طليقة زوجي الفصل الاخير اسما

الجزء الأخير
خرجت من المستشفى وأنا حاسة إن روحي متبهدلة.
الهواء البارد خبط في وشي… لكن ما فوقنيش.
كل كلمة قالها كريم كانت بتلف في دماغي بشكل مرعب.
“أنا بحبك يا ياسمين.”
الجملة اللي أي ست ممكن تفرح بيها… كانت بالنسبالي بقت كابوس.
لأن الحب اللي من النوع ده… كان بيموت.
رجعت بيت أمي قبل الفجر. لقيتها قاعدة مستنياني في الصالة. أول ما شافت وشي… ما سألتش أي حاجة.
حضنتني بس.
وانهرت.
فضلت أعيط كأني بطلع سموم أربع سنين كاملة.
أربع سنين من الضحك. والسفر. والورود. والحضن. والكلام الحلو.
أربع سنين كنت فاكرة نفسي متجوزة راجل مثالي… وأنا عايشة مع قنبلة موقوتة.
بعد يومين… النيابة بدأت التحقيق الرسمي.
والق*ضية انفجرت.
لأن التحاليل أثبتت وجود نسب معادن سامة فعلًا في جسمي.
ونفس المادة اتوجدت في عينات قديمة محفوظة تخص نهى.
وفجأة… بقت الق*ضية تريند.
“دكتور جامعي يحاول ق*تل زوجاته ببطء.”
القنوات بدأت تتكلم. والصحافة طلعت صورنا. والناس انقسمت.
في ناس شافته قاتل. وفي ناس قالت: “ده مريض محتاج علاج.”
أما أنا… فكنت ضايعة بينهم.
لأن الحقيقة كانت أعقد من أي عنوان صحفي.
كريم ماكانش شيطان تقليدي. ماكانش بيضحك وهو بيقت*ل.
كان بيبصلك بحب… ويحط السم في الكوباية بإيده المرتعشة وهو مقتنع إنه بينقذك.
وده كان المرعب أكتر.
بعد أسبوع… استدعوني أروح أدي إفادتي الأخيرة.
وأنا خارجة من النيابة… شفت راجل واقف بعيد بيراقبني.
أول ما عيني جات في عينه… جسمي كله اتجمد.
كان شبه كريم بشكل مخيف.
نفس العينين. نفس الوقفة. حتى نفس الابتسامة الباردة.
قرب مني بهدوء.
وقال: “ياسمين؟”
رجعت خطوة لورا فورًا.
قال: “ما تخافيش… أنا سامح.”
عرفت فورًا.
أبوه.
قلبي بدأ يدق بعنف.
كان راجل في أواخر الستينات. شيك جدًا. لابس بدلة رمادي. وريحته قوية وثقيلة.
قال بهدوء مرعب: “ابني اتظلم.”
حسيت بالغثيان.
قلت بعصبية: “ابنك قت*ل واحدة وكان هيقت*لني.”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال: “كريم ضعيف… للأسف ورث قلب أمه.”
الكلمة خلت الدم يبرد في عروقي.
قلت: “إنت اللي عملت فيه كده.”
بصلي طويل… وبعدين ضحك.
ضحكة قصيرة باردة.
وقال: “كلنا بنورث أمراض أهلنا يا دكتورة.”
كان في حاجة في صوته مرعبة. ثقة زيادة. برود غريب.
وقبل ما يمشي… قال جملة خلت النوم يهرب من عيني بعدها بأيام:
“لو كنتِ كملتي معاه… كان زمانك بقيتي أقوى.”
سابني ومشي.
لكن الرعب ما سابنيش.
رجعت البيت وأنا مخنوقة.
وفي الليلة دي… ماقدرتش أنام.
كل ما أغمض عيني… أشوف نهى.
أشوف الفيديو بتاعها.
“بس أنا بحبه… ودي مشكلتي.”
ولأول مرة… فهمت الجملة بجد.
لأن رغم كل شيء… كان في جزء جوايا لسه موجوع عليه.
وده خلاني أكره نفسي.
مرت أسابيع.
حالتي الصحية بدأت تتحسن بالتدريج بعد العلاج.
الدكاترة قالوا إن الضرر ماوصلش لمرحلة خطيرة.
كنت محظوظة.
محظوظة بشكل مرعب.
لكن نفسيًا… كنت حطام.
أي كوب أشربه… أشك فيه.
أي دوخة بسيطة… تخليني أترعب.
حتى النوم… بقى عدو.
وفي يوم… دينا طلبت تشوفني.
قابلتها في كافيه هادي في المعادي.
كانت أهدى بكتير من أول مرة. لكن عينيها لسه شايلة خوف قديم.
قالتلي: “في حاجة لازم أوريهالك.”
طلعت ظرف قديم من شنطتها.
وقالت: “ده وصلني بعد طلاقي من كريم بشهر.”
فتحته بإيد مرتعشة.
كان خطاب بخط إيد كريم.
“أنا آسف إني ماقدرتش أنقذك.”
شهقت.
كمل: “أبوكِ كان هيق*تلك زي أمك… وأنا حاولت أسبق المرض.”
رفعت عيني بصدمة.
دينا قالت: “أمي ماتت فعلًا بفشل كلوي.”
الهواء تقل حواليا.
قالت: “كريم كان دايمًا بيدور على ستات عندهم تاريخ مرض مشابه لأمه.”
فجأة… كل حاجة ركبت.
اختياره لزوجاته ماكانش عشوائي.
نهى… أمها ماتت بالكلى.
دينا… أمها نفس الشيء.
وأنا…
أمي كانت عندها مشاكل مزمنة في الكلى فعلًا.
افتكرت أول مرة كريم سألني عن تاريخ العيلة المرضي. وقتها افتكرته بيهتم.
لكن لا.
كان بيدوّر على ضحاياه.
حسيت ببرودة مرعبة.
دينا قالت: “هو كان مؤمن إنه بيمنع النهاية قبل ما تحصل.”
همست: “بس هو اللي كان بيخلق النهاية.”
نزلت عينيها.
“عارفة.”
سكتنا شوية.
وبعدين سألتها: “إنتِ عمرك حبيتيه؟”
ضحكت بمرارة.
وقالت: “للأسف… جدًا.”
الكلمة وجعتني أكتر من أي حاجة.
لأن ده كان أسوأ جزء في الحكاية.
إننا كلنا حبّيناه.
بعد شهر… بدأت محاكمة كريم.
الق*ضية كانت مليانة صحافة.
الكل مستني يشوف “القاتل الوسيم”. زي ما الجرائد سمته.
لكن أول ما دخل القاعة… ماقدرتش أتنفس.
كان هادي جدًا.
لابس بدلة السجن البيضا. وشعره مترتب. وكأنه رايح شغله عادي.
ولما عينه جت في عيني… ابتسم.
الابتسامة نفسها.
قلبي وجعني غصب عني.
كرهت نفسي على الإحساس ده.
المحاكمة استمرت شهور.
خبراء نفسيين. تقارير. تحاليل. شهادات.
وفي النهاية… المحكمة أقرت إنه مسؤول عن وفاة نهى ومحاولة ق*تل زوجاته الأخريات.
لكن كمان… أثبتت إنه مريض نفسيًا.
الحكم كان: الإيداع الدائم في مصحة جنائية مشددة.
يوم الحكم… كريم طلب يتكلم.
القاضي سمحله.
وقف بهدوء. وبص ناحيتي.
وقال: “أنا آسف.”
الصالة كلها سكتت.
قال: “أنا عمري ما كنت عايز أأذي حد.”
دموعي نزلت رغمًا عني.
كرهت نفسي أكتر.
قال: “أنا بس… كنت خايف أشوف حد بحبه بيموت قدامي تاني.”
حتى القاضي نفسه كان باصصله بحزن.
لكن الحزن… ماكانش يمحي الدم.
أبدًا.
بعد الحكم… الحياة المفروض تكمل.
لكن الحقيقة؟
الحياة ما بترجعش زي الأول.
أبدًا.
سيبت الفيلا.
اتباعت بعدها بشهور.
وماحدش رضي يسكنها.
الناس في التجمع بقوا يسموها: “بيت الزوجات.”
أما أنا… فنقلت شقتي قريب من الجامعة.
شقة صغيرة. هادية. فيها شمس كتير.
في البداية… كنت بخاف من الوحدة.
لكن بعد اللي عشته… الوحدة بقت أرحم من الأمان الكداب.
رجعت أدرّس تاني. ورجعت أضحك بالتدريج.
بس في حاجة جوايا اتغيرت للأبد.
بقيت أعرف إن أخطر الناس… مش دايمًا اللي وشهم شرير.
أوقات بيبقوا ألطف ناس قابلتهم.
وفي ليلة شتوية بعد حوالي سنة… وصلني جواب.
من المصحة.
إيدي اتجمدت أول ما شفت الاسم.
كريم.
فضلت ساعة كاملة باصة للظرف.
وفي الآخر… فتحته.
“ياسمين…
عارف إنك غالبًا بتكرهيني. ومعاكي حق.
لكن في حاجة اكتشفتها متأخر جدًا.
أنا طول عمري كنت فاكر إن الحب يعني حماية. حتى لو الحماية دي وجعت.
كنت بشوف أمي بتموت كل يوم… وأبويا يقولي: ‘لو بدأنا العلاج بدري كانت عاشت.’
الجملة دي قت*لت عقلي.
خليتني أصدق إن الخوف يبرر أي شيء.
حتى السم.
أنا مش بطلب تسامحيني. بس بطلب منك تعيشي.
عيشي حياة طبيعية. اشرَبي قهوتك من غير خوف. نامي من غير ما تصحي تتأكدي إنك لسه عايشة.
ومتخليش اللي عملته يسرق منك باقي عمرك.
لأنك… أجمل حاجة حقيقية دخلت حياتي.”
فضلت أبص للخطاب طويل.
وبعدين… ولأول مرة من سنة كاملة…
حسيت إني قادرة أتنفس.
مش علشان سامحته.
أنا عمري ما هسامحه.
لكن علشان أخيرًا فهمت إن الشر أوقات ما بيبقاش جاي من الكراهية.
أوقات بيطلع من خوف مريض… متغلف بالحب.
قفلت الخطاب. ومشيت ناحية البلكونة.
القاهرة كانت منورة تحتيا. وصوت العربيات بعيد.
ولأول مرة من سنين… شربت كوب شاي من غير ما أشك فيه.
ورغم إن إيدي كانت لسه بترتعش شوية…
إلا إني شربته للنهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *