شريط حمل حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثالث

تجمدت سلمى مكانها.

والهواء البارد القادم من البحر ضرب وجهها بقوة.

لكنها بالكاد شعرت به.

كل ما رأته كان كريم.

واقفًا أمام العمارة.

عيناه مثبتتان عليها.

وكأنه لم ينم منذ غادرت.

أما ياسمين فتمتمت بذهول:

“هو طار ولا إيه؟!”

لم تجب سلمى.

كانت تعرف كريم جيدًا.

وعندما يقرر الوصول إلى شيء…

فهو يصل.

مهما كان الثمن.

أخذت نفسًا عميقًا.

ثم قالت لصديقتها:

“اطلعي إنتِ.”

“مستحيل أسيبك.”

“ياسمين.”

نظرت إليها صديقتها للحظة.

ثم هزت رأسها ودخلت العمارة على مضض.

وبقيت سلمى وحدها.

في مواجهة الرجل الذي هربت منه قبل ساعات فقط.

اقترب كريم ببطء.

ولأول مرة منذ سنوات…

لم يكن يبدو كرجل يملك الدنيا.

بل كرجل خائف من خسارة آخر شيء يحبه.

توقف أمامها.

وظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة.

ثم قال:

“كنتِ ناوية تختفي؟”

أجابت بهدوء:

“كنت ناوية أعيش.”

شعر بوخزة في صدره.

لكنه لم يعترض.

لأنه يعرف أنها محقة.

سكت قليلًا.

ثم قال:

“أنا عرفت الحقيقة.”

ضيقت عينيها.

“أي حقيقة؟”

أجاب:

“التحاليل.”

شعرت سلمى بالارتباك.

لم تفهم.

لكن كريم أكمل:

“أنا مش عقيم.”

ساد الصمت.

ثانية.

ثانيتان.

ثلاث.

ثم شعرت سلمى وكأن أحدهم سحب الأرض من تحتها.

“إيه؟”

حكى لها كل شيء.

إعادة التحاليل.

النتيجة الثانية.

اختفاء الملف.

اعتراف الطبيب.

ومواجهة والدته.

كل كلمة كان يقولها كانت تجعل الصدمة تكبر داخلها أكثر.

حتى انتهى.

وبقي الصمت بينهما.

طويلًا.

مؤلمًا.

ثم ضحكت سلمى.

ضحكة قصيرة.

غريبة.

لم تكن سعادة.

ولم تكن فرحًا.

كانت أقرب إلى الانهيار.

وقالت:

“يعني ست سنين.”

لم يرد.

“ست سنين وأنا فاكرة إن المشكلة منك.”

صمت.

“وست سنين إنت فاكر إنك عاجز.”

خفض رأسه.

“وست سنين ضاعوا بسبب كدبة.”

أغمض عينيه.

لأنه لم يجد ما يدافع به عن نفسه.

ولا عن أمه.

ولا عن أي شيء.

ثم قال أخيرًا:

“أنا آسف.”

ضحكت مرة أخرى.

لكن هذه المرة ظهرت الدموع في عينيها.

“عارف المشكلة إيه يا كريم؟”

رفع رأسه.

فأكملت:

“إن اللي كسرني مش موضوع الإنجاب.”

نظر إليها بصمت.

وقالت:

“اللي كسرني إنك بطلت تشوفني.”

شعر وكأن الكلمات تضربه مباشرة.

“كل يوم كنت بستنى.”

“إيه؟”

“أي حاجة.”

ابتسامة.

سؤال.

حضن.

مكالمة.

أي حاجة تخليني أحس إني لسه مهمة.”

انخفض رأس كريم ببطء.

لأنه لم يستطع إنكار شيء.

ثم همست:

“وأنت ما كنتش موجود.”

في تلك الليلة…

لم تعد سلمى معه.

ولم تعد إلى القاهرة.

رغم كل شيء.

رغم اعتذاره.

ورغم دموعه التي رآتها لأول مرة.

قالت إنها تحتاج وقتًا.

وقتًا لتفكر.

ووقتًا لتتنفس.

ووقتًا لتقرر إذا كان قلبها ما زال قادرًا على منحه فرصة أخرى.

فوافق.

لأنه لأول مرة أدرك أن الحب لا يُفرض.

وأن المال لا يصلح كل شيء.

