عروستي حكـايـات أسمـا ×1
العروسة سمعت ضحكة أختها ورا باب الخدمة قبل كتب الكتاب بعشر دقايق… ولما رجعت للقاعة كانت عارفة إن الفرح انتهى قبل ما يبدأ.
سمعت ياسمين ضحكة أختها سارة قبل كتب الكتاب بعشر دقايق.
مش الضحكة العادية اللي الناس بتضحكها في الأفراح.
لأ…
دي كانت ضحكة انتصار.
النوع اللي بيطلع من حد كسب معركة وهو متأكد إن محدش هيقدر يوقفه.
في اللحظة اللي رجعت فيها ياسمين ناحية قاعة الأفراح، كانت عرفت إن كل حاجة انتهت.
الصوت طلع من فتحة صغيرة في باب خدمة نص مقفول جنب حمام السيدات.
وقفها مكانها.
لدرجة إن طرف فستانها الأبيض جرّ على الأرض الرخام بصوت خافت.
وراها كانت قاعة الأفراح في أحد أكبر فنادق القاهرة منورة بالنجف الكريستال والورد الأبيض والديكورات الفخمة اللي تخلي أي حد يفتكر إن الحياة مثالية.
فرقة موسيقية هادية كانت بتعزف.
وأكتر من ميتين مدعو مستنيين اللحظة الأخيرة…
كتب الكتاب.
التصفيق.
والبداية الجديدة اللي الكل كان فاكرها قصة حب جميلة.
وفجأة…
ضحكت سارة تاني.
ياسمين كانت عارفة الضحكة دي كويس.
سمعتها زمان وهي صغيرة لما كانت سارة تكسر حاجة وتلبسها لحد تاني.
سمعتها في العزايم.
وفي التجمعات العائلية.
وفي كل مرة كانت تبتسم قدام الناس وتغرز سكينة في ضهرها من وراهم.
لكن المرة دي مختلفة.
أخفض.
أجرأ.
وأكتر غرورًا.
ضحكة واحدة كانت كفاية تقول إنها كسبت.
ياسمين ما صرختش.
ما فتحتش الباب فجأة.
وما عملتش أي مشهد.
لكن جواها…
كان فيه حاجة اتكسرت فعلًا.
طلعت موبايلها بهدوء.
وشغلت التسجيل.
ومن ورا الباب سمعت صوت كريم المنصوري…
العريس.
وهو بيقول بصوت واطي:
ـ وطي صوتك… الناس في كل حتة.
ضحكت سارة.
ـ اهدى يا كريم… إحنا خلاص مضينا على كل الورق. هي فاكرة الليلة دي هتنتهي بشهر عسل… وهي متعرفش إنها هتنتهي بتوكيلات وعقود.
حست ياسمين إن الأرض بتتحرك تحت رجليها.
سندت ضهرها على الحيطة الباردة.
لكن ملامح وشها فضلت ثابتة.
عمرها كله كانت بتتعلم إزاي تفضل قوية حتى وهي بتتوجع.
تنهد كريم بضيق.
ـ المهم أمك تنفذ اللي اتفقنا عليه. لازم تنقل جزء من الأسهم وتوقع على المستندات. ياسمين عمرها ما بتعرف ترفض لما الموضوع يبقى باسم العيلة.
ضحكت سارة.
ـ لأنها طول عمرها بتحاول تبقى البنت المثالية. وده اللي بيخلي التحكم فيها سهل.
البنت المثالية…
الكلمة نزلت على قلبها زي السكين.
وبعدين كمل كريم:
ـ الأول التوكيل العام… بعدين الأسهم… وبعدها الفيلا اللي في التجمع الخامس تبقى ضمان للمشروع الجديد. وقتها حتى لو حبت ترجع في كلامها مش هتعرف.
سارة قربت منه وقالت:
ـ إنت وعدتني إن بعد الفرح كل حاجة هتخلص. أنا ما استحملتش تلات سنين مستخبية عشان أفضل أشوفك عامل فيها الزوج المخلص.
تلات سنين.
إيد ياسمين اتقبضت على الموبايل.
تلات سنين كاملة.
يعني أعياد ميلاد.
ومناسبات.
ومستشفيات.
وعزا أبوها.
وتجمعات العيلة.
وتفاصيل عمر كامل.
تلات سنين كانت أختها قاعدة قدامها على السفرة تساعدها تختار الفستان.
وتسألها عن تجهيزات الفرح.
وفي نفس الوقت…
كانت على علاقة بالرجل اللي ياسمين جاية تتجوزه بعد دقائق.
وفي اللحظة دي…
بصت ياسمين لانعكاسها في المراية اللي قدامها.
فستان أبيض.
مكياج مثالي.
طرحة مرصعة باللولي.
وابتسامة كانت المفروض تبقى سعيدة.
لكن الحاجة الوحيدة اللي اتغيرت…
كانت عينيها.
لأنها ما بقوش مكسورين.
بقوا باردين جدًا.
وعرفت إن الليلة دي…
مش هتمشي زي ما هم مخططين.
ياسمين ما اتحركتش لمدة ثواني.
ثواني قليلة…
لكنها كانت كفاية عشان عمر كامل ينهار جواها.
كل ذكرى بينها وبين كريم بدأت تعدي قدام عينيها بسرعة.
أول مرة شافته.
أول وردة جابها.
أول مرة قالها إنه مستحيل يخون ثقتها.
وكل مرة كانت سارة قاعدة جنبهم تضحك وكأنها أختها الحبيبة.
دلوقتي بس فهمت سبب نظرات كتير.
سبب اختفاءات غريبة.
سبب مكالمات كانت بتتقفل أول ما تدخل.
والمصيبة الأكبر…
إنهم ما كانوش بس بيخونوها.
كانوا بيخططوا يسرقوا حياتها كلها.
أموالها.
أسهمها.
بيت أبوها.
كل حاجة.
سمعت صوت سارة مرة تانية.
ـ بعد الليلة دي هتبقى كل حاجة باسمنا يا كريم.
ضحك كريم بخفة.
ـ وبعدين؟
ـ وبعدين نتجوز زي ما اتفقنا.
ساد صمت قصير.
ثم سمعته بيقول:
ـ كنت خايف في الأول.
ـ من إيه؟
ـ من إنها تكتشف.
ضحكت سارة بثقة.
ـ ياسمين؟
مستحيل.
دي آخر واحدة في الدنيا ممكن تشك في أختها.
الكلمة دي تحديدًا…
خلت قلب ياسمين يبرد.
مش يوجع.
يبرد.
لأن الإنسان لما الألم يوصل لدرجة معينة…
بيتحول لحاجة أخطر.
للغضب الهادئ.
الغضب اللي بيخطط.
مش الغضب اللي بيصرخ.
قفلت التسجيل.
وخدت نفس طويل.
وبعدين مشت بعيد عن الباب كأنها ما سمعتش أي حاجة.
وصلت لآخر الممر.
وقفت قدام مراية ضخمة.
بصت لنفسها.
وقالت بصوت واطي:
ـ خلاص يا ياسمين.
كفاية طيبة.
كفاية ثقة.
كفاية إنك تسيبي الناس تلعب بيكي.
رفعت موبايلها.
وفتحت اسم واحد بس.
المحامي الخاص بوالدها الراحل.
المستشار فؤاد الشاذلي.
الرجل اللي أبوها كان بيثق فيه أكتر من أي حد.
ضغطت اتصال.
رد بعد ثواني.
ـ ياسمين؟
اتأخرتي ليه؟ أكيد في توتر قبل كتب الكتاب.
قالت بهدوء غريب:
ـ محتاجة خدمة حالًا.
سكت الرجل لحظة.
ـ خير؟
ـ عاوزاك تيجي الفندق فورًا.
ـ دلوقتي؟
ـ حالًا.
من غير أسئلة.
واضطرت لأول مرة في حياتها تستخدم النبرة اللي كانت بتسمعها من أبوها زمان.
نبرة الأوامر.
فؤاد فهم فورًا إن فيه كارثة.
ـ أنا في الطريق.
قفلت المكالمة.
وبعدين فتحت رقم تاني.
أخوها الأكبر عمر.
الرجل الوحيد اللي عمرها ما خذلها.
رد بسرعة.
ـ عروستنا الجميلة.
قالت:
ـ تعالى الفندق حالًا.
ـ إيه اللي حصل؟
ـ هتعرف لما توصل.
لكن تعالى ومعاك رجالتك.
صمت.
ثم قال:
ـ عشرين دقيقة وأكون عندك.
قفلت.
وبعدين مسحت دمعة كانت على وشك تنزل.
آخر دمعة.
على الأقل الليلة دي.
بعدها دخلت غرفة العروسة.
الكل اتفاجأ بابتسامتها.
الكوافيرة قالت:
ـ أخيرًا رجعتي.
الناس كلها مستنياكي.
ابتسمت ياسمين.
ـ عارفة.
إحدى صديقاتها قالت:
ـ متوترة؟
ـ أبدًا.
الغريب إن ده كان حقيقي.
لأن التوتر بيبقى من حاجة لسه هتحصل.
أما هي…
فكانت عرفت الحقيقة بالفعل.
بعد عشر دقائق.
وصل عمر.
وبعده بخمس دقائق وصل المستشار فؤاد.
طلبت ياسمين يشوفوها لوحدهم.
أول ما دخلوا الغرفة وقفلوا الباب.
شغلت التسجيل.
ثلاث دقائق كاملة.
ولا كلمة اتقالت.
ولا حد قاطع.
لحد ما التسجيل خلص.
عمر كان وشه أحمر من الغضب.
لدرجة إن عروقه برزت.
فؤاد سحب نظارته ببطء.
وقال:
ـ الحمد لله إنك سمعتي ده قبل كتب الكتاب.
عمر ضرب الحيطة بإيده.
ـ والله أقتله.
قالت ياسمين:
ـ لأ.
بصوا لها.
ـ مش هنعمل أي حاجة دلوقتي.
عمر اتفاجئ.
ـ يعني إيه؟
ابتسمت.
لأول مرة.
بس الابتسامة دي ما كانتش لطيفة.
كانت مخيفة.
وقالت:
ـ هم فاكرين إنهم كسبوا.
خلينا نديهم الفرصة يحسوا بكده شوية.
المستشار فؤاد فهم قبل أي حد.
ـ بتفكري في إيه؟
قالت:
ـ عاوزاهم يقعوا قدام كل الناس.
مش قدامي بس.
قدام كل اللي حضروا.
قدام رجال الأعمال.
وقدام الصحافة.
وقدام العيلة كلها.
عمر بدأ يبتسم.
ـ دي أختي اللي أعرفها.
قالت:
ـ النهاردة مش فرحي.
النهاردة محاكمتهم.
وفي الخارج…
كان كريم واقف وسط المدعوين يبتسم بثقة.
وسارة تقف غير بعيدة عنه.
كلاهما يعتقد أن الخطة نجحت.
وأن ياسمين بعد دقائق هتمضي على بداية سقوطها.
لكن ما كانوش يعرفوا…
أن اللعبة كلها اتقلبت.
وأن العروس التي ستدخل القاعة بعد قليل…
لم تعد نفس الفتاة التي خرجت منها قبل عشر دقائق.
بل امرأة قررت أن تحرق القناع عن الجميع.
أمام أكثر من مئتي شاهد.
وفي اللحظة التي أعلن فيها مدير القاعة:
“العروس وصلت…”
كانت الصدمة الحقيقية على وشك أن تبدأ.
يتبع
