لكنها ماشية بإرادتها.
مفيش أي علامات مقاومة.
ولا جر.
ولا خبط.
سيف عقد حاجبيه.
“يعني إيه؟”
رد الخبير:
“يعني البنت كانت ماشية مع الشخص ده وهي مطمنة.”
الكلمة وقعت على سارة كالصاعقة.
“مستحيل… ملك متعرفش حد.”
لكن سيف سكت.
لأن في عقله سؤال مرعب…
لو ملك مشت معاه من غير خوف… يبقى الشخص ده كانت تعرفه.
في اللحظة دي…
واحد من الضباط جري وهو ماسك جهاز لوحي.
“يا فندم… الكاميرا اللي عند البوابة رجعنا تسجيلها.”
الكل اتجمع.
الفيديو بدأ يشتغل.
ظهر راجل لابس كاب ونظارة شمس.
وشه مش باين.
وقف قدام البوابة.
ملك أول ما شافته…
جريت ناحيته بنفسها.
وسمعوها بوضوح وهي بتقول:
“أنت رجعت؟”
الراجل انحنى قدامها.
وقال جملة واحدة…
لكن الكاميرا كانت بعيدة، فالصوت ماوصلش.
بعدها…
ملك مسكت إيده بابتسامة.
وركبت معاه العربية من غير أي مقاومة.
سارة انهارت على الأرض.
أما سيف…
فأدرك أن اللي أخذ بنته مش غريب.
ده شخص عرف إزاي يكسب ثقتها…
من قبل ما يقابلها أصلاً.
وفجأة…
صدر صوت رسالة جديدة على هاتف سيف.
رقم مجهول.
فتحها.
كانت صورة حديثة لملك.
قاعدة على كرسي، وبتضحك، وفي إيديها كوب عصير.
وتحت الصورة سطر واحد فقط:
“اطمن… لسه عندي وعد قديم لازم أوفيه لأبوها.”
سيف بص للصورة أكثر من مرة…
ثم اتجمد مكانه.
لأنه لاحظ شيئًا صغيرًا في خلفية الصورة…
شيئًا يعرفه جيدًا…
مكانًا لم يدخله أحد منذ وفاة والده.
قبل ما أي حد يتكلم…
سيف كبر الصورة بإيده.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
وفجأة وقف.
الضابط سأله:
“عرفت المكان؟”
سيف هز راسه ببطء.
وقال وهو باصص للصورة:
“دي مش أي حيطة…”
“دي الحيطة اللي كانت في إسطبل مزرعة أبويا القديمة.”
الضابط اتفاجئ.
“المزرعة اللي اتباعت من عشر سنين؟”
رد سيف:
“على الورق بس.”
“أبويا كان محتفظ بجزء صغير منها… محدش يعرف عنه غير أفراد العيلة.”
أحد الضباط فتح ملف الأملاك بسرعة.
وبعد دقائق قال:
“غريبة…”
“المزرعة لسه باسم شركة قديمة اتصفّت من سنين.”
سيف ابتسم ابتسامة باهتة.
“يعني اللي خاطف ملك يعرف أسرار محدش يعرفها.”
…
بعد أقل من نصف ساعة…
وصلت قوة كبيرة للمزرعة.
الليل كان بدأ ينزل.
والهدوء في المكان كان مرعب.
البوابة الحديد كانت مقفولة بسلسلة قديمة.
كسرها الأمن.
ودخلوا بحذر.
المزرعة كانت مهجورة.
زرع ناشف.
عنابر فاضية.
وبيت صغير في آخر الأرض.
سيف وقف فجأة.
شم ريحة دخان خفيف.
همس:
“في حد هنا.”
قوة الأمن انتشرت.
اتنين من الضباط دخلوا البيت.
لكن لقوه فاضي.
لسه الشاي دافي.
وفيه طبق أكل نصه متاكل.
يعني اللي كان هنا…
ساب المكان من دقائق.
في أوضة صغيرة آخر الممر…
لقى سيف لعبة.
دبدوب أبيض.
عرفه فورًا.
كان الدبدوب اللي اشتراه لملك يوم عيد ميلادها الأول.
شاله بإيده.
وقتها سمع صوت رفيع جدًا.
“بابا…”
قلبه وقف.
جرى ناحية الصوت.
كان جاي من تحت الأرض.
رفع السجادة القديمة.
لقى باب خشبي صغير.
فتحوه بسرعة.
نزل سيف السلم وهو بينهج.
وصل لقبو واسع.
الأنوار كانت شغالة.
لكن…
ملك ماكنتش موجودة.
كان فيه ترابيزة في النص.
وعليها علبة هدايا مربوطة بشريط أحمر.
الضابط قال:
“استنى… ممكن تكون مفخخة.”
فحصها خبير المفرقعات.
وبعد دقائق قال:
“آمنة.”
فتحها سيف بنفسه.
كان جواها…
فستان وردي صغير.
هو نفس الفستان اللي كانت ملك لابساه وهي عندها خمس سنين.
ومعاه ظرف.
فتح الظرف بسرعة.
كانت الرسالة مكتوبة بخط أنيق:
“أنت قربت يا سيف… لكنك لسه بتجري ورا الماضي. لو عايز تشوف بنتك، لازم الأول تعرف الحقيقة اللي أبوك دفنها بنفسه.”
وتحت الرسالة…
خريطة مرسومة بإيد.
وفي آخرها علامة (✖).
وسطر أخير:
“تعال لوحدك… لأن الحقيقة دي هتق*تل أي حد يسمعها.”
سيف رفع عينيه ناحية الضابط.
قال الضابط بحزم:
“ممنوع تروح لوحدك.”
لكن سيف كان باصص للخريطة في صمت.
لأنه لاحظ إن علامة (✖) مش في أي مكان…
كانت فوق المقبرة العائلية القديمة للمنصوري.
والمكان ده…
محدش دخله من يوم دفن والده.
وقف سيف قدام باب المقبرة العائلية.
المكان كان غارق في الظلام.
الأشجار العالية بتتحرك مع الهوا، وصوت احتكاك فروعها ببعض كان كأنه همسات ناس مدفونة تحت الأرض.
الضابط حط إيده على كتف سيف.
“إحنا هندخل معاك.”
سيف هز راسه.
“لو اللي باعت الرسائل بيراقبنا، أول ما يشوف الشرطة هيختفي.”
“وده فخ.”
“عارف.”
“وبرضه هتدخل؟”
سيف بص ناحية قبر أبوه وقال:
“أنا دخلت الفخ من تلات سنين لما صدقت الكدب… النهارده لازم أعرف الحقيقة.”
اقترب من البوابة الحديد.
كانت مقفولة بقفل قديم.
لكن أول ما لمسها…
الباب اتفتح لوحده بصوت صرير طويل.
اتبادل الضباط النظرات.
أحدهم همس:
“حد كان هنا من وقت قريب.”
دخلوا بحذر.
المقبرة كانت فيها عشرات الشواهد الرخام.
في النص…
ضريح كبير باسم:
الحاج منصور المنصوري.
سيف وقف قدامه.
افتكر آخر مرة وقف هنا.
كان يوم دفن أبوه.
ويومها…
شريف هو اللي أصر إن الكل يمشي بسرعة بعد الدفن.
وقتها ما استغربش.
دلوقتي…
بدأ يشك في كل تفصيلة.
أخرج الخريطة من جيبه.
بص عليها.
علامة (✖) كانت ورا الضريح.
لف ناحية الخلف.
لقى تمثال ملاك رخامي قديم.
وتحته حجر مختلف عن باقي الأرض.
ركع على ركبته.
خبط عليه.
طلع صوت أجوف.
الضابط قرب بسرعة.
“في فراغ تحته.”
جابوا معدات صغيرة.
وبدأوا يرفعوا الحجر.
بعد دقائق…
ظهر صندوق حديدي مدفون تحت الأرض.
كان عليه شعار قديم لمجموعة المنصوري.
وسنة…
1998.
سيف فتحه بالمفتاح الصغير اللي كان في خزنة والده.