وأن بعض الجروح تحتاج أكثر من اعتذار.

عاد كريم إلى القاهرة وحده.

لكن هذه المرة لم يعد الرجل نفسه.

مرت ثلاثة أيام.

ثم أربعة.

ثم أسبوع كامل.

وخلال ذلك الأسبوع حدث شيء غريب داخل مجموعة شركات الشاذلي.

بدأ الموظفون يلاحظون تغييرات غير مألوفة.

كريم الذي كان يقضي عشرين ساعة يوميًا في العمل…

أصبح يغادر مبكرًا.

كريم الذي كان يرفض الإجازات…

ألغى عشرات الاجتماعات.

كريم الذي لم يكن يهتم إلا بالأرباح…

بدأ يسأل عن الناس.

بل إن سكرتيرته القديمة كادت تسقط من كرسيها عندما دخل عليها وسأل:

“ابنك بقى أحسن؟”

حدقت فيه بصدمة.

“حضرتك فاكر؟”

أجاب بهدوء:

“لازم أفتكر.”

لأنه كان يفكر في شيء واحد.

كيف نسي أهم امرأة في حياته.

إذا كان قد نسي ألم موظفة يعمل معها يوميًا…

فكيف نسي زوجته؟

أما سلمى…

فكانت تحاول بناء حياة جديدة.

شقة صغيرة مطلة على البحر.

هواء هادئ.

وأيام بعيدة عن ضجيج القاهرة.

لكنها لم تكن بعيدة عن كريم.

كل يوم كانت تجد باقة زهور عند الباب.

بدون اسم.

لكنها تعرف المرسل.

كل يوم تصل هدية صغيرة للطفل.

كتاب.

لعبة.

بطانية.

صندوق ذكريات.

وكلها تحمل الرسالة نفسها:

“أنا هنا.”

لم يضغط عليها.

لم يهددها.

لم يطلب العودة.

فقط كان موجودًا.

لأول مرة.

موجود فعلًا.

لكن بينما كان كريم يحاول إصلاح حياته…

كانت نادية الشاذلي تعيش أسوأ أيام عمرها.

لأن السر الآخر ما زال مدفونًا.

والخوف يلتهمها كل ساعة.

في النهاية…

لم تعد تحتمل.

فاتصلت بشخص لم تتحدث إليه منذ سنوات.

رجل يعيش خارج مصر.

وفي اللحظة التي رد فيها…

قالت بصوت مرتجف:

“لازم ترجع.”

جاءها الرد فورًا:

“بعد كل السنين دي؟”

أغمضت عينيها.

وقالت:

“كريم عرف موضوع التحاليل.”

ساد الصمت.

ثم جاء صوت الرجل ببرود:

“إذن الباقي هيعرفه قريب.”

شحب وجهها.

“لا.”

“دي مش حاجة تقدري تمنعيها.”

وأغلق الخط.

جلست نادية مكانها ترتجف.

لأنها تعلم أن السر الثاني أخطر ألف مرة من الأول.

بعد يومين…

كان كريم في مكتبه.

يحاول إنهاء بعض الملفات.

عندما دخلت سكرتيرته على عجل.

“أستاذ كريم.”

رفع رأسه.

“فيه إيه؟”

ناولته بطاقة تعريف.

وقالـت:

“في شخص مصر يقابل حضرتك.”

أخذ البطاقة.

ثم تجمد فجأة.

لأن الاسم المكتوب عليها كان:

الدكتور عمر السيوفي.

شعر قلبه ينقبض.

هذا الاسم يعرفه.

بل يعرفه جيدًا.

اسم من الماضي.

اسم لم يسمعه منذ ست سنوات.

قال ببطء:

“خليه يدخل.”

دخل الرجل.

أطول مما يتذكر.

أكثر شيبًا.

لكن الوجه نفسه.

جلس أمامه بهدوء.

ثم قال أول جملة:

“أنا جاي أقولك الحقيقة اللي أمك دفنتها.”

شعر كريم ببرودة تسري في جسده.

وقال:

“أي حقيقة؟”

نظر الرجل إليه طويلًا.

ثم قال:

“الحقيقة الخاصة بطفلك الأول.”

تجمد كريم بالكامل.

وتوقف الزمن حوله.

لأن كلمة واحدة فقط ظلت تتردد داخل رأسه.

طفلك.

الأول.

يعني أن هناك طفلًا آخر.

طفلًا لم يعرف بوجوده أبدًا.

يتبع…

الفصل الرابع

لثوانٍ طويلة…

لم يستوعب كريم ما سمعه.

ظل جالسًا في مكانه.

ينظر إلى الرجل المقابل له.

وكأنه يتحدث بلغة لا يفهمها.

ثم قال أخيرًا:

“إنت قلت إيه؟”

أعاد الدكتور عمر السيوفي كلماته ببطء:

“قلت إن عندك طفلًا.”

ارتجفت يد كريم فوق المكتب.

وشعر بأن نبضات قلبه تضرب صدره بعنف.

“مستحيل.”

أجابه الرجل بهدوء:

“ده اللي كنت بقوله لنفسي من ست سنين.”

صمت كريم.

ثم نهض فجأة.

ودار حول المكتب.

ثم عاد.

ثم توقف.

ثم قال:

“أنا ومراتي عمرنا ما خلفنا.”

تنهد الدكتور عمر.

وأخرج ملفًا سميكًا من حقيبته.

ووضعه أمامه.

“اقرأ.”

فتح كريم الملف.

وفي اللحظة الأولى…

تجمدت عيناه.

كانت صورًا.

تقارير طبية.

أسماء.

تواريخ.

وأوراق تخص مستشفى خاصًا بالقاهرة.

وبين الصفحات…

ظهرت صورة صغيرة بالأبيض والأسود.

صورة أشعة حمل.

شعر كريم بالدوار.

“دي إيه؟”

رد الرجل:

“حمل سلمى.”

ارتفع رأس كريم بصدمة.

“سلمى ما حملتش قبل كده.”

هنا أغمض الدكتور عمر عينيه للحظة.

ثم قال:

“بل حملت.”

ساد الصمت.

صمت ثقيل جدًا.

وقال كريم بصوت مبحوح:

“إنت أكيد غلطان.”

هز الرجل رأسه.

“للأسف لا.”

ثم فتح صفحة أخرى.

وأخرج تقريرًا طبيًا.

وفي أعلاه اسم سلمى الشاذلي.

وتاريخ يعود إلى خمس سنوات ونصف.

قبل سنوات من انهيار زواجهما.

قبل سنوات من ابتعاده عنها.

قبل سنوات من كل شيء.

قرأ كريم السطور.

مرة.

ومرتين.

وثلاث مرات.

لكن الكلمات لم تتغير.

حمل مؤكد.

الأسبوع العاشر.

المتابعة مستمرة.

شعر أن أنفاسه تختفي.

“إزاي؟”

قال الدكتور عمر:

“لأنها كانت حامل فعلًا.”

“ليه ما قالتليش؟”

نظر إليه الرجل طويلاً.

ثم قال:

“قالت.”

تجمد كريم.

“إيه؟”

“قالت.”

شعر وكأن أحدهم ضربه في صدره.

“لا.”

“أيوه.”

“مستحيل.”

فتح الرجل صفحة أخرى.

ثم دفعها نحوه.

كانت نسخة من تقرير استقبال بقصر الشاذلي.

مرفقًا معها تسجيل لمكالمة قديمة.

أشار الطبيب إلى الملف.

“اسمع.”

أمسك كريم الهاتف المرتبط بالتسجيل.

وضغط زر التشغيل.

ثم جاء صوت مألوف جدًا.

صوت سلمى.

مليء بالسعادة.

والخجل.

والفرح.

صوت لم يسمعه منذ سنوات.

كانت تقول:

“أنا حامل… لازم أكلم كريم.”

شعر قلبه يتوقف.

ثم جاء صوت آخر.

صوت نادية الشاذلي.

والدته.

واضحًا جدًا.

باردًا جدًا.

وقالت:

“كريم مسافر ومشغول.”

ثم صمت قصير.

ثم أكملت:

“وأصلاً الحمل ده مش هيكمل.”

تجمد الدم داخل عروق كريم.

أما التسجيل فاستمر.

صوت سلمى المرتجف:

“يعني إيه؟”

وردت نادية:

“يعني حالتك الصحية صعبة.”

“الدكتور قال في خطر.”

“الأفضل ما تشغليش كريم.”

ثم انتهى التسجيل.

جلس كريم دون حركة.

غير قادر على التنفس.

ولا التفكير.

ولا حتى الكلام.

بعد دقائق طويلة…

قال بصوت بالكاد خرج:

“بعد كده حصل إيه؟”

أجاب الدكتور عمر:

“حصل نزيف.”

رفع كريم رأسه بسرعة.

“نزيف؟”

هز الرجل رأسه.

“في الشهر الثالث.”

شحب وجه كريم.

“والطفل؟”

ساد الصمت.

ثم قال الرجل:

“اتوفى.”

أغلق كريم عينيه.

وشعر بشيء داخله يتحطم.

طفل.

ابنه.

طفله الأول.

مات.

دون أن يعرف بوجوده أصلًا.

ودون أن يراه.

ودون أن يسمع نبضه.

بل حتى دون أن يعرف أنه كان أبًا.

مرت دقائق.

لا أحد تكلم فيها.

ثم سأل كريم بصوت مكسور:

“سلمى تعرف إني ما كنتش أعرف؟”

أجاب الدكتور عمر:

“لا.”

أغلق كريم عينيه مرة أخرى.

لأن الكارثة كانت أكبر مما تخيل.

سلمى طوال هذه السنوات كانت تعتقد أنه عرف بحملها.

وعرف بفقدان الطفل.

ولم يهتم.

أما هو…

فلم يعرف شيئًا.

لا الحمل.

ولا النزيف.

ولا الجنين.

ولا الألم الذي مرت به وحدها.

فهم أخيرًا.

فهم لماذا اختفى شيء داخل عينيها قبل سنوات.

فهم لماذا أصبحت أكثر هدوءًا.

وأقل كلامًا.

وأبعد يومًا بعد يوم.

لقد كانت تحمل جرحًا وحدها.

بينما هو كان يظن أن المشكلة مجرد فتور في العلاقة.

في تلك الليلة…

لم يعد كريم إلى القصر.

بل قاد سيارته لساعات طويلة.

دون هدف.

دون اتجاه.

حتى انتهى به الطريق أمام البحر في الإسكندرية.

نفس البحر الذي تنظر إليه سلمى كل صباح.

جلس داخل السيارة.

وأخذ يبكي.

لأول مرة منذ وفاة والده.

ولأول مرة منذ أكثر من عشرين عامًا.

بكى كرجل فقد ابنه.

وفقد زوجته.

وفقد سنوات من عمره بسبب أكاذيب لم يصنعها بنفسه.

لكن نتائجها دمرت حياته.

في صباح اليوم التالي…

رن جرس شقة سلمى.

فتحت الباب.

وتوقفت.

كان كريم.

لكن ليس كريم الذي تعرفه.

لم يكن يرتدي بدلة.

ولا ساعة فاخرة.

ولا تبدو عليه هيبة رجل الأعمال الشهير.

كان يبدو منهكًا.

وشاحبًا.

وعيناه حمراوان.

قالت بهدوء:

“إيه اللي جابك؟”

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

“ممكن خمس دقايق؟”

ترددت.

لكن شيئًا في ملامحه جعلها تفسح له الطريق.

دخل.

وجلس.

ثم أخرج ملفًا ووضعه أمامها.

نظرت إليه باستغراب.

“إيه ده؟”

قال بصوت مكسور:

“حقك تعرفي الحقيقة.”

فتحت الملف.

وبدأت تقرأ.

ومع كل صفحة…

كان لون وجهها يتغير.

ومع كل سطر…

كانت الصدمة تكبر.

حتى وصلت إلى التسجيل.

وشغّلته.

وعندما سمعت صوت نادية…

ارتجفت يدها.

وعندما انتهى…

انهمرت دموعها بصمت.

لأنها هي الأخرى فهمت.

فهمت أن كريم لم يكن يعلم.

فهمت أنه لم يتخلَّ عنها وقتها.

فهمت أنه لم يتجاهل فقدان طفلهما.

بل سُرق منه الخبر كله.

مثلما سُرق منها.

ظل الصمت بينهما طويلًا.

ثم رفعت رأسها ببطء.

ونظرت إليه.

كانت الدموع في عينيها.

وكانت الدموع في عينيه.

لكن قبل أن تنطق بكلمة واحدة…

رن هاتف كريم.

نظر إلى الشاشة.

ثم شحب وجهه فجأة.

“إيه؟”

وقف فورًا.

“إمتى حصل ده؟”

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم سقط الهاتف تقريبًا من يده.

ونظرت إليه سلمى بقلق.

“في إيه؟”

رفع رأسه نحوها.

وكان الذهول واضحًا على وجهه.

ثم قال:

“أمي…”

وتوقف.

“أمي اختفت.”

يتبع..الفصل الخامس

تجمدت سلمى في مكانها.

“اختفت؟”

هز كريم رأسه ببطء.

وكأنه هو نفسه لا يصدق ما يسمع.

التقط الهاتف مرة أخرى.

وقال بحدة:

“إزاي يعني اختفت؟”

جاءه صوت مدير الأمن من الطرف الآخر:

“من امبارح بالليل يا فندم.”

“ومحدش بلغني؟!”

“كنا فاكرين إنها خرجت لوحدها وترجع.”

شعر كريم بالغضب يتصاعد داخله.

لكن شيئًا آخر كان أقوى من الغضب.

الخوف.

لأن كل الأسرار التي بدأت تخرج فجأة خلال الأيام الماضية…

جعلته يشعر أن هناك شيئًا أكبر بكثير ما زال مخفيًا.

شيئًا جعل والدته تهرب.

أو تختفي.

أغلق الهاتف.

ثم نظر إلى سلمى.

كانت لا تزال ممسكة بالملف.

والدموع لم تجف بعد.

لكنها سألت بهدوء:

“هتعمل إيه؟”

أجاب فورًا:

“هدور عليها.”

ثم صمت للحظة.

وأضاف:

“لازم أعرف باقي الحقيقة.”

بعد ساعات قليلة…

كانت القاهرة كلها تقريبًا تبحث عن نادية الشاذلي.

رجال الأمن.

المحققون الخاصون.

السائقون.

حتى بعض أصدقاء كريم القدامى دخلوا على الخط.

لكن دون نتيجة.

لا مكالمات.

لا رسائل.

لا أثر.

كأنها تبخرت.

وفي مساء اليوم نفسه…

وصل اتصال جديد.

لكن هذه المرة من رقم مجهول.

كان كريم داخل مكتبه عندما رد.

جاءه صوت امرأة كبيرة في السن.

مرهق.

ومرتجف.

صوت يعرفه جيدًا.

“كريم.”

تجمد.

“أمي؟”

بكت للحظة.

ثم قالت:

“ما تدورش عليا.”

قبض كريم على الهاتف بقوة.

“إنتِ فين؟”

“مش مهم.”

“مهم بالنسبة لي.”

صمتت.

ثم قالت:

“أنا تعبت.”

شعر بشيء غريب في نبرتها.

شيء لم يسمعه من قبل.

الاستسلام.

“إنتِ عملتي كل ده ليه؟”

بكت أكثر.

ثم همست:

“كنت فاكرة إني بحميك.”

أغمض عينيه.

وقال بمرارة:

“ضيعتي عمرنا.”

ساد الصمت.

ثم قالت:

“في حاجة لازم تعرفها.”

تسارع نبض قلبه.

“إيه؟”

وجاء الرد الذي قلب كل شيء مرة أخرى.

“أنا ما كنتش لوحدي.”

تجمد كريم.

“يعني إيه؟”

“في حد ساعدني.”

“مين؟”

بكت.

ثم قالت اسمًا واحدًا.

اسمًا جعل الدم يختفي من وجه كريم بالكامل.

“طارق.”

طارق الشاذلي.

شقيق والده الراحل.

عمه.

الرجل الذي يعيش منذ سنوات خارج مصر.

والذي نادرًا ما يظهر في المناسبات.

والذي كان الجميع يظنه بعيدًا عن كل شيء.

لكن فجأة…

بدأت قطع الأحجية تتحرك.

تذكر كريم شيئًا.

قبل سنوات طويلة…

كان عمه يرفض زواجه من سلمى.

ويقول دائمًا إن العائلة تحتاج امرأة من مستوى مختلف.

وكانت والدته توافقه الرأي.

لكن كريم وقتها لم يهتم.

وتزوج سلمى رغم الجميع.

هل يمكن أن يكون الأمر بدأ من هناك؟

في الليلة نفسها…

استقل كريم طائرته الخاصة.

ومعه عشرات الأسئلة.

لكن هذه المرة…

لم يذهب وحده.

لأن سلمى فاجأته بقولها:

“أنا جاية معاك.”

نظر إليها بدهشة.

“ليه؟”

أجابته بهدوء:

“لأن الحقيقة دي تخصني أنا كمان.”

ولأول مرة منذ شهور…

لم يعترض.

بعد ساعات…

وصلت الطائرة إلى فيلا قديمة على أطراف مدينة ساحلية صغيرة.

كان العنوان الذي أرسلته نادية قبل أن تغلق هاتفها.

نزل كريم وسلمى معًا.

وتقدما نحو الباب.

كان المكان هادئًا بشكل مخيف.

البحر قريب.

والهواء بارد.

والظلام يلف كل شيء.

طرق كريم الباب.

مرة.

مرتين.

ثلاث مرات.

ثم فُتح الباب ببطء.

وظهر رجل في السبعين من عمره.

شعره أبيض بالكامل.

لكن ملامحه لم تتغير.

طارق الشاذلي.

نظر إليهما طويلًا.

ثم قال بهدوء:

“اتأخرتوا.”

تجمد كريم.

وقال:

“فين أمي؟”

تنهد الرجل.

ثم فتح الباب أكثر.

وأشار إلى الداخل.

“ادخلوا.”

في غرفة الجلوس…

كانت نادية تجلس على أريكة قرب النافذة.

تبدو أضعف بكثير مما يتذكرها الجميع.

وعندما رأت كريم…

انهارت باكية.

لكن كريم لم يتحرك.

ظل واقفًا مكانه.

ثم قال:

“عايز الحقيقة كاملة.”

نظر طارق إلى نادية.

ثم أغلق عينيه.

وقال:

“هقولها أنا.”

ساد الصمت.

حتى صوت البحر في الخارج بدا بعيدًا.

ثم بدأ الرجل يتكلم.

“بعد وفاة أبوك…”

رفع كريم رأسه.

وأكمل طارق:

“العيلة كلها كانت مديونة.”

تجمد كريم.

لأنه لم يعرف ذلك أبدًا.

“إمبراطورية الشاذلي كانت على وشك الانهيار.”

نظر إلى نادية.

فوجدها تبكي بصمت.

وأكمل طارق:

“وأبوك كان سايب ديون بمئات الملايين.”

شعر كريم بالصدمة.

لأن الجميع أخبره دائمًا أن والده مات ثريًا.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

“وقتها…”

أخذ طارق نفسًا طويلًا.

“كان في شرط واحد علشان الشركات تكمل.”

“إيه هو؟”

نظر الرجل مباشرة إلى سلمى.

ثم قال:

“إن كريم يتجوز بنت واحدة معينة.”

تجمدت سلمى.

وتجمد كريم.

وأكمل:

“ورثة أكبر مجموعة استثمارية كانت عايزة مصاهرة.”

شعر كريم بالغثيان.

“وإنتوا رفضتوا جوازي علشان كده؟”

هز طارق رأسه.

“أيوه.”

“لكن أنا اتجوزت سلمى.”

“وعشان كده خسرنا الصفقة.”

ساد الصمت.

ثم قال كريم ببطء:

“فقررتوا تدمروا حياتنا؟”

لم يرد أحد.

وكان هذا الرد بحد ذاته اعترافًا.

لكن قبل أن يكمل طارق حديثه…

قالت نادية فجأة وهي تبكي:

“لا.”

التفت الجميع إليها.

وقالت:

“في حاجة أهم.”

نظر إليها كريم.

وشعر بقلبه ينقبض.

لأن نبرتها كانت مختلفة.

مليئة بالذنب.

والرعب.

والندم.

ثم قالت وهي ترتجف:

“في شخص تاني لازم تعرف عنه.”

تسارع نبض قلب كريم.

“مين؟”

رفعت رأسها ببطء.

ونظرت إلى سلمى أولًا.

ثم إلى ابنها.

وقالت:

“أختك.”

تجمدت الغرفة كلها.

وسقطت الكلمات كالصاعقة.

أختك.

أخت؟

نظر كريم إليها غير مصدق.

وقال بصوت مخنوق:

“أنا ماعنديش أخت.”

لكن نادية أغلقت عينيها.

وانهمرت دموعها.

ثم همست:

“بل عندك.”

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *