مقعد طائره حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الرابع

 

“مستحيل…”

 

خرجت الكلمة من فمي دون إرادة.

 

انتزع سيف الهاتف من يدي ونظر إلى الصورة مرة أخرى.

 

أما جدي فاقترب منا بسرعة.

 

“في إيه؟”

 

أريته الصورة.

 

فتغير وجهه هو الآخر.

 

ولثوانٍ طويلة لم ينطق أحد بكلمة.

 

كانت الصورة واضحة بشكل لا يقبل الشك.

 

التاريخ ظاهر.

 

والوقت ظاهر.

 

والمكان أيضًا.

 

موقف السيارات الخلفي للمبنى الذي كنا نسكن فيه قبل الطلاق.

 

وفي الصورة كان كريم يقف أمام سيارة سوداء ويتحدث مع رجل لم يظهر وجهه بالكامل.

 

لكن الملفت لم يكن ذلك.

 

الملفت هو الظرف البني الكبير الذي كان يسلمه للرجل.

 

والمبلغ المالي الضخم الذي ظهر جزء منه داخل الظرف.

 

همس جدي:

 

“يا ساتر.”

 

نظر سيف إليّ.

 

“أخوكي كان يعرف الراجل ده؟”

 

هززت رأسي ببطء.

 

“ما أعرفش.”

 

لكن الحقيقة أنني بدأت أتذكر أشياء كثيرة.

 

أشياء تجاهلتها وقتها.

 

كريم كان يزورنا كثيرًا.

 

أكثر من اللازم أحيانًا.

 

وكان دائم السؤال عن عملي.

 

وعن أبحاثي.

 

وعن مشروعات الشركة.

 

وكان يعرف تفاصيل كثيرة لا يفترض أن يعرفها.

 

تفاصيل لم أكن أعتبرها مهمة.

 

لكنها الآن بدت مختلفة تمامًا.

 

رن هاتف سيف مجددًا.

 

نفس الرقم.

 

هذه المرة رد فورًا.

 

وضع الهاتف على مكبر الصوت.

 

جاء صوت رجل خشن ومشوش:

 

“كنت متأكد إنك هترد.”

 

قال سيف بحدة:

 

“مين أنت؟”

 

ضحك الرجل.

 

“واحد مات من أربع سنين.”

 

اتسعت عينا سيف.

 

“عمر؟”

 

“أخيرًا عرفت صوتي.”

 

قال سيف بغضب:

 

“إنت حي؟”

 

“للأسف… وده السبب اللي مخليني أكلمك.”

 

قبض سيف على الهاتف بقوة.

 

“عايز إيه؟”

 

ساد صمت قصير.

 

ثم قال عمر:

 

“عايز أقولك إنك ضيعت خمس سنين من عمرك بسبب كذبة.”

 

شعرت بقشعريرة باردة.

 

أما سيف فازداد توتره.

 

“اتكلم.”

 

تنهد عمر.

 

“فاكر الليلة اللي لقيت فيها الرسائل على موبايل ليلى؟”

 

نظر سيف نحوي.

 

ثم قال:

 

“أيوة.”

 

“الرسائل دي ما ظهرتش صدفة.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أكمل عمر:

 

“حد بعتها ليك عمد.”

 

تجمد الجميع.

 

حتى جدي.

 

حتى أنا.

 

حتى سيف نفسه.

 

قال سيف بصوت خافت:

 

“إيه؟”

 

“الرسائل اتجمعت واتقصقصت واتبعتت بطريقة تخليك تفهمها غلط.”

 

بدأ قلبي يخفق بعنف.

 

“مين؟”

 

سألها سيف فورًا.

 

لكن عمر لم يجب مباشرة.

 

بل قال:

 

“اسأل نفسك مين كان المستفيد من إن جوازك ينهار.”

 

أغمض سيف عينيه.

 

أما أنا فبدأت أشعر بالدوار.

 

لأن الإجابة كانت تتشكل تدريجيًا داخل رأسي.

 

قال سيف:

 

“قول الاسم.”

 

تنهد عمر طويلًا.

 

ثم نطق أخيرًا:

 

“شريكك.”

 

ارتجف فك سيف.

 

“أي شريك؟”

 

“مروان عزت.”

