بدون سبب حكـايـات أسمـا ×3 والاخير
بعد الليلة دي، حياتي ما رجعتش طبيعية… لكنها بدأت تبقى حقيقية.
وفي فرق كبير بين الاتنين.
الطبيعي أحيانًا بيكون قناع. ابتسامة متعودة نلبسها علشان نعدي اليوم. لكن الحقيقة؟ الحقيقة كانت إني بقيت أصحى كل يوم وأسأل نفسي: أنا مين بعد كل ده؟ هل أنا هنا المنصوري الست اللي كسبت القضية وكسرت كريم؟ ولا أنا الست اللي لسه بتصحى أحيانًا مفزوعة من صوت خبطة باب؟ ولا الأم اللي أول ما آدم يعطس قلبها يقع من الخوف؟
يمكن كنت كلهم.
بعد الحكم النهائي، الناس افتكرت إن القصة خلصت. الصحافة جابت خبر “سقوط رجل الأعمال كريم السيوفي” كام يوم وبعدها جريت على فضيحة جديدة. السوشيال ميديا اتلهت بتريندات تانية. حتى البرامج اللي كانت مستضيفاني علشان أتكلم عن “قوة المرأة” بطلت تتصل.
بس أنا… أنا كنت لسه بجمع نفسي من الأرض.
البيت بقى هادي بطريقة غريبة. قصر المنصوري اللي كان زمان مليان اجتماعات وسهرات وشخصيات مهمة بقى ساكت أغلب الوقت. وأنا اخترت كده. لغيت حفلات. قفلت أبواب كتير. وبقيت أقضي معظم وقتي مع آدم.
كان بيكبر بسرعة تخوف.
أول ضحكة. أول خطوة. أول مرة يناديني “ماما” وهو بيجري ناحيتي.
كل لحظة كنت بحاول أحفظها جوا قلبي كأنها بتعالج حتة مكسورة جوايا.
لكن الماضي ماكانش سايبني بسهولة.
في ليلة من الليالي، صحيت على صوت صريخ.
استغرقني ثانيتين علشان أفهم إن الصريخ طالع مني أنا.
كنت قاعدة على السرير بعرق بارد، ونفسي مقطوع، وإيديا بترتعش.
الحلم رجع تاني.
الرخام. الدم. كريم وهو بيشد شعري. سامية وهي بتضحك وبتصور.
حطيت إيدي على بقي علشان أكتم شهقتي قبل ما أصحي آدم.
لكن الباب الصغير بتاع أوضته اتفتح ببطء.
طلع واقف ببيجامته الزرقا، وشعره منكوش، وعينه نعسانة.
— ماما؟
قلبي اتكسر.
مسحت دموعي بسرعة وفتحت له دراعي. جري عليا فورًا وتسلق السرير.
— في وحش؟
ضحكت رغم ألمي. — لا يا حبيبي.
حط إيده الصغيرة على خدي. — طب ليه بتعيطي؟
بصيتله طويلًا.
الأطفال عندهم قدرة مرعبة على كشف الحقيقة حتى وإنت بتحاول تخبيها.
قلت بهدوء: — أصل ماما افتكرت حاجة وحشة.
فكر ثواني. ثم قال بثقة: — خلاص… متفتكريهاش.
ضحكت وسط دموعي. — ياريت الموضوع سهل كده.
لكنه حضني بكل قوته الصغيرة. وقال: — أنا معاكي.
وفي اللحظة دي… حسيت إني نجيت فعلًا.
مش علشان المحكمة. ولا الفلوس. ولا القضايا.
لكن علشان ابني اللي اتولد في أسوأ ليلة في حياتي… بقى أحن حاجة فيها.
بعدها بشهور، نهى طلبت تشوفني في المكتب.
أول ما دخلت، لقيتها واقفة قدام الشباك وباين عليها التوتر.
وده شيء نادر جدًا.
قلت: — خير؟
لفت ناحيتي ببطء. — كريم طلع له استئناف.
اتجمدت.
رغم كل اللي حصل… مجرد سماع اسمه كان لسه يعمل حاجة غريبة في جسمي.
قلت: — وهيطلع؟
— الاحتمال ضعيف. لكن في حد بيدفع جامد جدًا علشان يخففوا الحكم.
قعدت بهدوء أحاول أستوعب. — مين؟
نهى سكتت لحظة. ثم قالت: — عمك هشام.
ضحكت بصدمة. — عمي؟!
هزت راسها. — واضح إنه كان شريك خفي في شوية صفقات مع كريم. ولو كريم فتح بقه… ناس كتير هتقع.
الغضب بدأ يغلي جوايا.
هشام المنصوري.
أخو أبويا اللي اختفى تقريبًا بعد وفاته. الراجل اللي كان دايمًا يبتسم زيادة عن اللزوم ويبصلي كأني طفلة غبية. كنت عارفة إنه طماع… لكن ما توقعتش يوصل للدرجة دي.
قلت: — هو فاكر إني هخاف؟
نهى قربت مني. — أنا عايزاكي تبقي ذكية… مش شجاعة وبس.
بصيتلها. — في فرق؟
قالت بحزم: — الشجاعة من غير حساب ساعات اسم تاني للتهور.
الكلام فضل معلق في دماغي وأنا راجعة البيت.
ولأول مرة من شهور… الخوف رجع.
مش على نفسي.
على آدم.
في نفس الليلة، طلبت من الحراسة تزود التأمين حوالين البيت والمدرسة. وحاولت أتصرف طبيعي.
لكن الأطفال بيحسوا.
وآدم حس.
وإحنا بنتعشى، سألني: — في حاجة وحشة حصلت؟
ابتسمت بسرعة. — لا.
رفع حاجبه الصغير بنفس طريقة أبويا بالظبط. — إنتِ كدبتي.
شهقت بضحكة صغيرة. — بقيت تعرف؟
قال بفخر: — أيوه.
بصيتله. ثم تنهدت.
ما كنتش عايزة أكبره وسط الرعب. لكن كمان ما كنتش عايزة أكذب عليه.
قلت: — في ناس وحشة بتحاول تضايقنا.
سكت ثانية. ثم سأل: — زي بابا زمان؟
قلبي وجعني.
قلت بهدوء: — شبهه.
بصلي بثبات غريب على طفل في سنه. ثم قال: — بس إحنا مش لوحدنا.
الدموع لمعت في عيني فورًا.
أحيانًا الأطفال بينقذونا من نفسنا.
بعد أسبوع، حصل اللي كنت خايفة منه.
كنت خارجة من المؤسسة بالليل بعد اجتماع طويل، وآدم نايم في العربية الخلفية مع دادة سعاد.
الحارس فتحلي الباب… وفجأة عربية سودا ظهرت بسرعة رهيبة ووقفت قدامنا بعنف.
قلبي وقف.
ثلاث رجالة نزلوا.
واحد منهم شد الباب وهو بيقول: — مدام هنا، عايزين دقيقتين بس.
الحارس وقف فورًا قدامه. — ابعد.
الراجل طلع سلاح.
وفي اللحظة دي… آدم صحي.
سمعته بينادي بخوف: — ماما!
العالم كله اتحول لون واحد جوا عيني.
الخوف.
مش على نفسي.
عليه هو.
صرخت باسم الحرس، والدنيا انفجرت حركة وصوت وضرب نار.
دادة سعاد حضنت آدم جوه العربية. وأنا اتسحبت بسرعة ورا العربية التانية.
الرصاص كان بيضرب في الحديد حواليّا.
لكن كل اللي كنت سامعاه… صوت آدم وهو بيعيط.
بعد أقل من دقيقة… العربية السودا هربت.
والشرطة وصلت.
لكن الدقيقة دي كانت كفاية علشان تخليني أرجع أترعش بالكامل.
آدم خرج من العربية جري ورمى نفسه في حضني.
كان بيعيط بهستيريا. — ماما… كنتي هتموتي؟
حضنته بقوة وأنا ببكي لأول مرة قدامه بالشكل ده. — لا يا حبيبي… لا…
لكن الحقيقة؟
إني كنت قريبة جدًا.
التحقيقات أثبتت بعدها إن الرجالة تابعين لواحد من شركاء هشام.
الرسالة كانت واضحة: “اسكتي.”
لكن اللي ما فهموش… إن الست اللي ولدت فوق حافة الموت… ما بقاش سهل تخويفها.
تاني يوم، دخلت مكتب هشام المنصوري بنفسي.
السكرتيرة حاولت تمنعني. لكنني دخلت.
كان قاعد ورا مكتبه الخشب الضخم، بيشرب قهوة، كأن الدنيا عادية.
أول ما شافني… ابتسم.
— هنا! يا بنت أخويا.
قربت منه ببطء. ثم ضربت الملف اللي في إيدي فوق المكتب.
اتناثر صور. حسابات. تحويلات.
ابتسامته اختفت.
قلت بهدوء مرعب: — ابعد عن ابني.
رجع لورا في كرسيه. — إنتِ فاهمة غلط.
ضحكت. — لا. إنت اللي ما فهمتش أنا بقيت مين.
قام بعصبية. — إنتِ مجرد ست محظوظة ورثت فلوس!
الجملة دي… كانت آخر غلطة.
قربت منه لحد ما بقيت قدامه مباشرة. وقلت: — الست اللي إنت شايفها مجرد ورثة… بنت الراجل اللي بنا الإمبراطورية دي من الصفر. والست دي لو لمست ابنها تاني… هتدفنك حي بالقانون.
وشه احمر من الغضب. — بتهدديني؟
ابتسمت. — لا… أنا بعرفك النهاية قبل ما تبدأ.
وسبت المكتب ومشيت.
بعد شهر… هشام اتقبض عليه.
تهرب ضريبي. غسيل أموال. وشهادات من شركاءه نفسهم.
كل حاجة كانت بتقع واحدة واحدة.
وفي نص كل ده… كنت أنا بتغير.
بدأت أروح جلسات علاج نفسي.
في الأول كنت محرجة. أنا؟ هنا المنصوري؟ الناس شايفاني قوية.
لكن الحقيقة إن القوة مش إنك ما تقعش. القوة إنك تعترف إنك محتاج مساعدة.
الدكتورة سألتني مرة: — إمتى حسيتِ إنك اختفيتي من نفسك؟
الإجابة طلعت قبل ما أفكر. — أول مرة سامحت فيها كريم بعد ما ضربني.
سكتت. ثم سألت: — ليه سامحتيه؟
بصيت للأرض. — علشان كنت خايفة محدش يحبني بعده.
ولأول مرة… سمعت الجملة بصوت عالي.
وعرفت قد إيه كانت موجعة.
العلاج ما كانش سهل.
كان معناه إني أفتح جروح دفنتها سنين. أعترف بخوفي. بضعفي. بإني كنت أحيانًا بلوم نفسي على اللي حصل.
لكن مع الوقت… بدأت أرجع.
مش هنا اللي قبل كريم.
دي ماتت.
لكن نسخة جديدة. أهدى. أوعى. وأقوى بطريقة مختلفة.
بعد سنتين، آدم دخل المدرسة.
كان ماسك إيدي وهو متوتر. — ماما… لو محدش حبني؟
ضحكت فورًا. — إنت ابن مين؟
قال بجدية: — ابنك.
ركعت قدامه. — يبقى مستحيل.
ابتسم أخيرًا.
وقبل ما يدخل الفصل، لف وبصلي: — إنتِ هتيجي تاخديني؟
قلبي داب. — حتى لو الدنيا كلها وقفت… هاجي.
وأنا براقبه داخل الفصل… افتكرت نفسي وأنا صغيرة.
قبل الخوف. قبل الذل. قبل ما أبقى ست بتخاف من صوت خطوات جوزها.
وقتها فهمت حاجة مهمة جدًا: إحنا ما بننقذش ولادنا بالفلوس. ولا بالحراسة. إحنا بننقذهم لما نكسر الدوائر اللي كسرتنا.
وفي يوم مطر بعد سنين… كنت قاعدة مع آدم في البلكونة بنشرب كاكاو.
فجأة قال: — فاكرة الليلة اللي اتخانقوا فيها عليكي؟
اتجمدت.
قلت بحذر: — فاكرها؟
هز راسه. — فاكر صوتك وإنتِ بتعيطي في العربية.
سكت شوية. ثم قال: — أنا وقتها كنت فاكر إنك سوبر هيرو… واستغربت إن السوبر هيرو بيعيط.
الدموع لمعت في عيني.
سألته: — ودلوقتي؟
ابتسم وهو يشرب الكاكاو. — دلوقتي فهمت إن الشجاعة إن الواحد يخاف… وبرضه يحارب.
ما قدرتش أتكلم.
بس حضنته.
بقوة.
وفي اللحظة دي… عرفت إن كل اللي مريت بيه… ما راحش هدر.
بعدها بسنين طويلة… كنت واقفة في حفل تخرج آدم من الجامعة.
شاب طويل. واثق. وعينه مليانة طيبة ما سمحتش للدنيا تقتلها.
طلع المسرح وسط التصفيق.
وأنا قاعدة في الصف الأول… ببكي.
دادة سعاد جنبي ضحكت. — كل ده علشان شهادة؟
همست: — لا… علشان هو طلع سليم.
وده كان أهم انتصار في حياتي كلها.
مش إني كسبت قضية. ولا إني حافظت على ثروة. ولا إني كسرت كريم.
أهم انتصار… إني ما خليتش ابني يطلع شبهه.
بعد الحفل، آدم نزل حضني قدام الناس كلها.
وقال: — لو ماما ما كانتش قوية… أنا ما كنتش هبقى هنا.
ضحكت وسط دموعي. — وأنا لو ما كنتش خلفتك… ما كنتش هعرف أبقى قوية أصلًا.
في آخر الليل… رجعت البيت لوحدي.
قصر المنصوري كان هادي.
وقفت في نفس الطرقة اللي نزلت فيها الميه على الرخام زمان.
نفسي اتسحب ببطء.
شايفة المكان. سامعة الصريخ. حاسّة بالقلم على وشي.
لكن المرة دي…
مافيش خوف.
مشيت لحد السلم. حطي
ت إيدي على الدرابزين. ثم ابتسمت لنفسي.
الست اللي كانت واقفة هنا زمان… كانت فاكرة إن نهايتها قربت.
ما كانتش تعرف… إن دي أول ليلة في حياتها الحقيقية.
ولأول مرة… نزل المطر بره…
وما خفتش.
تمت