بعد الرحيل حكايات اسما ×3
الفصل الثالث: الصندوق المدفون
لم أنم تلك الليلة.
كلما أغمضت عيني رأيت وجه ياسمين وهي في السابعة عشرة.
تلك الابتسامة الخجولة.
تلك النظرات التي لم أفهمها.
وتلك الرسالة التي ظلت حبيسة الظرف أربعين عامًا.
مع شروق الشمس، كنت قد اتخذت قراري.
سأذهب إلى البيت القديم.
حتى لو لم أجد شيئًا.
حتى لو كانت مجرد أوهام كتبتها فتاة مريضة.
كان عليّ أن أعرف.
وصلت إلى الحي قبل الظهر.
تغير كل شيء تقريبًا.
المحال القديمة اختفت.
الأشجار أصبحت أكبر.
والبيوت طُليت عشرات المرات.
لكن منزل ياسمين ظل واقفًا في مكانه.
كأنه رفض أن يشيخ.
كان بيتًا متواضعًا من طابقين.
تحيط به حديقة صغيرة مهملة.
وقفت أمام الباب للحظات.
أشعر أنني على وشك فتح باب إلى الماضي نفسه.
قبل أن أطرق، فُتح الباب من الداخل.
ظهرت المرأة التي رأيتها في الجنازة.
أخت ياسمين.
نظرت إليّ طويلًا.
وكأنها كانت تتوقع مجيئي.
ثم قالت بهدوء:
ـ عرفت إنك هتيجي.
تجمدت.
ـ عرفتي؟
ابتسمت بحزن.
ـ ياسمين كانت متأكدة إنك هتقرأ الرسالة في يوم من الأيام.
ـ حتى بعد أربعين سنة؟
ـ كانت مؤمنة بده.
صمتت لحظة ثم فتحت الباب أكثر.
ـ اتفضل.
دخلت المنزل.
وكان الزمن ما زال يعيش فيه.
صور قديمة على الجدران.
ساعة حائط عتيقة.
أثاث يعود لعقود مضت.
كل شيء بدا كأنه متحف صغير للحياة التي لم أعشها.
جلست أمامها.
وقدمت لي كوب شاي.
ثم قالت:
ـ اسمي نادية.
هززت رأسي.
ـ أنا محمود.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
ـ أعرف.
ثم أضافت:
ـ ياسمين كانت بتحكي عنك كتير.
شعرت بشيء يعتصر قلبي.
كيف يمكن لإنسانة أن تذكر اسمي طوال حياتها بينما نسيتها أنا تقريبًا؟
أخرجت الرسالة من جيبي.
وضعتها أمامها.
نظرت إليها طويلًا.
ثم تنهدت.
ـ أخيرًا قريتها.
ـ إنتِ كنتِ تعرفي اللي فيها؟
ـ أعرف كل حاجة.
ـ وحتى موضوع أبويا؟
ـ أيوه.
ـ ومن زمان؟
ـ من أكتر من أربعين سنة.
أحسست بالغضب فجأة.
غضب على أبي.
وعلى الماضي.
وعلى الأسرار.
ـ ليه محدش قالي؟
خفضت رأسها.
ـ لأن أمي طلبت كده.
ـ وليه؟
ـ لأنها كانت خايفة.
ـ من إيه؟
ـ من الناس.
ضحكت بمرارة.
ـ الناس ضيعت حياة ناس كتير.
هزت رأسها بصمت.
بعد دقائق، وقفت نادية.
وقالت:
ـ تعال معايا.
صعدنا السلم الخشبي القديم.
إلى الطابق العلوي.
ثم توقفت أمام باب أبيض.
وقالت:
ـ دي أوضتها.
شعرت بقشعريرة.
غرفة ياسمين.
بعد كل هذه السنوات.
دفعت الباب ببطء.
ودخلت.
كانت الغرفة بسيطة جدًا.
سرير صغير.
مكتبة.
مكتب خشبي.
نافذة تطل على الحديقة.
وكأن صاحبتها خرجت منها منذ ساعة فقط.
اقتربت من المكتب.
وجدت فوقه إطار صورة.
التقطته.
وكانت الصورة لنا.
أنا وهي.
في حفل التخرج.
شعرت بأنفاسي تختنق.
أنا لم أملك هذه الصورة أصلًا.
لم أكن أعرف أنها موجودة.
لكنها احتفظت بها.
طوال عمرها.
اقتربت نادية من إحدى زوايا الغرفة.
ثم ركعت على الأرض.
ورفعت لوحًا خشبيًا صغيرًا من أسفل السجادة.
ظهر تجويف مخفي.
وفي داخله…
صندوق خشبي داكن.
نفس الصندوق الذي ذكرته الرسالة.
توقفت أنفاسي.
حملته ووضعته فوق السرير.
كانت يداي ترتجفان.
ببطء…
فتحته.
وفي اللحظة نفسها شعرت أن العالم كله انقلب.
لأن أول شيء رأيته كان صورة لأبي.
لكن ليس مع أم ياسمين.
ولا مع طفلته.
بل مع رجل آخر أعرفه جيدًا جدًا.
رجل كنت أعتبره عمري كله أقرب أصدقاء أبي.
الرجل الذي كان يزور بيتنا كل أسبوع.
الرجل الذي حضر زفافي.
وحملني يوم وفاة أبي.
عمي فؤاد.
لكن الصورة لم تكن المشكلة.
المشكلة كانت ما كُتب خلفها.
بخط يد أبي.
“إلى فؤاد…
إذا حدث لي شيء، احتفظ بالنصف الثاني من الوثائق.
لا أحد يجب أن يعرف بالحقيقة.”
شعرت ببرودة تسري في ظهري.
نصف الوثائق؟
أي وثائق؟
بدأت أفتش محتويات الصندوق بسرعة.
رسائل.
صور.
أوراق رسمية.
مذكرات.
ثم وجدت ملفًا أصفر سميكًا.
فتحت أول صفحة.
فتجمدت في مكاني.
كان عقد ملكية.
مؤرخًا عام 1978.
ويحمل اسم أبي.
ثم اسم آخر.
اسم لم أره من قبل.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الصفحة التالية.
لأنها احتوت على شهادة ميلاد.
واسم الأب فيها…
كان اسم والدي.
لكن اسم الطفل لم يكن ياسمين.
ولم يكن أنا.
كان اسمًا ثالثًا.
شخص آخر.
شخص لم أسمع عنه في حياتي.
شخص يبدو أنه أخ ثالث لنا.
أخ مفقود.
اختفى تمامًا من كل روايات العائلة.
رفعت رأسي ببطء نحو نادية.
كانت شاحبة الوجه.
ثم همست:
ـ أنا كنت عارفة إنك هتلاقيها.
ـ تلاقي إيه؟
ابتلعت ريقها.
وقالت الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقي:
ـ لأن ياسمين اكتشفت قبل موتها إن عندنا أخ تالت…
وإنه ما اختفاش لوحده.
حد خلاه يختفي.
وكل الأدلة كانت بتشير لشخص واحد.
عمي فؤاد.
وفي أسفل الملف…
كان هناك ظرف مغلق آخر.
مكتوب عليه بخط ياسمين:
“لا تفتحه إلا إذا كنت مستعدًا لمعرفة من قتل الحقيقة.”
يتبع في الفصل الرابع…