 

شعرت وكأن أحدهم سكب الثلج فوق رأسي.

 

مروان.

 

أفضل صديق لسيف.

 

وشريكه منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.

 

الرجل الذي وقف بجواره في زفافنا.

 

الرجل الذي شهد على عقد زواجنا.

 

الرجل الذي بكى يوم الطلاق مدعيًا الحزن علينا.

 

قال عمر:

 

“هو اللي دفع فلوس.”

 

“هو اللي طلب جمع المعلومات.”

 

“وهو اللي كان عايز يبعد ليلى من الصورة.”

 

أصبح وجه سيف خاليًا من أي تعبير.

 

ذلك النوع من الصمت الذي يسبق الانفجار.

 

لكن عمر لم ينتهِ.

 

قال:

 

“وفي حاجة أهم.”

 

ارتجف صوت سيف:

 

“إيه؟”

 

جاء الرد كالصاعقة.

 

“بعد طلاقك بشهرين… مروان اشترى 32% من أسهم الشركة من أطراف خارجية بأسماء وهمية.”

 

رفع سيف رأسه فجأة.

 

“إيه؟”

 

“وأصبح وقتها يملك سلطة أكبر من اللي كنت متخيلها.”

 

نظر جدي إليه بصدمة.

 

أما أنا فكنت أرى أجزاء الصورة تتجمع أخيرًا.

 

سنوات كاملة.

 

سنوات من الخداع.

 

سنوات من الأكاذيب.

 

لكن الضربة الأخيرة جاءت عندما قال عمر:

 

“ولو عايز تعرف السبب الحقيقي… يبقى لازم تشوف الملف اللي احتفظت بيه.”

 

“أي ملف؟”

 

ضحك عمر بمرارة.

 

ثم قال:

 

“الملف اللي فيه كل حاجة.”

 

“المكالمات.”

 

“التحويلات.”

 

“الصور.”

 

“والسبب اللي خلا مروان يدمر حياتك.”

 

صمت للحظة.

 

ثم أضاف:

 

“لأن الموضوع ما كانش مجرد شركة يا سيف.”

 

ارتفع نبض قلبي.

 

وسيف أصبح شاحبًا بشكل مخيف.

 

ثم جاء السؤال الذي غير كل شيء.

 

“أومال كان إيه؟”

 

ساد صمت طويل جدًا.

 

قبل أن يجيب عمر أخيرًا:

 

“لأن مروان كان واقع في حب ليلى من قبل زواجها منك.”

 

وسقط الهاتف من يد سيف.

 

يتبع…الفصل الخامس

 

ارتطم الهاتف بالأرض بقوة.

 

لكن أحدًا لم ينحنِ لالتقاطه.

 

الجميع كانوا ينظرون إلى بعضهم البعض في صدمة.

 

أما أنا…

 

فشعرت وكأن الهواء اختفى من حولي.

 

“إيه؟”

 

خرجت الكلمة مني بالكاد.

 

لكن عمر كان لا يزال على الخط.

 

سمعنا صوته من الهاتف الملقى على الأرض.

 

“أنا عارف إن الموضوع صعب يتصدق.”

 

انحنى سيف والتقط الهاتف بيد مرتجفة.

 

ثم قال:

 

“كرر اللي قلته.”

 

تنهد عمر.

 

“مروان كان بيحب ليلى.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أضاف:

 

“ومن قبل فرحكم كمان.”

 

شعرت بصدمة جديدة تضربني.

 

كنت أعرف أن مروان كان لطيفًا معي دائمًا.

 

وأنه كان يحترمني.

 

لكن الحب؟

 

لم يخطر ببالي ذلك أبدًا.

 

قال عمر:

 

“في الأول حاول يقنع نفسه إنه مجرد إعجاب.”

 

“وبعدين بقي هوس.”

 

“ولما اتجوزتها أنت… ما قدرش يتقبل الموضوع.”

 

نظر سيف بعيدًا.

 

وكأن عقله عاد سنوات إلى الوراء.

 

إلى عشرات المواقف الصغيرة التي لم ينتبه لها وقتها.

 

نظرات.

 

تعليقات.

 

اهتمام زائد.