القفل فتح بسهولة.
لكن أول ما رفع الغطا…
اتجمد.
الصندوق ماكانش مليان فلوس.
كان مليان شرائط كاسيت قديمة.
ودفاتر.
وعقود.
وفي النص…
مظروف كبير مكتوب عليه:
“يفتح بواسطة سيف فقط.”
إيده كانت بتترعش.
فتح الظرف.
وقع منه خطاب.
وصورة.
الصورة كانت لوالده…
واقف جنب راجل عرفه سيف فورًا.
فؤاد السيوفي.
لكن المفاجأة…
كان معاهم طفل صغير.
سيف قرب الصورة من وشه.
الطفل كان في حدود خمس سنين.
ملامحه…
شبه شريف.
لكن لما بص أكتر…
حس إن ملامحه أقرب…
ليه هو.
قلب الصورة.
وكان مكتوب وراها:
“أول يوم اجتمع فيه الأخوان.”
عقد سيف حاجبيه.
“الأخوان؟”
فتح الخطاب بسرعة.
كان بخط والده.
«”يا ابني…
لو وصلت للرسالة دي، يبقى الحقيقة بقت أخطر من إنها تفضل مستخبية.
أنا ارتكبت أكبر غلطة في حياتي يوم وافقت أخفي سر ميلادك.
والسر ده هو السبب الحقيقي في كل اللي حصل بعد كده.”»
سيف حس إن أنفاسه بتضيق.
وكمل القراءة.
«”إنت وشريف… مش إخوات أشقاء.”»
وقع الخطاب من إيده.
الضابط انحنى يجيبه.
لكن سيف منعه.
“سيبه.”
ركع على الأرض.
وحاول يستوعب.
“يعني… إيه؟”
رجع مسك الورقة.
«”أمك نوال تزوجتني وهي حامل.
وأنا وافقت أربيك باسمي.
لكن والدك الحقيقي…
هو فؤاد السيوفي.”»
الهواء اختفى من صدر سيف.
حس إن الأرض بتميل بيه.
كل حياته…
كل اسمه…
كل ذكرياته…
بدأ يشك فيها.
لكن قبل ما يكمل آخر سطر…
انطفأت أنوار المقبرة كلها.
وسمعوا صوت تصفيق بطيء جاي من وسط الضلمة.
تصفيقة…
وراها تصفيقة.
ثم خرج صوت رجل هادئ يقول:
“مبروك يا سيف… أخيرًا عرفت نص الحقيقة.”
الضباط رفعوا أسلحتهم فورًا.
لكن الصوت كمل وهو بيضحك:
“أما النص التاني… فهو السبب الحقيقي اللي خلاني آخد ملك.”
وفجأة…
اشتغلت شاشة عرض صغيرة كانت متثبتة فوق سور المقبرة.
وظهرت عليها ملك.
كانت قاعدة على كرسي، سليمة، لكنها قالت وهي باصة للكاميرا:
“بابا… قالولي متخفش… وإنك لازم تسمع كل اللي هيقولوه.”
وساعتها…
ظهر خلفها وجه الرجل الغامض لأول مرة…
لكن قبل ما الكاميرا توضح ملامحه بالكامل…
انقطع البث، وعادت الشاشة سوداء.
الشاشة اسودّت.
وساد صمت مرعب في المقبرة.
سيف جري ناحية جهاز العرض.
لكن أول ما وصل…
لقاه متوصل ببطارية صغيرة وجهاز إرسال حديث.
الراجل اللي كان بيبث الفيديو كان قافله عن بُعد.
الضابط فك الجهاز بسرعة.
“لسه دافي.”
يعني اللي ركبه…
كان موجود من دقائق.
سيف رفع رأسه بسرعة.
“اقفلوا كل مخارج المقبرة.”
رجال الأمن انتشروا.
فتشوا كل ركن.
لكن مفيش حد.
رجع سيف للرسالة اللي كانت في إيده.
قرأ السطور الأخيرة لأول مرة.
«”يا سيف…
لو حد وصلك للرسالة دي، يبقى معناه إن الماضي رجع يطارد العيلة.
