عدت الي المنزل حكايات اسما ×4
الفصل الخامس
لعدة ثوانٍ…
لم يستوعب أحمد ما سمعه.
ظل ينظر إلى ياسمين.
ثم إلى محمود.
ثم عاد ينظر إليها مرة أخرى.
وكأن عقله يرفض تصديق الكلمات.
قال بصوت خافت:
“أنا… عندي ابن؟”
لم تجب.
كانت تبكي فقط.
أما محمود فجلس على طرف المكتب وقال:
“اسمعها للأخر.”
لكن أحمد لم يكن ينظر إلا إلى زوجته.
المرأة التي عاش معها ست سنوات.
المرأة التي شاركها بيته وأسراره وأحلامه.
المرأة التي كانت تخبره كل عام أن الوقت لم يحن للإنجاب.
والآن يكتشف أنها كانت تخفي طفلًا كاملًا عنه.
طفلًا من دمه.
طفلًا يحمل اسمه.
طفلًا يبلغ خمس سنوات.
خمس سنوات كاملة.
خمسة أعياد ميلاد.
خمسة أعوام من الضحكات والخطوات الأولى والكلمات الأولى.
خمسة أعوام لم يكن موجودًا فيها.
قال بصوت مبحوح:
“فين ابني؟”
ارتجفت ياسمين.
لكنها لم ترد.
فصرخ لأول مرة:
“فين ابني؟!”
ردد صوته داخل الغرفة الحجرية.
وتراجع كريم خطوة للخلف.
أما محمود فقال:
“اهدى.”
التفت إليه أحمد بعينين حمراوين.
“أهدى؟!”
ثم أشار إلى ياسمين.
“دي سرقت مني خمس سنين من حياة ابني!”
انهارت ياسمين على الكرسي.
وأخفت وجهها بين يديها.
ثم قالت بصوت متقطع:
“أنا كنت حامل قبل الجواز.”
ساد الصمت.
وأكملت:
“قبل ما نتجوز بشهرين.”
نظر إليها أحمد كأنه يسمع لغة غريبة.
قالت:
“لما عرفت… قلت لمحمود.”
التفت أحمد إلى أخيه.
فأكملت بسرعة:
“كان وقتها مختفي وبيشتغل على موضوع الثروة.”
قال محمود:
“وكان في ناس بتدور على أي وريث للعيلة.”
ثم أكمل بنفسه:
“أبوك كان سايب شروط معقدة جدًا للورث.”
وأخرج مستندًا قديمًا.
“لو ظهر حفيد مباشر للعيلة… جزء كبير من الأصول بيتنقل باسمه.”
توقف.
ثم قال:
“وده كان هيخليه هدف.”
بدأت الصورة تتجمع ببطء.
لكنها لم تقلل الألم.
سأل أحمد:
“يعني خبيتوا ابني عشان الفلوس؟”
صرخت ياسمين:
“عشان حياته!”
وسقطت دموعها بغزارة.
“كانوا هيقتلوه يا أحمد.”
لأول مرة…
بدأ أحمد يرى الخوف الحقيقي في عينيها.
خوفًا قديمًا.
ممتدًا لسنوات.
قالت:
“في ناس ماتت بسبب الموضوع ده.”
وأشار كريم إلى أحد الملفات.
“مش كلام.”
فتح الملف.
فوجد أحمد صورًا.
حوادث.
حرائق.
أشخاص.
تحقيقات.
أسماء.
بعضها معروف.
وبعضها اختفى من الأخبار منذ سنوات.
وقال كريم:
“إحنا مش بنتكلم عن ورث عادي.”
بلع أحمد ريقه.
وقال:
“وابني؟”
أجابت ياسمين:
“في مكان آمن.”
“فين؟”
صمتت.
ثم قالت:
“مش هقول غير لما أوعدني إنك تسمع كل الحقيقة.”
مرّت ساعة كاملة.
جلسوا خلالها يروون له كل شيء.
كيف اكتشف محمود الشبكة السرية.
كيف زيف موته.
كيف حاول الوصول للأصول المخفية.
كيف اكتشفوا شرط الحفيد.
كيف حملت ياسمين.
وكيف قرروا إخفاء الطفل.
وكيف تحولت المهمة من مجرد مراقبة أحمد…
إلى شيء آخر.
شيء لم يكن ضمن الخطة.
قال أحمد ببرود:
“إيه هو؟”
نظرت إليه ياسمين طويلًا.
ثم قالت:
“إني أحبك.”
ضحك.
لكنها كانت ضحكة موجوعة.
مريرة.
خالية من أي فرحة.
قال:
“بعد كل اللي عرفته… مستنية أصدق ده؟”
انخفض رأسها.
ولم ترد.
فجأة…
قطع الحديث صوت رنين هاتف محمود.
نظر إلى الشاشة.
فتغير لون وجهه.
في لحظة واحدة.
وقف.
وقال:
“لا…”
ثم أعاد النظر إلى الهاتف.
كأنه يتمنى أن يكون مخطئًا.
سأل أحمد:
“في إيه؟”
رفع محمود رأسه ببطء.
وكان الذعر واضحًا على وجهه لأول مرة.
قال:
“لقوه.”
تجمدت ياسمين.
وسقط الهاتف من يدها.
أما كريم فشحب وجهه.
قال أحمد:
“مين؟”
رد محمود:
“الولد.”
شعر أحمد بأن قلبه توقف.
“ابني؟”
هز محمود رأسه.
ثم قال الجملة التي قلبت الغرفة إلى فوضى:
“الناس اللي بندور منهم عليه عرفوا مكانه.”
بعد أقل من خمس دقائق…
كانت السيارات تنطلق خارج الفيلا.
محمود خلف المقود.
وأحمد بجواره.
أما ياسمين فكانت في الخلف تبكي بصمت.
الطريق الليلي كان شبه خالٍ.
لكن السرعة تجاوزت كل الحدود.
سأل أحمد:
“هو فين؟”
رد محمود:
“مزرعة قديمة على طريق الإسماعيلية.”
“مين هناك؟”
“الناس اللي بتحرسه.”
“والناس اللي راحوا له؟”
صمت محمود.
ثم قال:
“لو وصلوا قبلي…”
ولم يكمل الجملة.
لأنه لم يكن بحاجة لذلك.
بعد أربعين دقيقة…
ظهرت المزرعة وسط الظلام.
لكن أول شيء رآه أحمد لم يكن المبنى.
ولا الأشجار.
ولا البوابة.
بل أضواء السيارات.
الكثيرة.
عشرات الأضواء.
وعدد من الرجال يتحركون في الساحة.
وأصوات صراخ بعيدة.
ثم…
صوت إطلاق نار.
تجمد أحمد في مكانه.
بينما ضغط محمود على المكابح بعنف.
وقال:
“وصلنا متأخرين.”
وفي نفس اللحظة…
خرج طفل صغير من باب المنزل الرئيسي يركض في الظلام.
طفل لا يتجاوز الخامسة.
شعره الأسود.
وعيناه الواسعتان.
ووجهه…
كان نسخة مصغرة من أحمد.
تمامًا.
نظر الطفل نحو السيارات.
ثم صرخ بأعلى صوته:
“باباااااا!”
وشعر أحمد أن العالم كله توقف حوله.
يتبع…الفصل السادس
“باباااااا!”
مزقت الصرخة ليل المزرعة.
وشعر أحمد وكأن قلبه توقف تمامًا.
لم يفكر.
لم يسأل.
لم يتردد.
فتح باب السيارة وقفز منها قبل أن تتوقف بالكامل.
وركض.
ركض بكل ما يملك من قوة.
بينما الطفل الصغير يركض نحوه من الاتجاه الآخر.
وكانت المسافة بينهما تتقلص بسرعة.
خمسون مترًا.
أربعون.
ثلاثون.
عشرون.
حتى ارتمى الطفل في حضنه.
وسقط أحمد على ركبتيه وسط التراب.
وأحاطه بذراعيه بقوة.
كأنه يخشى أن يختفي.
كأنه يحاول تعويض خمس سنوات كاملة في لحظة واحدة.
كان الطفل يبكي.
ويضحك.
ويتمسك بعنقه.
بينما أحمد عاجز عن الكلام.
فقط الدموع تنزل من عينيه دون إرادة.
قال الطفل بصوت مرتجف:
“بابا…”
وأغمض أحمد عينيه.
لأنها أول مرة في حياته يسمع هذه الكلمة.
أول مرة.
بعد واحد وأربعين عامًا من الحياة.
قال وهو يحتضنه بقوة:
“أنا هنا يا حبيبي.”
ثم نظر إليه.
ودقق في وجهه.
فشعر بألم غريب.
كان يرى نفسه.
نفس العينين.
نفس شكل الحاجبين.
حتى الابتسامة الصغيرة المرتبكة كانت تشبهه.
قال الطفل:
“أنا اسمي آدم.”
وشعر أحمد بأن اسمه دخل قلبه مباشرة.
آدم.
ابنه.
ابنه الذي لم يكن يعرف بوجوده منذ ساعة فقط.
لكن اللحظة لم تدم.
لأن محمود صرخ فجأة:
“أحمد انزل!”
التفت الجميع.
وفي اللحظة نفسها…
دوى إطلاق نار جديد.
ارتطمت إحدى الرصاصات بجدار المنزل.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
وتحول المكان إلى فوضى.
أمسك أحمد بآدم فورًا.
وألقاه أرضًا خلف سور حجري منخفض.
بينما اندفع الحراس للرد على مصدر النيران.
قال محمود وهو يختبئ خلف سيارة:
“خدوه لجوه!”
ركض كريم مع أحد الحراس نحو المنزل.
لكن أصوات المحركات بدأت تقترب.
سيارات كثيرة.
أكثر مما توقعوا.
قال أحد الرجال:
“وصلوا كلهم.”
نظر محمود نحو الطريق.
وشحب وجهه.
لأن ما رآه كان أسوأ مما تخيل.
سبع سيارات سوداء.
تتقدم بسرعة.
ورجال مسلحون ينزلون منها.
جلس أحمد داخل المنزل وهو يحتضن آدم.
بينما ياسمين تجلس بجواره تبكي.
كانت تنظر إلى الطفل وكأنها تخشى فقدانه في أي لحظة.
أما أحمد…
فكان يشعر بشيئين متناقضين.
غضب لا يوصف.
وحب لا يوصف.
غضب من الخداع.
ومن السنوات الضائعة.
ومن الأسرار.
ومن الأكاذيب.
وحب جارح لطفل لم يعرفه إلا منذ دقائق.
رفع آدم رأسه فجأة.
وقال:
“إنت زعلان مني؟”
شعر أحمد وكأن أحدهم طعنه.
احتضنه بقوة.
وقال:
“لا يا حبيبي.”
“ماما قالت إنك بتحبني.”
نظر إلى ياسمين.
فخفضت رأسها.
وأكمل آدم:
“كانت بتوريني صورك كل يوم.”
أغمض أحمد عينيه.
وشعر بشيء ينكسر داخله.
ربما كانت كاذبة في أشياء كثيرة.
لكنها لم تحرمه من معرفة أبيه.
وفجأة…
دخل محمود بعنف.
وأغلق الباب خلفه.
وقال:
“لازم نمشي حالًا.”
وقف أحمد.
“إلى فين؟”
“للمكان الأخير.”
“إيه المكان الأخير؟”
صمت محمود.
ثم قال:
“المكان اللي أبويا خبى فيه كل حاجة.”
سأل كريم:
“إنت متأكد؟”
أومأ محمود.
“مبقاش عندنا وقت.”
بعد دقائق…
كانت المجموعة تغادر من مخرج خلفي سري للمزرعة.
بينما استمر إطلاق النار في الجهة الأخرى لتشتيت المهاجمين.
قاد محمود السيارة بنفسه.
وأحمد بجواره.
وياسمين وآدم في الخلف.
ظل الطفل ممسكًا بيد أحمد طوال الطريق.
رافضًا أن يتركها.
وكأن سنوات الفقد كلها اختصرت في هذه القبضة الصغيرة.
بعد ساعة تقريبًا…
وصلوا إلى مكان لم يتوقعه أحمد أبدًا.
مقابر العائلة القديمة.
في أطراف القاهرة.
نظر أحمد إلى محمود باستغراب.
وقال:
“إحنا جايين هنا ليه؟”
ابتسم محمود لأول مرة منذ وقت طويل.
وقال:
“عشان أبويا كان أذكى من الكل.”
نزل من السيارة.
واتجه نحو ضريح العائلة.
ثم وقف أمام قبر الحاج سليم الشاذلي.
وأخرج مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.
وقال:
“كل الناس كانت بتدور فوق الأرض.”
ثم أدخل المفتاح في تجويف صغير مخفي داخل الرخام.
ودار المفتاح.
فصدر صوت ميكانيكي خافت.
وتحرك جزء من الأرض ببطء.
كاشفًا عن سلم حجري ينزل إلى الأسفل.
اتسعت عينا أحمد.
أما ياسمين فتمتمت:
“معقول…”
قال محمود:
“أهلاً بيكم في السر اللي اتدفن من عشرين سنة.”
نزلوا السلم.
وكان المكان أوسع مما تخيلوا.
قاعة ضخمة.
مضاءة بمولدات قديمة.
وخزائن فولاذية.
وأرفف ممتدة.
وعشرات الصناديق.
لكن في منتصف القاعة…
كان يوجد شيء واحد جذب انتباه الجميع.
مكتب خشبي ضخم.
وفوقه جهاز عرض قديم.
ورسالة مغلقة.
وعليها اسم واحد فقط.
“إلى حفيدي الأول.”
نظر الجميع إلى آدم.
وساد صمت عميق.
ثم تقدم الطفل الصغير ببطء.
وأخذ الرسالة بيديه الصغيرتين.
بينما كان أحمد ينظر إليه غير مصدق.
لكن قبل أن يتمكنوا من فتحها…
وصلهم صوت من الأعلى.
صوت باب الضريح وهو يُفتح.
ثم صوت خطوات كثيرة.
كثيرة جدًا.
تقترب من السلم.
ونظر محمود إلى الأعلى.
ثم قال بصوت منخفض:
“عرفوا مكاننا.”
يتبع…