 

دعوات متكررة.

 

وجود دائم في كل مكان.

 

أشياء بدت طبيعية وقتها.

 

لكنها لم تعد كذلك الآن.

 

قال سيف:

 

“وعشان كده دمر حياتنا؟”

 

ضحك عمر بمرارة.

 

“في ناس لما ما تعرفش تكسب… بتختار تدمر.”

 

أغلق سيف عينيه.

 

أما أنا فكنت أحاول استيعاب كل ما يحدث.

 

خمس سنوات.

 

خمس سنوات كاملة من الألم.

 

والشك.

 

والفراق.

 

والسبب لم يكن خيانة.

 

ولا كذبًا.

 

ولا أسرارًا.

 

بل مؤامرة كاملة.

 

لكن المفاجأة الحقيقية جاءت بعد ذلك.

 

قال عمر:

 

“لسه ما قلتش أهم حاجة.”

 

رفع سيف رأسه فورًا.

 

“إيه تاني؟”

 

ساد صمت قصير.

 

ثم قال عمر:

 

“الملف اللي عندي فيه دليل إن مروان ما اكتفاش بتدمير جوازك.”

 

بدأ القلق يتسلل إلى داخلي.

 

“تقصد إيه؟”

 

قال عمر ببطء:

 

“بعد الطلاق حاول يوصل لليلى أكتر من مرة.”

 

تجمدت مكاني.

 

ثم بدأت أتذكر.

 

رسائل مجهولة.

 

أرقام غريبة.

 

هدايا كانت تصل دون اسم.

 

دعوات عمل غير مفهومة.

 

كنت أرفضها دائمًا وأتجاهلها.

 

لم أربط بينها أبدًا.

 

قال عمر:

 

“لما فشل… بدأ يراقب أخبارها.”

 

“ولما عرف إنها حامل…”

 

انقطع صوته للحظة.

 

ثم أكمل:

 

“هنا بدأ الخطر الحقيقي.”

 

شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبي.

 

أما سيف فصاح فجأة:

 

“قول اللي عندك كله.”

 

تنهد عمر.

 

ثم قال:

 

“في الملف تسجيلات.”

 

“تسجيلات لمروان وهو بيتكلم عن الأطفال.”

 

توقف الزمن.

 

الأطفال؟

 

نظر سيف نحوي بسرعة.

 

أما أنا فشعرت بالخوف لأول مرة منذ سنوات.

 

قال عمر:

 

“أنا خبيت الملف طول السنين دي عشان أحمي نفسي.”

 

“لكن النهارده قررت أسلمه.”

 

سأل سيف:

 

“فين؟”

 

أجاب عمر:

 

“في خزنة بأحد البنوك.”

 

ثم أضاف:

 

“ولو وصلتله… هتعرف إن اللي حصل لكم كان مجرد بداية.”

 

تجمد سيف.

 

“يعني إيه؟”

 

وجاء الرد الذي جعل الدم يتجمد في عروقنا جميعًا.

 

“يعني في شخص كان يعرف بوجود الأطفال من يوم ولادتهم.”

 

اتسعت عيناي.

 

“مستحيل.”

 

لكن عمر أكمل:

 

“وكان بيتابع أخبارهم.”

 

“وصورهم.”

 

“وتحركاتهم.”

 

“من غير ما تعرفوا.”

 

أصبح صوت أنفاسي مسموعًا.

 

أما سيف فقبض على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصله.

 

وقال:

 

“مين؟”

 

ساد صمت طويل.

 

طويل جدًا.

 

ثم قال عمر أخيرًا:

 

“افتحوا الملف… وهتعرفوا.”

 

وفجأة…

 

انقطع الاتصال.

 

نظرنا جميعًا إلى الهاتف.

 

ثم إلى بعضنا.

 

وفي اللحظة نفسها تقريبًا…

 

ركض أحد الحراس من جهة السيارات وهو يلهث.

 

كان وجهه شاحبًا.

 

وعيناه ممتلئتين بالذعر.

 

صرخ بأعلى صوته:

 

“مدام ليلى!”

 

التفتُّ نحوه بسرعة.

 

فقال الجملة التي أوقفت قلبي:

 

“ياسمين مش موجودة!”

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *