جوزي اتجوز عليا حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الثالث: سقوط الأقنعة
لم تنم سلمى تلك الليلة.
جلست أمام النافذة حتى اقترب الفجر.
والملفات مفتوحة أمامها.
صور.
تحويلات.
رسائل.
تقارير طبية.
وإيصال الدفع الذي يحمل اسم نادية الشاذلي.
كل قطعة كانت جزءًا من صورة أكبر.
صورة عائلة كاملة بنت حياتها على الكذب.
لكن أكثر شيء كان يؤلمها لم يكن المال.
ولا الخيانة.
بل حقيقة واحدة.
أنهم جميعًا كانوا يعلمون.
منذ سنوات.
في الثامنة صباحًا.
دخلت سلمى مكتب المحامي شريف.
وضعت الملف أمامه.
قرأ الأوراق بسرعة.
ثم رفع رأسه ببطء.
وقال:
ـ لو المستندات دي أصلية يبقى انتهوا.
ـ أصلية.
ـ متأكدة؟
ـ الطبيبة أكدت.
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال:
ـ تعرفي أخطر حاجة هنا إيه؟
ـ إيه؟
ـ إن نادية كانت عارفة تاريخ الحمل الحقيقي.
ـ وأنا فهمت كده.
ـ وده معناه إن رنا كانت حامل قبل الزواج.
أومأت سلمى.
ـ وكريم غالبًا كان عارف.
ـ أو اتضحك عليه.
قال شريف:
ـ في الحالتين الق*ضية اتغيرت بالكامل.
في نفس الوقت تقريبًا.
كان كريم جالسًا داخل سيارته أمام المحكمة.
يدخن سيجارة وراء أخرى.
هاتفه لم يتوقف.
صحفيون.
محامون.
أصدقاء قدامى.
بعضهم يريد معرفة الحقيقة.
وبعضهم يريد مشاهدة سقوطه فقط.
رن الهاتف مجددًا.
كانت رنا.
رفض المكالمة.
بعد ثوانٍ اتصلت مرة أخرى.
رفضها.
ثم رسالة.
“لازم أشوفك.”
أغلق الهاتف.
لكن بعد دقيقة وصلت رسالة أخرى.
“لو ما جيتش هقول كل حاجة.”
تجمد.
قرأ الرسالة مرة ثانية.
ثم الثالثة.
وشعر بشيء بارد يمر في ظهره.
بعد ساعة.
دخل شقة صغيرة استأجرتها رنا مؤقتًا.
كانت جالسة تنتظره.
وجهها شاحب.
وعيناها حمراوان.
قال فور دخوله:
ـ عايزة إيه؟
وقفت.
ـ عايزة الحقيقة.
ضحك بسخرية.
ـ الحقيقة؟ دلوقتي؟
ـ آه دلوقتي.
ـ اتفضلي قوليها.
سكتت للحظات.
ثم قالت:
ـ أنت كنت عارف إني حامل قبل الجواز.
حدق فيها.
ـ مين قال كده؟
ـ جاوب.
ـ لا.
ـ كداب.
اقتربت خطوة.
ـ أمك كانت تعرف.
هنا تغير وجهه.
ـ إنتي بتقولي إيه؟
ـ أمك دفعت تمن التحاليل.
ساد صمت ثقيل.
شعر كريم بأن قلبه توقف للحظة.
ـ مستحيل.
ـ عندي الدليل.
ـ لا.
ـ آه.
جلست على المقعد وهي تبكي.
ـ أمك قالتلي وقتها إن ده الحل الوحيد.
ـ حل إيه؟
ـ قالتلي إنك محتاج طفل بأي طريقة.
وإن سلمى لازم تخرج من حياتك.
وإن الحمل هيخلي كل حاجة سهلة.
شعر كريم وكأن أحدهم ضربه في صدره.
ـ لا…
ـ دي الحقيقة.
ـ لا.
ـ أمك هي اللي رتبت كل حاجة.
ـ مستحيل.
صرخت فجأة:
ـ بطل تكذب على نفسك!
ارتد صوتها في الشقة.
وقالت:
ـ أنت كنت محتاج تصدق إنك راجل كامل.
وأمك كانت محتاجة حفيد.
وأنا كنت محتاجة فلوس.
كل واحد فينا كان بيدور على حاجة.
وسلمى كانت الضحية الوحيدة.
جلس كريم ببطء.
ولأول مرة منذ بدء الكارثة شعر أنه لا يعرف شيئًا.
في منزل نادية.
كانت هي الأخرى تتلقى ضربة جديدة.
وصلها استدعاء رسمي للتحقيق.
ارتجفت يدها وهي تقرأ الورقة.
قالت ابنتها مي:
ـ هنعمل إيه؟
ـ ولا حاجة.
ـ ماما…
ـ قولت ولا حاجة.
لكن صوتها لم يكن قويًا كما اعتادت.
لأول مرة بدت خائفة.
خائفة فعلًا.
لأن الأمر لم يعد خلافًا عائليًا.
أصبح ق*ضية.
وأوراقًا.
وقانونًا.
وأشياء لا يمكن السيطرة عليها بالصراخ.
بعد الظهر.
وصلت سلمى إلى الشركة.
وكانت تعتقد أن يومها سيكون هادئًا.
لكن سكرتيرتها دخلت مسرعة.
ـ أستاذة سلمى.
ـ نعم؟
ـ في حد تحت مصمم يقابلك.
ـ مين؟
ـ رجل كبير في السن.
ـ اسمه؟
ـ قال اسمه فؤاد عزت.
تجمدت سلمى.
والد رنا مرة أخرى.
قالت:
ـ دخليه.
دخل الرجل.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
كان معه شاب طويل.
في أوائل الثلاثينات.
بملامح متعبة.
بمجرد أن رأته سلمى عرفته.
ماجد.
جلس الثلاثة.
ساد صمت طويل.
ثم قال ماجد:
ـ أنا جاي أقول الحقيقة كاملة.
قالت سلمى:
ـ اسمع.
تنهد.
ـ رنا كانت مخطوبتي.
ـ أعرف.
ـ انفصلنا قبل جوازها من كريم بشهر تقريبًا.
ـ وبعدين؟
خفض رأسه.
ـ كانت حامل.
لم يظهر أي انفعال على وجه سلمى.
لكن يدها انقبضت تحت الطاولة.
قال:
ـ ولما عرفت خافت.
ـ من إيه؟
ـ من الفضيحة.
ـ طبيعي.
ـ وقتها ظهر كريم.
صمت للحظة.
ثم أكمل:
ـ هو كان عارف إنها حامل.
ارتفع حاجبا سلمى.
ـ متأكد؟
ـ متأكد.
ـ إزاي؟
ـ لأن أمه هي اللي قالتله.
ساد صمت ثقيل.
ثم أخرج ماجد هاتفه.
وفتح تسجيلًا صوتيًا.
وانطلق صوت نادية بوضوح.
“الحمل ده نعمة من ربنا… كريم محتاج الطفل ده أكتر منك.”
شحب وجه سلمى.
أما ماجد فأكمل تشغيل التسجيل.
“هنتصرف في موضوع النسب بعدين… المهم دلوقتي يتجوزوا.”
انتهى التسجيل.
وبقي الصمت.
ثقيلاً.
مرعبًا.
كافيًا لتحطيم أي دفاع.
في الجهة الأخرى من المدينة.
كان كريم يسمع التسجيل نفسه.
لكن من هاتف رنا.
وكانت الصدمة تلتهمه قطعة قطعة.
قال بصوت مبحوح:
ـ أمي قالت كده؟
ـ أيوه.
ـ يعني كانت عارفة؟
ـ من الأول.
جلس على الأريكة كأنه فقد القدرة على الوقوف.
كل شيء بدأ ينهار.
حتى الأكاذيب التي كان يتشبث بها.
حتى فكرة أنه كان المسيطر.
اتضح أنه مجرد أداة.
مثل الجميع.
في مساء ذلك اليوم.
استدعت النيابة نادية رسميًا.
دخلت غرفة التحقيق وهي تحاول الاحتفاظ بكبريائها المعتاد.
لكن عندما وُضعت التسجيلات أمامها…
اختفى الكبرياء.
قال المحقق:
ـ الصوت صوتك؟
لم تجب.
أعاد السؤال.
ـ الصوت صوتك؟
همست:
ـ أيوه.
ـ كنتِ تعلمين أن الحمل سابق للزواج؟
أغمضت عينيها.
ولم ترد.
لكن الصمت كان إجابة.
في الخارج.
وصل الخبر إلى كريم خلال دقائق.
جلس داخل سيارته.
ثم انفجر بالبكاء.
بكاء حقيقي.
ليس خوفًا فقط.
بل لأن كل شيء صدقه عن نفسه تحطم.
لم يكن الزوج المنتصر.
ولا الرجل الذي استعاد رجولته.
ولا الأب المنتظر.
كان مجرد رجل خسر زوجته.
وخسر سمعته.
وخسر أمواله.
وخسر حتى الحقيقة التي بنى عليها خيانته.
أما سلمى…
فكانت تقف وحدها في شرفة مكتبها.
تنظر إلى أضواء القاهرة.
والهواء الليلي يمر على وجهها.
رن هاتفها.
رقم غير محفوظ.
ردت.
جاءها صوت المحامي شريف.
ـ عندي خبر مهم.
ـ خير؟
ـ النيابة قررت التحفظ على بعض الحسابات الجديدة.
ـ حسابات مين؟
ـ كريم.
سكتت.
ثم قال:
ـ وفي حاجة أهم.
ـ إيه؟
ـ فيه شاهد جديد ظهر.
تجمدت.
ـ شاهد على إيه؟
ـ على اختلاس أكبر من اللي إحنا عارفينه.
شعرت سلمى بأن قلبها تسارع.
قال شريف:
ـ واضح إن اللي اكتشفناه لحد دلوقتي مجرد أول طبقة.
ـ يعني؟
ـ يعني يا سلمى… فيه ملايين تانية مختفية.
سادت لحظة صمت.
ثم قال بهدوء:
ـ وأعتقد إن اللي سرقها مش كريم لوحده.
أغلقت سلمى عينيها ببطء.
لأنها أدركت أن الكابوس لم ينتهِ بعد.
بل بدأ يكشف وجهًا أكثر ظلامًا.
وجهًا قد يورط أشخاصًا لم تتوقعهم أبدًا.
يتبع…