متصدقش أي تسجيل.
ومتصدقش أي اعتراف.
لأن الحقيقة موجودة في الدفتر الأسود.”»
اتسعت عينه.
“دفتر أسود؟”
قلب الصندوق كله.
ملقاش أي دفتر.
بس لقى مكان فاضي على مقاس كتاب كبير.
يعني…
الدفتر كان موجود.
وحد أخده.
الضابط قرب منه.
“واضح إن اللي سبقنا هنا كان جاي مخصوص علشانه.”
وفجأة…
أحد العساكر نادى من برة.
“يا فندم… لقينا آثار عربية جديدة.”
خرجوا بسرعة.
آثار الكاوتش كانت واضحة في الطين.
لكن اللي لفت نظر سيف…
إن العربية استخدمت نوع كاوتش خاص بالعربيات المصفحة.
نفس النوع اللي شركته بتستورده.
قال الضابط:
“يعني حد من جوه الشركة.”
سيف سكت.
ثم قال:
“هاتولي كشف بكل العربيات اللي خرجت من الجراج المركزي النهارده.”
…
بعد ساعتين…
كان سيف في مكتبه الجديد.
المدير الإداري دخل ومعاه الكشف.
“يا فندم… كل العربيات موجودة.”
سيف قلب الصفحات.
وقف عند عربية واحدة.
رقمها موجود…
لكن جهاز التتبع بتاعها اتقفل لمدة ساعتين.
سأل المدير:
“مين مسؤول عنها؟”
رد بتوتر:
“مدير الأمن… الكابتن حازم.”
سيف عقد حاجبيه.
حازم شغال معاه بقاله تسع سنين.
وأكتر واحد كان بيثق فيه.
في اللحظة دي…
دخل حازم بنفسه.
كان هادي جدًا.
وقال:
“حضرتك طلبتني؟”
سيف حط قدامه كشف التحركات.
“عربيتك كانت فين بين الساعة خمسة والسبعة؟”
حازم بص للكشف.
وسكت.
“جاوب.”
قال بهدوء:
“كنت في مشوار خاص.”
“فين؟”
“مقدرش أقول.”
الضابط وقف.
“يبقى هتقول في القسم.”
ابتسم حازم لأول مرة.
ابتسامة غريبة.
وقال:
“حتى لو خدتوني القسم… مش هتوصلوا لملك.”
قلب سيف انقبض.
قرب منه بسرعة.
“هي فين؟”
حازم بص في عينيه مباشرة.
وقال:
“بنتك مش مخطوفة…”
“…هي هناك بإرادتها.”
سيف صرخ:
“بتكدب!”
رد حازم بنفس الهدوء:
“لأن الشخص اللي معاها… خلاها تصدق إنه بيوفي آخر وصية لأبوك.”
ساد الصمت في المكتب.
ثم أخرج حازم من جيبه مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، ووضعه على المكتب.
وقال:
“لو عايز تشوف ملك… افتح بيه المخزن رقم 17 في ميناء الإسكندرية.”
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وأضاف:
“لكن قبل ما تروح… اسأل نفسك سؤال واحد.”
“لو أبوك كان بريئًا… ليه كان مخبي الدفتر الأسود من عشرين سنة؟”
وانتهى الكلام…
قبل أن يُسمع فجأة صوت انفجار قوي هز مبنى الشركة كله، وانطفأت الكهرباء في جميع الطوابق، لتبدأ الفوضى من جديد.
الانفجار هز المبنى كله.
الإزاز اتكسر.
وأجهزة الإنذار اشتغلت في كل الأدوار.
الموظفين خرجوا يجروا في الممرات وهم بيصرخوا.
أما سيف…
فكان أول واحد جري ناحية حازم.
لكن لما وصل…
اتصدم.
حازم كان واقع على الأرض.
وفي رقبته سهم معدني صغير.
الدكتور اللي كان موجود في الشركة فحصه بسرعة.
وقال:
“لسه عايش.”
سحب السهم بحذر.
لكن لاحظ إن عليه ورقة ملفوفة.
فتحها الضابط.
كانت مكتوب فيها بخط واحد اتكرر في كل الرسائل:
“كل واحد بيتكلم… بيموت.”
سيف بص حوالين المكتب.
الانفجار ماكانش في الدور اللي هما فيه.
كان في جراج الشركة.
يعني…
حد كان عايز يشغلهم.
وفي نفس الوقت…
يسكت حازم.
الإسعاف وصلت بسرعة.
وقبل ما ياخدوه…
حازم مسك إيد سيف.
كان بيتنفس بالعافية.
وقال بصوت متقطع:
“متروحش… الميناء…”
سيف قرب منه.
“ليه؟”
“فخ…”
“أمال أروح فين؟”
حازم حاول يتكلم.
لكن الدم خرج من بقه.
وبصعوبة قال كلمة واحدة:
“المكتبة…”
وساب إيده.
الدكتور قال بسرعة:
“لسه عايش… دخلوه العمليات.”
سيف وقف مذهول.
المكتبة؟
أي مكتبة؟
وفجأة…
افتكر.
مكتبة والده الخاصة.
مكان محدش دخله من يوم وفاته.
…
بعد أقل من ساعة…
كان سيف واقف قدام البيت القديم.
البيت اللي اتولد فيه.
من بعد وفاة أبوه…
الحاجة نوال قفلته.
ولم يسمح لأي حد يدخله.
فتح الباب بالمفتاح القديم.
التراب كان مغطي كل حاجة.
لكن الغريب…
إن في آثار أقدام حديثة على الأرض.
يعني…
حد كان هنا قبلهم.
دخل المكتبة.
الكتب كلها مكانها.
لكن فيه كتاب واحد كان مقلوب.
شدّه.
فجأة…
المكتبة كلها اتحركت.
وكان وراها باب سري.
الضابط بص لسيف بدهشة.
“أبوك كان عامل أوضة سرية؟”
سيف هز رأسه.
“أنا نفسي أول مرة أشوفها.”
فتحوا الباب.
نزلوا سلم ضيق.
وصلوا لأوضة صغيرة.
فيها مكتب خشب.
وخزنة.
وشاشة كمبيوتر قديمة.
أول ما شغلوها…
اشتغلت من غير كلمة سر.
ظهر على الشاشة فيديو.
بدأ يشتغل تلقائيًا.
ظهر والد سيف.
كان واضح إنه سجله قبل وفاته بأيام.
ابتسم للتصوير وقال:
“لو أنت بتشوف الفيديو ده يا سيف…”
“…يبقى أنا غالبًا بقيت تحت التراب.”
سيف وقف مكانه.
عينه ما رمشتش.
والده كمل:
“أنا مش هقولك مين عدوك.”
“لأنك تعرفه.”
“وشوفته مئات المرات.”
“وأكل معاك.”
“وضرب على كتفك.”
“وثقت فيه.”
سيف بدأ يعد الأسماء في دماغه.
لكن والده قال بعدها جملة أربكته:
“العدو الحقيقي… مش من عيلتنا.”
ثم فتح درج المكتب في الفيديو.
وأخرج دفتر أسود.
نفس الدفتر اللي الرسالة قالت عليه.
وقال:
“الدفتر ده فيه كل حاجة.”
“كل اسم.”
“كل حساب.”
“كل ج*ريمة.”
“ولو وقع في الإيد الغلط…”
“مش بس شركتنا هتنهار.”
“دول ناس كبار في البلد كلها هيقعوا.”
وفجأة…
صوت إطلاق نار سمعوه فوق.
الضابط رفع س*لاحه.
“في حد دخل البيت.”
ثم انقطعت الكهرباء.
وغرقت الغرفة السرية في ظلام كامل.
ولأول مرة…
سمع سيف صوت شخص ينزل السلم ببطء.
خطوة…
ورا خطوة…
ثم جاء صوت رجل يضحك من أعلى السلم ويقول:
“تأخرت يا سيف…”
“أنا سبقتك للدفتر الأسود من خمس دقايق.”
يتبع