وجع بسيط حكايات اسما ×5
ظل سامي يحدق في الشاشة لعدة ثوانٍ.
لا يتحرك.
لا يتكلم.
فقط ينظر إلى طارق.
وإلى الحقيبة السوداء.
وإلى الصور التي ملأت داخلها.
أما الرجال حوله فكانوا ينتظرون أمرًا واحدًا.
القبض عليه.
أو إطلاق النار.
لكن سامي رفع يده فجأة.
“محدش يتحرك.”
نظر إليه أحد رجاله بدهشة.
“بس ده طارق!”
أجاب سامي بهدوء:
“عارف.”
ثم اتجه نحو الباب.
—
في الخارج…
كانت الرياح الباردة تضرب الأشجار المحيطة بالمكان.
وقف طارق بجوار سيارته.
هادئًا بشكل مخيف.
كأنه لم يكن الرجل المطلوب في عشرات القضايا.
ولا الرجل الذي تطارده الشرطة في أنحاء البلاد.
وعندما خرج سامي من المبنى…
التقت أعينهما لأول مرة منذ خمسة عشر عامًا.
ساد صمت طويل.
ثم قال طارق:
“كبرت.”
ابتسم سامي بسخرية.
“وأنت لسه كذاب.”
ضحك طارق.
ضحكة قصيرة.
مرهقة.
وقال:
“مش جاي أقاتلك.”
“أمال جاي ليه؟”
رفع الحقيبة السوداء.
“عشان أنهي اللي بدأناه.”
—
في نفس الوقت…
داخل مبنى الشرطة.
وصل تقرير جديد.
أحد خبراء الأدلة الجنائية كان يراجع محتويات المخزن السري.
وفجأة اكتشف شيئًا مهمًا.
شيئًا قلب التحقيق بالكامل.
ركض إلى مكتب الرائد كريم.
ووضع ملفًا ضخمًا أمامه.
قال:
“لازم تشوف ده حالًا.”
فتح الرائد الملف.
وبدأ يقرأ.
ثم اتسعت عيناه تدريجيًا.
وتحولت الصدمة إلى ذهول.
لأن الملفات كشفت حقيقة مختلفة تمامًا.
حقيقة لم يتوقعها أحد.
معظم الأشخاص الموجودين في الصور…
لم يكونوا ضحايا طارق.
بل كانوا شهودًا.
أشخاصًا كانوا مهددين بالقتل.
أو الاختفاء.
أو التصفية.
وكان هناك سجل كامل يوضح أماكن نقلهم.
وأسماء الأشخاص الذين كانوا يطاردونهم.
وشبكة أكبر بكثير من طارق نفسه.
شبكة امتدت لسنوات.
وضمت رجال أعمال ومسؤولين فاسدين وعصابات تهريب.
همس الرائد:
“إحنا كنا باصين للاتجاه الغلط.”
—
أما سلمى…
فكانت تستمع إلى كل ذلك وهي تشعر بأن الحقيقة أصبحت أكثر تعقيدًا مع كل ساعة.
سألت:
“يعني طارق بريء؟”
هز الرائد رأسه فورًا.
“لا.”
ثم أغلق الملف.
“لكن واضح إنه مش المجرم الوحيد.”
—
في مكان احتجاز مريم.
كانت الطفلة تجلس بجوار ليلى.
عندما دخل سامي.
نظر إلى مريم طويلًا.
ثم جلس أمامها.
وقالت بخوف:
“هو بابا جه؟”
تردد للحظة.
ثم أجاب:
“أيوة.”
اتسعت عيناها.
“عايز ياخدني؟”
أغمض سامي عينيه لثانية.
ثم قال:
“هو عايز يقول الحقيقة.”
—
في الخارج.
ألقى طارق الحقيبة أمام سامي.
فتناثرت الصور والملفات فوق الأرض.
ثم قال:
“كلنا كنا شغالين لصالح ناس أكبر مننا.”
لم يرد سامي.
فأكمل:
“بس أنت الوحيد اللي حاول يهرب.”
قال سامي ببرود:
“عشان اكتشفت إنهم بيخطفوا أطفال.”
ساد الصمت.
ثم قال طارق:
“وأنا ساعدتك.”
نظر إليه سامي بغضب.
“بعد ما ضربتني بالنار.”
أخفض طارق رأسه.
ولأول مرة منذ بداية القصة…
ظهر الندم على وجهه.
“ماكانش المفروض تنجو.”
تجمد سامي.
“إيه؟”
رفع طارق عينيه إليه.
وقال:
“الطلقة كانت تمثيلية.”
اتسعت عينا سامي.
لكن طارق أكمل:
“كان لازم يفتكروا إنك مت.”
“ليه؟”
“عشان لو عرفوا إنك عايش كانوا قتلوك وقتلوا سلمى.”
—
في تلك اللحظة بالذات…
رن هاتف طارق.
نظر إلى الشاشة.
ثم شحب وجهه.
سأله سامي:
“مين؟”
لم يجب.
فتح المكالمة.
ووضع الهاتف على مكبر الصوت.
وجاء صوت رجل عجوز.
هادئ.
بارد.
مخيف.
“مساء الخير يا طارق.”
تجمد الاثنان.
لأنهما عرفا الصوت فورًا.
الرجل الذي ظنوا أنه مات منذ سنوات.
الرجل الذي بدأت منه كل الكوارث.
قال سامي بصوت مخنوق:
“محمود الجبالي…”
ضحك الرجل عبر الهاتف.
ثم قال:
“مبسوط إنكم رجعتوا لبعض.”
شعر طارق بأن الدم تجمد في عروقه.
أما سامي فقبض يده بقوة.
وأكمل الصوت:
“لأن ده هيوفر عليا وقت كتير.”
“تقصد إيه؟”
جاء الرد هادئًا:
“أقصد إنكم هتموتوا سوا.”
ثم انقطع الخط.
وفي اللحظة نفسها…
دوى انفجار هائل في الجهة الخلفية من المجمع.
واهتزت الأرض تحت أقدام الجميع.
بينما بدأت ألسنة النار ترتفع في السماء.
وكانت أول رسالة حقيقية من العدو الذي لم يظهر وجهه بعد…
يتبع…
اهتزت الأرض بعنف.
وتطاير الزجاج من النوافذ الخلفية.
وسقط أحد الحراس أرضًا من شدة الانفجار.
أما سامي وطارق فالتفتا معًا نحو ألسنة اللهب التي ارتفعت خلف المبنى.
لثانية واحدة فقط…
نسي الاثنان عداء خمسة عشر عامًا.
لأنهما عرفا شيئًا واحدًا.
محمود الجبالي وجدهم.
—
في الداخل…
دوى صوت أجهزة الإنذار في كل أرجاء المجمع.
وأسرع الرجال لإخلاء المكان.
كانت مريم تبكي وهي تتمسك بيد ليلى.
بينما سحبهم أحد الحراس نحو المخرج الآمن.
صرخت مريم:
“فين ماما؟!”
لكن أحدًا لم يكن يملك جوابًا.
—
في القاهرة…
وصل الخبر إلى الرائد كريم خلال دقائق.
انفجار.
موقع مجهول.
ضحايا غير معروفين.
واتصال مرتبط باسم محمود الجبالي.
شحب وجهه فورًا.
لأن محمود الجبالي لم يكن مجرد اسم.
بل شبحًا قديمًا.
اسمًا ظهر في عشرات الملفات.
ثم اختفى.
رجل لم يُقبض عليه يومًا.
ولم تُثبت عليه جري..مة واحدة رسميًا.
رغم أن الجميع يعرف أنه وراء مئات الجرائم.
قال أحد الضباط:
“إحنا بنتعامل مع مين بالظبط؟”
فتح الرائد ملفًا قديمًا جدًا.
ثم قال:
“أسوأ شخص قابلته في حياتي.”
—
في موقع الانفجار…
كانت النيران تلتهم الجزء الخلفي من المبنى.
لكن سامي لم يتحرك.
كان ينظر إلى الدخان.
وكأن شيئًا ما استيقظ بداخله.
قال طارق:
“لازم نمشي.”
لم يرد.
“سامي!”
التفت إليه أخيرًا.
ثم قال:
“أنا السبب.”
قطب طارق حاجبيه.
“إيه؟”
أجاب بصوت منخفض:
“أنا اللي كنت فاكر إني هقدر أهرب منهم.”
ثم أضاف:
“بس محدش بيهرب من محمود الجبالي.”
—
في تلك اللحظة…
وصلت سيارة سوداء مسرعة.
قفز منها رجل خمسيني.
وجهه مغطى بالدم.
وكان يلهث بقوة.
ركض مباشرة نحو سامي.
وقال:
“لقيناها.”
تجمد سامي.
“مين؟”
“الدفاتر.”
شحب وجه طارق فورًا.
أما سامي فأمسك الرجل من كتفيه.
“متأكد؟”
أومأ برأسه.
“كل حاجة.”
—
بعد دقائق…
اجتمع الجميع داخل مخزن قديم بعيد عن موقع الانفجار.
وضع الرجل حقيبة جلدية كبيرة فوق الطاولة.
ثم فتحها.
وفي الداخل…
كانت هناك دفاتر.
قديمة.
سميكة.
مكتوبة بخط اليد.
قال الرجل:
“دي سجلات محمود الجبالي.”
فتح سامي أول دفتر.
وبدأ يقلب الصفحات.
ثم شعر بأن الدم يتجمد في عروقه.
أسماء.
تواريخ.
مبالغ مالية.
عمليات تهريب.
رشاوى.
جرائم.
وقوائم طويلة جدًا.
لكن ما أوقفه فجأة…
كان اسم ظهر في منتصف إحدى الصفحات.
اسم يعرفه جيدًا.
قرأه بصوت مرتجف:
“سلمى عبد الرحمن.”
شحب وجه الجميع.
اقترب طارق بسرعة.
وأخذ الدفتر.
ثم قرأ السطر كاملًا.
وكان مكتوبًا:
“سلمى عبد الرحمن — شاهد محتمل يجب التخلص منه إذا استعاد سامي ذاكرته.”
ساد الصمت.
ثم همس سامي:
“يا إلهي…”
—
في مكان آخر…
كانت سلمى جالسة داخل غرفة الحماية.
تحاول الاتصال بأي رقم يمكن أن يوصلها إلى مريم.
لكن بلا فائدة.
ثم فجأة…
رن هاتفها.
رقم مجهول.
شعرت بقشعريرة.
وأجابت.
وجاءها صوت رجل عجوز.
هادئ جدًا.
هادئ بطريقة مرعبة.
“مساء الخير يا سلمى.”
تجمدت.
“مين؟”
ضحك الرجل.
ثم قال:
“واضح إن سامي ما حكيش لك الحقيقة كلها.”
شحب وجهها.
“إنت مين؟”
“محمود الجبالي.”
توقفت أنفاسها.
ثم أكمل:
“تحبي تعرفي سر اختفاء سامي؟”
أغلقت عينيها.
وقلبها يخفق بعنف.
لكنها لم تستطع إنهاء المكالمة.
فقال الرجل:
“هو ما اختفاش.”
“إيه؟”
“هو هرب.”
ساد الصمت.
ثم أضاف:
“وسابك بإرادته.”
شعرت وكأن أحدهم طعنها في قلبها.
لكن محمود أكمل:
“والأجمل من كده…”
توقف لحظة.
ثم قال:
“إنه كان يعرف إنك حامل.”
سقط الهاتف تقريبًا من يدها.
وتجمد العالم كله حولها.
لأن هذه كانت أول مرة تسمع تلك الجملة.
وأول مرة يخطر ببالها سؤال مرعب:
إذا كان سامي يعرف…
فلماذا تركها وحدها كل تلك السنوات؟
يتبع…بقيت سلمى ممسكة بالهاتف.
غير قادرة على الكلام.
ولا حتى على التنفس بشكل طبيعي.
أما محمود الجبالي فواصل حديثه بهدوء شديد.
ذلك الهدوء الذي يجعل الكلمات أكثر رعبًا.
“مستغربة؟”
لم تجب.
فقال:
“سامي عرف بحملك قبل اختفائه بأسبوع.”
شعرت بأن الغرفة تدور حولها.
“كذاب.”
ضحك الرجل.
“أتمنى أكون كذاب.”
ثم أضاف:
“اسأليه بنفسك.”
وانقطع الخط.
—
جلست سلمى مكانها دقائق طويلة.
تحدق في الفراغ.
كل ما بنته طوال السنوات الماضية بدأ يتشقق.
طارق ليس كما ظنت.
وسامي ليس كما ظنت.
والحقيقة أصبحت أكبر من الجميع.
ثم فجأة…
رن هاتفها مرة أخرى.
هذه المرة كان الرائد كريم.
أجابت فورًا.
“سلمى، لازم تشوفي حاجة.”
—
بعد ساعة واحدة.
وصلت إلى المكان السري الجديد تحت حراسة مشددة.
دخلت غرفة صغيرة.
وأغلق الباب خلفها.
ثم تجمدت في مكانها.
لأن سامي كان واقفًا هناك.
لأول مرة منذ خمسة عشر عامًا.
شعره امتلأ بالشيب.
ووجهه يحمل آثار سنوات طويلة من الهروب.
أما عيناه…
فكانتا نفس العينين اللتين أحبتهما يومًا.
ساد صمت طويل.
لا أحد منهما عرف ماذا يقول.
وأخيرًا همست:
“كنت عارف؟”
أغلق عينيه.
كأنه كان ينتظر السؤال منذ سنوات.
ثم قال:
“أيوه.”
انكسرت آخر قطعة من قلبها.
“وإنت عارف إني حامل وسبتني؟”
ظهرت في عينيه دموع لم يحاول إخفاءها.
وقال:
“لو كنت فضلت معاكي كنتوا موتوا.”
صرخت:
“ماكانش من حقك تقرر!”
اهتز صوته لأول مرة.
“كانوا هيقتلوكي.”
“مين؟”
“محمود الجبالي.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“لما اكتشفت الشبكة… واكتشفت إنهم بيستخدموا الأطفال… حاولت أبلغ عنهم.”
أخفض رأسه.
“لكن محمود عرف.”
رفع نظره إليها.
“وفي الليلة اللي هربت فيها… وصلتني رسالة فيها صورتك.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
“صورتي؟”
أومأ برأسه.
“وصورة بيت أهلك.”
ثم أضاف:
“وتهديد إن أول رصاصة هتكون فيكي.”
—
في تلك اللحظة دخل طارق.
وتوقف عند الباب.
نظر إلى سلمى.
ثم إلى سامي.
وقال بهدوء:
“هو بيقول الحقيقة.”
استدارت نحوه بصدمة.
“إنت؟”
أخفض رأسه للحظة.
ثم قال:
“أنا اللي وصلته الرسالة.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل جدًا.
ثم تابع:
“كنت شغال معاهم وقتها.”
ارتجفت يد سلمى.
أما طارق فأكمل:
“لكن لما عرفت إنهم ناويين يقتلوكي… ساعدت سامي يهرب.”
ضحكت سلمى بمرارة.
“وبعدين اتجوزتني؟”
لم يجد جوابًا.
لأنها كانت الحقيقة.
—
قبل أن يتكلم أحد…
انفتح الباب فجأة.
ودخل أحد رجال الأمن بسرعة.
وكان وجهه شاحبًا.
“عندنا مشكلة.”
وقف الجميع.
“إيه؟”
أجاب الرجل:
“لقينا مكان محمود.”
تسارعت الأنفاس.
“فين؟”
قال:
“في ميناء قديم على البحر الأحمر.”
ثم أضاف:
“والأخطر…”
نظر إلى سامي مباشرة.
“مريم هناك.”
شحب وجه سلمى.
أما سامي وطارق فنظرا إلى بعضهما للمرة الأولى دون عداوة.
لأن شيئًا واحدًا فقط أصبح مهمًا الآن.
إنقاذ مريم.
—
قبل الفجر بساعات.
تحركت قافلة من السيارات نحو الميناء المهجور.
كانت الأمواج تضرب الأرصفة القديمة.
والضباب يغطي المكان.
ومن بعيد ظهرت سفينة ضخمة متوقفة قرب الرصيف.
قال أحد الضباط:
“المصدر أكد إن محمود جوه.”
أومأ الرائد كريم.
ثم أعطى إشارة التقدم.
تحركت القوة بصمت.
حتى وصلوا إلى المستودع الرئيسي.
ومن خلال نافذة مكسورة…
رأوا المشهد.
محمود الجبالي.
يجلس على كرسي خشبي.
وأمامه مريم.
سالمة.
لكن مقيدة.
رفع سامي سلا..حه.
لكن طارق أمسك ذراعه.
“استنى.”
“بنتي هناك.”
“عارف.”
ثم أشار إلى الداخل.
فتجمد سامي.
لأن مريم لم تكن وحدها.
كان هناك أطفال آخرون.
كثيرون.
أكثر مما توقعوا.
وأدرك الجميع أن أي خطأ…
قد يحول المكان إلى مجزرة.
لكن بينما كانوا يراقبون…
رفع محمود رأسه فجأة.
ونظر مباشرة نحو النافذة.
نحو مكان اختبائهم بالضبط.
ثم ابتسم.
ابتسامة واسعة.
وكأنه كان ينتظرهم منذ البداية.
بعدها مد يده ببطء.
وضغط زرًا صغيرًا على الطاولة أمامه.
وفي اللحظة نفسها…
بدأ عداد أحمر يضيء على جدار المستودع.
10:00
09:59
09:58
همس أحد الضباط:
“يا نهار أبيض…”
أما محمود فوقف من مكانه.
ونظر نحو الباب.
وقال بصوت مرتفع:
“أهلًا بيكم.”
يتبع…