جوزي عاوز يبيع حكـايـات روماني×2

## الجزء الثالث: قلْب الطاولة

دلفَت نادية إلى مكتب الأستاذ “عبد الحميد”، محامي والدها الراحل، والدموع التي حبستها طوال الطريق تفجّرت دفعة واحدة. وضعت الأوراق والنسخ التي التقطتها من يد محامي البنك على مكتبه، وجلست تلتقط أنفاسها بصعوبة.

استمع الرجل العجوز إليها بهدوء شديد، ونظاراته القراءة تستقر على أرنبة أنفه، وعلامات الأسف ترتسم على وجهه الوقور وهو يقلّب حجة الشقة وعقد البيع وإنذار البنك. بعد صمت طويل، خلع نظارته وقال بنبرة هادئة حملت بعض العتاب:

* “يا بنتي.. القانون لا يحمي المغفلين، وأنا تعبت وأنا بقولك بلاش الثقة العمياء في العقود والفلوس، حتى لو كان جوزك وأبو عيالك. ماجد استغل إنك مأخدتيش شهادة تصرفات عقارية سلبية قبل التوقيع، وباعلك عين محملة بحق عيني تبعي (الرهن) للبنك.”

بكت نادية بحرقة وقالت: “يعني خلاص يا متر؟ شقايا وورث أبويا ضاع؟ والشقة هتروح في المزاد؟ والـ 250 ألف جنيه السلفة طاروا؟”

ابتسم الأستاذ عبد الحميد ابتسامة ثقة، وعدّل جلسته قائلاً:

* “مين قال كده؟ ماجد فاكر نفسه ذكي، بس الجشع عماه وخلاه يقع في خطأ قانوني قاتل. هو باعلك الشقة دي بعقد بيع نهائي، وكاتب فيه بند صريح إن (العين خالية من كافة الحقوق العينية الأصلية والتبعية، كالرهن والاختصاص والامتياز)، وده معناه في القانون (جناية تزوير ونصب واستيلاء على أموال بطرق احتيالية).”

برقت عينا نادية، وتابعت المحامي بتركيز شديد وهو يكمل:

* “إحنا مش هنلعب مدافع يا نادية، إحنا هنهاجم. بكرا الصبح هرفع دعوى ‘ضمان الاستحقاق والتعويض’، وهعمل جنحة نصب ضد ماجد بشخصه. بس الأهم من ده كله.. إحنا لازم ننقذ عقد الشركة الأجنبية، لأن الإيجار ده هو قوتك وقوت عيالك.”

في المساء، عادت نادية إلى البيت الجديد. كانت الأجواء مشحونة، وماجد يجلس في الصالة واضعاً رجلاً فوق الأخرى، وعلامات الانتصار الزائف ترتسم على وجهه، ظناً منه أنه كسر كبرياءها وأنها ستأتي حبوًا لتوقع على شروطه وتنازل الإيجار.

نظر إليها وقال بنبرة ساخرة:

* “فكرتي يا نادية؟ المحامي بتاعي قالي إن البنك هيبدأ إجراءات الحجز الأسبوع الجاي.. يعني لو ممضيتيش على تفويض الإيجار، الشقة هتروح، والمستأجرين الأجانب هيمشوا بكرا، ومش هينوبك غير الفضيحة.”

خلعت نادية عباءتها بهدوء شديد لم يعهده فيها، وجلست أمامه، ونظرت في عينيه بنظرة باردة جمدت الدماء في عروقه. قالت بنبرة حاسمة:

* “أنا مش ههتم بالشقة يا ماجد.. الشقة تولع، والبنك ياخدها.”

تفاجأ ماجد، واعتدل في جلسته بقلق: “أنتِ اتجننتي؟ بتضيعي فلوسك وتعبك عشان عناد؟”

أخرجت نادية هاتفها، وفتحت رسالة نصية أرسلها لها الأستاذ عبد الحميد مسبقاً، وقرأت منها بصوت مسموع:

* “بناءً على عقد البيع المؤرخ بيننا، والشرط الصريح بخلو العين من الرهن.. تم اليوم تحرير محضر إثبات حالة، وبكرا الصبح هتقدم جنحة مباشرة بتهمة النصب والاحتيال والتزوير في عقود رسمية ضدك. عقوبتها السجن من سنة لثلاث سنوات يا ماجد.. ده غير دعوى الحجر والتحفظ على البيت الجديد اللي إحنا قاعدين فيه ده، لأن الـ 250 ألف جنيه بتوعي دخلوا في ثمنه، ومعايا شهادات تحويل بنكي من حساب ورثي لحسابك في نفس يوم الشراء!”

شحب لون ماجد تماماً، وسقطت الصدمة على رأسه كالصاعقة. وقف وهو يتلعثم:

* “سجن؟ وحجر؟ أنتِ بتخربي بيتك وعيالك عشان فلوس؟ أنا جوزك!”

وقفت نادية في مواجهته، وقالت والشرر يتطاير من عينيها:

* “أنت افتكرت إنك جوزي وأبو عيالي لما أخدت مني سمسرة؟ افتكرت ده لما بعتلي شقة مرهونة وكنت عاوز تاخد إيجارها وتاكل عليا الـ 250 ألف؟ أنت اللي خربت، وأنا مش هسيب حقي.. السجن هيربيك يا ماجد.”

انهار كبرياء ماجد المصطنع، وبدأ يدرك أنه وقع في شر أعماله، وأن نادية الهادئة المطيعة قد تحولت إلى وحش يدافع عن وجوده. اقترب منها يحاول الإمساك بطلب التهدئة، لكن صوت جرس الباب قاطعهما بشكل مفاجئ وبعنف.

فتحت نادية الباب لتجد أمامها حارس العقار للبيت الجديد، ومعه رجل يحمل حقيبة دبلوماسية سوداء، ويسأل بحدة: “هنا شقة الأستاذ ماجد؟”

التفت ماجد بذعر نحو الباب، ليرى الرجل يخرج ورقة رسمية أخرى ممهورة بختم أحمر مختلف تماماً عن أوراق البنك السابقة.. ولم تكن هذه الأوراق تخص البنك أو الشقة القديمة، بل كانت تخص البيت الجديد الذي يعيشون فيه الآن!

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

**الجزء الخامس: زلزال الحقيقة**

حبست نادية أنفاسها، وتسمرت في مكانها بوسط الغرفة والملابس تتساقط من يدها. التفتت بنظرة سريعة نحو ماجد الذي كان ما زال جالسًا على الأرض يندب حظه، ثم ضغطت على الهاتف بقوة وقالت بصوت خفيض:

* “حاجة إيه اللي ماجد ميعرفهاش يا متر؟ أرجوك قولي في إيه؟”

جاء صوت الأستاذ عبد الحميد عميقاً ورزيناً عبر الهاتف:

* “أنا بعت المساعد بتاعي يعمل فحص شامل لملف القرض والرهن في الفرع الرئيسي للبنك. الصدمة يا نادية إن الرهن اللي ماجد عمله على الشقة من سنتين.. رهن باطل قانوناً ولا قيمة له!”

عقدت نادية حاجبيها بذهول وقالت: “باطل؟ باطل إزاي وهو جاي ومعاه محامي البنك وبيهددني بالحجز؟”

رد المحامي بشرح دقيق:

* “ماجد لما راح يرهن الشقة للبنك عشان ياخد القرض، قدم لهم عقد ملكية ابتدائي وصحيفة ونفاذ قديمة، والبنك للاسف وقع في خطأ إداري جسيم وقبل الرهن من غير ما يطلب ‘شهادة قيد رهن رسمية مشهرة’. والأخطر من كده، إن الشقة دي من الأساس.. الأرض اللي مبنية عليها العمارة كلها، كان عليها قرار نزع ملكية للمنفعة العامة وتعديل خط تنظيم من المحافظة قبل الرهن بسنة كاملة! يعني البنك رهن عين ‘غير قابلة للترهن قانوناً’، ومحامي البنك اللي جه مع ماجد الصبح كان جاي يمارس ضغط ودي ويهدد عشان يلموا أي فلوس من الإيجار قبل ما إدارتهم القانونية تكتشف الكارثة ويتحول الموظفين للنيابة!”

