٣ شهور من العزله حكـايـات أسمـا ×2
بعد الرسالة دي… فضلت أيام وأنا حاسّة إن في باب قديم اتقفل جوايا أخيرًا.
مش باب كريم.
باب ندى القديمة.
النسخة اللي كانت مستعدة تشك في نفسها ألف مرة قبل ما تشك في اللي قدامها. النسخة اللي كانت تقف قدام المراية تتساءل: “يمكن أنا المشكلة؟” “يمكن لو كنت أخف… أهدى… أجمل… أكتر أنوثة…”
كل الأسئلة اللي بتاكل الست ببطء وهي بتحاول تلاقي سبب منطقي لوجع مالوش علاقة بيها أصلًا.
رجوعي للشغل ماكانش سهل.
في أول يوم ليا بعد الطلاق، وقفت قدام مبنى الشركة وأنا حاسة إن رجلي مش قادرة تتحرك. نفس البواب. نفس الريسبشن. نفس ريحة القهوة والمكاتب والتكييف البارد.
لكن أنا ماكنتش نفس الشخص.
زميلتي داليا أول ما شافتني جريت حضنتني. — وحشتيني يا بنتي!
ابتسمت بالعافية. — إنتِ كمان.
بصتلي بحذر. — عاملة إيه بجد؟
السؤال خبطني.
لأن أغلب الناس لما بتسأل “عاملة إيه” بتبقى مستنية الإجابة السريعة: “الحمدلله.”
لكن داليا كانت فعلًا عايزة تعرف.
تنهدت. — بحاول أتعلم أعيش من أول وجديد.
عينها لمعت بحزن. — تستاهلي بداية أحسن من اللي فات.
دخلت مكتبي القديم. ووقفت أبص على الكرسي.
افتكرت نفسي من سنين… وأنا قاعدة هنا مليانة طموح وضحك وحياة، قبل ما أسيب كل حاجة علشان أبقى “زوجة مثالية.”
فجأة حسيت بغضب.
غضب على المجتمع اللي بيقنع الست إن قيمتها الأساسية في إنها تتجوز وتخلف. غضب على نفسي إني صدقت. غضب على كل مرة كنت بقول: “الشغل ييجي بعدين.”
لكن وسط الغضب… كان في حاجة تانية بتطلع.
فخر.
لأني رغم كل حاجة… رجعت.
مش مكسورة.
ولا خايفة.
بعد شهور، بدأت ألاحظ إن كريم لسه موجود جوا دماغي أكتر مما كنت أحب أعترف.
مش حب. لكن أثر.
مثلًا… كل مرة راجل يقرب مني في الشغل، جسمي يتوتر تلقائي. كل مرة حد يمدح شكلي، أحس بعدم ارتياح. كل مرة حد يكلمني بلطف زيادة، يطلع صوت جوايا يقول: “خدي بالك… الكمال بيخوف.”
الدكتورة النفسية قالتلي مرة: — الصدمة مش بس اللي حصل. الصدمة كمان هي الطريقة اللي جسمك اتعلم بيها يخاف بعده.
وقتها فهمت ليه كنت بصحى أحيانًا على صوت المطر مرعوبة.
المطر بقى مربوط في عقلي بليلة الحقيقة.
وفي ليلة شتوية بعد سنة تقريبًا، كنت قاعدة لوحدي في البيت الجديد اللي اشتريته في المعادي.
شقة صغيرة. دافية. فيها نباتات كتير وضوء أصفر هادي.
مش قصر. ولا بيت عيلة كبير.
بس لأول مرة… مكان يشبهني.
كنت قاعدة بقرأ كتاب، وفجأة النور قطع.
اتجمدت.
قلبي بدأ يدق بسرعة مرعبة.
الضلمة رجعتني فورًا للممر الطويل في بيت كريم. للباب الموارب. للصوت الغريب.
إيديا بدأت ترتعش.
لكن بعدها بثواني… أخدت نفس عميق. وقمت جبت شمعة. وشغلتها.
ثم قعدت على الأرض وسط الصالة أضحك وسط دموعي.
لأن دي أول مرة… الخوف ما يكسبش.
أول مرة ما أجريش أستخبى من ذكرى.
أول مرة أحس إن البيت بتاعي فعلًا.
بعدها بفترة قصيرة… اتعرفت على “آسر.”
والمضحك؟ إني ماكنتش عايزة أتعرف على أي حد.
كان عميل جديد للشركة. دكتور نفسي أطفال. هادي جدًا بطريقة مستفزة.
أول مرة اتكلمنا فيها، كنت متحفزة تلقائي. أي راجل محترم زيادة عن اللزوم بقى يقلقني.
لكن آسر كان مختلف.
ما حاولش يبهرني. ما سألش أسئلة شخصية. ما لعبش دور المنقذ.
كان طبيعي.
وده كان أغرب شيء.
بمرور الوقت بقينا نتكلم أكتر. عن الشغل. عن الكتب. عن القاهرة والزحمة والمطر.
وفي مرة، كنا قاعدين في كافيه، وفجأة سألني: — إنتِ ليه كل ما حد يقرب منك شوية… ترجعي لورا؟
السؤال أربكني.
ضحكت بتوتر. — باين عليا؟
ابتسم بهدوء. — جدًا.
بصيت في فنجان القهوة. ثم قلت: — علشان مرة صدقت شخص كامل زيادة عن اللزوم… وطلع وهم.
سكت شوية. ثم قال: — الكمال مش حقيقي أصلًا. الناس الطبيعية فيها عيوب… بس العيب مش معناه أذى.
الجملة فضلت معايا أيام.
لأن لأول مرة… حد ما حاولش يقنعني إنه “مثالي.”
بعدها بشهور، بدأت أحكيله أجزاء من اللي حصل.
مش كله.
لكن كفاية يخليه يفهم.
ولما خلصت… كان أول رد فعل منه إنه سأل: — إنتِ كويسة دلوقتي؟
مش: “هو كان بيخونك؟” ولا: “إزاي ماخدتيش بالك؟”
بس: “إنتِ كويسة؟”
وده خلاني أعيط.
لأن في ناس كتير بعد الطلاق كانوا بيتعاملوا مع قصتي كفضيحة أو حكاية مثيرة. لكن قليل جدًا اللي اهتموا بالبنت اللي ضاعت جواها.
مرة، بعد ما خرجنا من الشغل، وقفنا تحت المطر مستنيين العربية.
فجأة سألني: — بتخافي من المطر؟
ضحكت بتوتر. — واضح أوي كده؟
قال بهدوء: — عيونك بتتوتر أول ما الدنيا تمطر.
سكت. ثم قلت: — المطر كشفلي أسوأ حقيقة في حياتي.
بص للسما. وبعدين قال: — ويمكن في يوم يبقى مجرد مطر تاني.
الجملة كانت بسيطة. لكنها دخلت قلبي بشكل غريب.
بمرور الوقت… بدأت أرجع لنفسي أكتر.
رجعت أضحك بصوت عالي. رجعت أنزل مع صحابي. رجعت ألبس اللي بحبه من غير ما أفكر إذا كان “أنثوي كفاية.” رجعت أنام من غير ما أستنى صوت خطوات حد في الطرقة.
وفي يوم… وأنا بوضب دولابي… لقيت قميص نوم قديم كنت شرياه أول سنة جواز.
لسه جديد تقريبًا.
ما استعملتوش غير مرة.
مسكته بإيدي… وفجأة افتكرت الليلة اللي لبسته فيها.
كنت عاملة عشا. وشعري مفرود. وعاملة كل حاجة علشان أحسس كريم إني مرغوبة.
لكنه دخل أوضته وقال إنه تعبان. وسابني واقفة لوحدي.
وقتها… قعدت أبكي قدام المراية وأسأل نفسي: “هو أنا ناقصة إيه؟”
دلوقتي… وأنا ماسكة القميص… حسيت بحزن رهيب على البنت دي.
بنت كانت بتتوسل حب شخص عمره ما كان متاح فعلًا.
حضنت القميص للحظة. ثم حطيته في كيس تبرعات.
لأن بعض الحاجات ما ينفعش نفضل محتفظين بيها.
حتى لو كانت مجرد قماشة.
بعد سنتين تقريبًا… وصلني خبر إن سعاد ماتت.
الخبر جالي من رقم غريب.
وكان كريم.
صوته كان هادي بشكل مرعب. — ماما ماتت النهارده.
قلبي اتقبض رغم كل حاجة.
سكت ثواني. ثم قلت: — البقاء لله.
صوته اتكسر فجأة. — أنا لوحدي يا ندى.
غمضت عيني.
كان زمان الجملة دي كفيلة ترجّعني له فورًا. زمان كنت هحاول أنقذه. أصلحه. أحضنه.
لكن دلوقتي… كنت فاهمة إن الوحدة مش مبرر إننا نرجع للأماكن اللي كسرتنا.
قلت بهدوء: — أتمنى تلاقي السلام يا كريم.
سكت. ثم سألني: — عمرك سامحتيني؟
السؤال فضل معلق بينا.
فكرت طويلًا قبل ما أرد.
ثم قلت: — أنا سامحت نفسي إني ما كنتش شايفة الحقيقة. والباقي… لسه بتعلمه.
سمعته بياخد نفس طويل.
وبعدين قال: — كنتِ أحسن حاجة حصلتلي… وأنا بوظتها.
المرارة اتحركت جوايا للحظة.
لكن بعدها… راحت.
قلت: — يمكن كل واحد فينا كان محتاج يخسر التاني علشان يعرف نفسه.
وقفلنا.
ما بكيتش بعد المكالمة.
لكن فضلت قاعدة في البلكونة وقت طويل أبص للمطر.
ولأول مرة… ما افتكرتش الليلة المرعبة.
افتكرت نفسي دلوقتي.
حية. حرة. وقادرة تختار.
بعدها بسنين… بقيت مديرة قسم كامل في الشركة. واشتريت شقة أكبر. وبقي عندي قطة سمّيتها “مشمش.” وصحابي بقوا يقولوا إني رجعت “ندى القديمة.”
لكن الحقيقة؟ أنا ما رجعتش.
أنا بقيت واحدة جديدة.
أهدى. أقوى. وأقل خوفًا من الوحدة.
وفي عيد ميلادي الـ35… آسر أخدني لمطعم صغير على النيل.
بعد العشا، طلع علبة صغيرة.
قلبي اتوتر فورًا.
يمكن لأن بعض الخوف ما بيروحش بسهولة.
فتح العلبة… ولقيت خاتم بسيط جدًا.
قال بسرعة قبل ما أتكلم: — مش لازم تردي دلوقتي. ومش لازم أصلًا تقولي أيوه. أنا بس حبيت تعرفي إن في حد شايفك كاملة… من غير ما يحاول يغيرك أو يخبيكي أو يستخدمك.
الدموع لمعت في عيني.
لأن دي أول مرة… حد يحبني من غير ما يطلب مني أمثل دور.
قلت بخوف صادق: — أنا لسه بخاف.
ابتسم. — وأنا مش مستعجل.
الكلمة دي وحدها… خلتني أحس بأمان أكتر من أي وعد كبير.
بعد شهور… وافقت.
لكن جوازنا كان مختلف.
مافيش بيت عيلة. مافيش أدوار مفروضة. مافيش تمثيل.
وفي أول ليلة بعد الجواز… لما حس بتوتري… ما قربش.
بس مسك إيدي وسألني: — تحبي نتكلم؟ ولا ننام؟
السؤال كسرني.
لأن لأول مرة… حد بيديني حق الاختيار.
حضنته وبكيت.
بكيت على كل ليلة حسيت فيها إني ناقصة. على كل مرة شكيت في أنوثتي. على كل لحظة كنت بحاول أستحق حب ماكانش حقيقي أصلًا.
وهو فضل ساكت… بس حاضني.
وفي اللحظة دي… فهمت الفرق بين الحب الحقيقي والخوف المتنكر في شكل حب.
بعد سنة… كنت واقفة في البلكونة مع آسر، بنشرب شاي والمطر نازل بهدوء.
ضحك وقال: — أخيرًا بقيتي تحبي المطر؟
بصيت للسما. ثم ابتسمت.
— لا… بس بطلت أخاف منه.
ولما دخلت أنام الليلة دي… عديت جنب المراية.
وقفت لحظة أبص لنفسي.
ثم قلت للبنت اللي جوايا: — شوفتي؟ ماكنتيش ناقصة حاجة أصلًا.
وبعد كل الكذب… والوجع… والسنين اللي ضاعت…
الحقيقة الوحيدة اللي فضلت واضحة…
إن أسوأ شيء ممكن يحصل للإنسان… مش إنه يتحب غلط.
أسوأ شيء… إنه يصدق إنه ما يستحقش حب حقيقي.
وأنا أخيرًا… بطلت أصدق الكذبة دي.
يتبع