سكتت نادية لثوانٍ، تحاول استيعاب الكلمات. شعرت فجأة بأن الطاولة لم تنقلب على ماجد وحده، بل انقشعت الغمامة عن عينها تماماً. تابعت قائلة:

* “طب وده معناه إيه بالنسبة للشقة ولعقد الإيجار بتاعي؟”

قال المحامي بنبرة انتصار:

* “معناه إن شقتك سليمة مية في المية، والشركة الأجنبية مش هتمشي، والبنك ملوش أي سلطة يحجز على الشقة أو يلمس مليم من الإيجار! الرهن كأنه لم يكن، والبنك ملوش غير إنه يرفع على ماجد قض/ية تبديد أموال شخصية وقرض شخصي ملوش علاقة بيكي. إحنا موقفنا القانوني في الشقة القديمة بقى زي الحديد.”

تنفسَت نادية الصعداء، وشعرت بحمل ثقيل ينزاح عن صدرها، لكن المحامي أكمل بنبرة أكثر جدية:

* “بس استني يا نادية.. الموضوع مخلصش هنا. قرار المحافظة بتعديل خط التنظيم ونزع الملكية ده، بيشمل كمان جزء كبير من الأرض اللي مبني عليها ‘البيت الجديد’ اللي أنتوا قاعدين فيه دلوقتي! يعني المحلات اللي تحت اللي ماجد طمعان يبيعها عشان يسدد ديونه للمقاول.. دي محلات وهمية وهتتهد لتوسعة الطريق خلال شهور!”

تصلبت نادية، ونظرت إلى ماجد الذي كان ينظر إليها بترقب وخوف، يحاول التقاط أي كلمة من مكالمتها. شكرت المحامي وأغلقت الهاتف، ثم التفتت نحو زوجها.

لم تعد تشعر بالخوف أو التشتت، بل امتلأت بقوة باردة. اقتربت من ماجد، وقفت أمامه وقالت بنبرة هادئة ومخيفة:

* “عرفت البنك كان جاي الصبح يعمل إيه يا ماجد؟ كان جاي يسرقني معاك.. الرهن بتاعك باطل، والشقة بتاعتي ومحدش يقدر يلمسها، والشركة الأجنبية قاعدة ومفيش مليم هيطلع منها.”

لمعت عينا ماجد بأمل زائف ووقف بسرعة: “بجد يا نادية؟ يعني الشقة في أمان؟ الحمد لله.. طب مش هتقدري بقى تسحبي جزء من الإيجار وتدفعيه للمقاول عشان نرفع الحجز عن البيت ده؟ عشان عيالنا يا نادية!”

ضحكت نادية ضحكة عالية، ضحكة هزت جدران الصالة، ثم نظرت إليه باحتقار وقالت:

* “أدفع للمقاول؟ عشان أنقذ البيت ده؟ البيت ده اللي المحلات اللي تحت فيه هتتهد ومسجلة نزع ملكية للمنفعة العامة؟ البيت اللي أنت دمرت حياتنا عشان تشتريه وتدفع فيه ورثي وسلفتي؟”

شحب وجه ماجد تماماً وتراجع خطوة للخلف: “أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه؟ هد إيه؟ ومحلات إيه؟”

في تلك اللحظة، وقبل أن ينطق بأي كلمة أخرى، سمعا صوت ضوضاء شديدة في الأسفل، وصوت كلاب الحراسة تنبح بعنف، يليه صوت طرقات عنيفة على البوابة الحديدية الخارجية للعقار، وصراخ حارس الأمن يستغيث بالشرطة!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *